لم يكن صانع الأفلام الأمريكي جورج لوكاس إلا أحدث المنضمين إلى قائمةٍ تتسع يوماً بعد يوم من رموز السينما الذين أعلنوا تقبلهم لدخول الذكاء الاصطناعي عالم الشاشة الفضية.
ففي حديثٍ صحفي أُجري معه مؤخراً، لم يتردد المخرج الشهير في تشبيه رافضي هذه الطفرة التكنولوجية بـ "من يجلس بيننا اليوم ليصر على أن العربات التي تجرها الخيول هي أصل النقل وغايته، أما هذه السيارات الحديثة فلا تأتي إلا بالأعطال وتحتاج للوقود وتجلب الخراب، وقريباً سيحولونها إلى دبابات تحصد أرواح البشر، إنه لأمر جلل ومروع!".
وقد اختارت صحيفة "الغارديان" لتغطيتها ذلك التصريح عنواناً لافتاً: "جورج لوكاس يشبه المشككين في الذكاء الاصطناعي باللوديين المتمسكين بالخيول والعربات القديمة".
ولطالما كان وسم "اللودية" حاضراً في الخطاب العام كوصمة تُرمى بها القوى المناهضة للتطور، أولئك الذين قُدّر عليهم أن تسحقهم عجلة التاريخ وهي تمضي في طريقها إلى الأمام.
غير أن هذا المفهوم، سواء عبر مصطلح "اللودية الجديدة" أو "اللودي الرقمي"، بدأ يستعيد اعتباره اليوم على أيدي أصوات نقدية تُبدي قلقاً بالغاً على مستقبل ظروف العمل، ونسيج المجتمع، وأسس الديمقراطية، في زمنٍ يتقاطع فيه التمدد الجارف للذكاء الاصطناعي مع حمى الأرباح الفردية.
ولكن، من هم اللوديون في الأصل؟
لقد كانت اللودية في جوهرها انتفاضةً شعبية ورداً حاسماً على الصدمات التي أحدثتها الثورة الصناعية في مهدها داخل المجتمع الإنجليزي.
ولم يكن إرث تلك الحركة مجرد حدثٍ عابر، بل امتد أثره عميقاً في الوجدان الإنساني؛ وتجلى ذلك في السجالات الفكرية والثقافية المحتدمة بين ناقدٍ ومدافع، وفي الأعمال الفنية والأدبية، وفي المدونات التاريخية التي تستحضر تجاربهم مع كل قفزة تشهدها التكنولوجيا الرقمية اليوم.
زمنٌ كانت فيه النقابات مجرمة بالقانون
عندما أخذ الاقتصاد السياسي الجديد، المتقد بوهج العبودية العابرة للمحيطات ونهب ثروات المستعمرات، يعيد تشكيل مفهوم العمل في إنجلترا ويدفع بآلات ميكانيكية حديثة إلى خطوط الإنتاج، وقف الحرفيون والنساجون الماهرون في وجه هذا التغيير الجارف؛ دفاعاً عن أرزاقهم، وأسلوب حياتهم، واستقرار مجتمعاتهم المحلية.
في ذلك الوقت، كانت النقابات العمالية حظراً يعاقب عليه القانون، ولم يكن للعمال صوتٌ يمثلهم في أروقة السياسة، كما كانت الجمعيات التعاونية فكرة لم تُولد بعد، وكانت رعاية الدولة مجرد حلمٍ بعيد المنال. وأمام هذا الانسداد، لم يكن أمام العمال لمقاومة الإذعان سوى ما وصفه المؤرخ إريك هوبسباوم بعبارته الشهيرة: "المساومة الجماعية عن طريق الشغب".
فكانت ثورات الجياع، وتحطيم الآلات، وإضرام النيران في المصانع، هي الوسائل الصريحة الوحيدة لإرغام أصحاب العمل والسلطات المحلية على التوقف والإصغاء لمظالمهم المشروعة.
وحين رسم الكاريكاتير الإنجليزي تشارلز ويليامز عام 1819 لوحةً يظهر فيها طبيب بيطري وحداد وهما يهاجمان بقسوة ثلة من المترفين الممتطين للدراجات الهوائية بداعي أنها تهدد وسيلة النقل التقليدية القائمة على الخيول، لم يكن تهشيم الحداد للموقف بمهدته سوى استحضار صريح لموجة تدمير الآلات التي زلزلت البلاد قبل ذلك بنحو عقد من الزمان.
لقد جاء رسم ويليامز الساخر بعد سنوات قليلة من انتفاضة عارمة شهدتها بريطانيا، وهي الانتفاضة التي شهدت ميلاد مصطلحي "اللودية" و"اللودي" وشيوعهما بين الناس.
محطات فارقة في تاريخ الانتفاضة
يجزم المؤرخون أن الشعلة الأولى لل حركة اللودية اندلعت عام 1811 في محافظة نوتنغهامشاير بالوسط الإنجليزي.
أقامت مجموعة من نساجي الجوارب تنظيماً سرياً، قيل إنه كان يتحرك بإمرة قائدٍ أسطوري يدعى "نيد لود"، وهو رمزٌ خيالي أُسبغت عليه ألقاب شتى كـ "النقيب" أو "الجنرال" أو "الملك لود".
وفي ظل الضائقة الاقتصادية الخانقة التي مخضتها الحروب النابليونية، وجد النساجون في آلات الحياكة الحديثة ذات الأطر العريضة غريماً يستلب أجورهم، ويقضي على فرص عملهم، ويزيد محنتهم بلاءً. وفي هجماتٍ منظمة، صب العمال جام غضبهم على تلك الآلات فدمّروا ما يزيد على ألف آلة حياكة، قبل أن تنتقل شرارة التدمير لتشمل مناطق غزل القطن ونسيجه في لانكشاير ويوركشاير.
وأمام هول هذه الموجة، وخوفاً من أن تحمل في طياتها بذور ثورة شعبية تسير على خطى الثورة الفرنسية للإطاحة بالنظام القائم، واجهت الحكومة الأمر ببطشٍ شديد؛ فأرسلت 12,000 جندي لإخماد الاضطرابات، وصوّت البرلمان بأغلبية ساحقة على إقرار عقوبة الإعدام شنقاً لكل من يثبت تورطه في تحطيم الآلات.
ونجحت الطبقة الحاكمة في إعادة فرض سطوتها، رغم التفجرات المتفرقة التي ظلت تقع حتى عام 1816، معتمدةً في إخضاع الشارع على مشانق استعراضية وأحكام بالنفي القسري إلى أستراليا. كان الإصرار الحكومي جلياً: لا مجال للسماح بقيام ثورة، وحماية الممتلكات خط أحمر، والتوسع الاقتصادي ينبغي أن يمضي دون قيود.
فهل كان اللوديون يستحقون كل هذا التقبيح والتشويه؟
بصفتي مؤرخاً تعمق في دراسة التاريخ الإنجليزي خلال العصر الصناعي، وبالتوازي مع رأي جمع غفير من الباحثين، أقولها ملء الفم: لا، على الإطلاق.
لم يكن اللوديون مجرد غوغاء يضربون في أرجاء الأرض عشوائياً، بل كانوا أصحاب رسالة، وقد وصلت رسالتهم تلك، ولو بحدود معينة. وعلى امتداد القرن التاسع عشر، شكلت حركتهم، إلى جانب نضالات الراديكاليين السياسيين والمدافعين عن حقوق العمال، حجر الزاوية في معركة طويلة من أجل الكرامة والحق والعدالة. وهي معركة أثمرت في نهاية المطاف، وأجبرت النخبة الحاكمة على القبول بالتنازلات والحلول الوسط بدلاً من الاستمرار في الاعتماد الكلي على القوة الغاشمة.
وكما عبّر المؤرخ إي بي تومسون في كتابه المرجعي "تشكل الطبقة العاملة الإنجليزية"، فإن اللوديين بحاجة ماسة إلى مَن ينتشلهم من "استعلاء الأجيال اللاحقة ونظرتها الفوقية".
أصداء اللودية في عوالم الشعر والأدب
كان الشاعر لورد بايرون من النبلاء القلائل الذين امتلكوا شجاعة التعاطف مع اللوديين؛ ففي خطابه الأول تحت قبة مجلس اللوردات، اعتصر الألم كلماته وهو يصف كيف دفعت "المسغبة الخالصة" و"البؤس الفادح" هؤلاء الناس إلى الاحتجاج، معرباً عن أسفه لأن الحكومة، بدلاً من أن تبدي الرحمة وتسعى لرفع الظلم، لم تجد جواباً سوى "الفرسان والجلادين".
وبعد أشهر قليلة، نَشر بايرون في إحدى صحف لندن قصيدة هجائية لاذعة تُجسد المعنى ذاته:
"يرى القومُ أسبابَ الذهولِ جليّةً إذا ما استغاثَ الجوعُ والفقرُ يزأرُ كيفَ تُستخصَصُ الأرواحُ دونَ خِيَاطةٍ ويغدو تهشيمُ العظامِ جزاءَ مَن بالآلةِ يغدرُ"
ولم يكن الشاعر بيرسي بيش شيلي أقل منه غضباً؛ إذ جمعت قصيدته "الملكة ماب" الصادرة عام 1813 بين التطلع إلى أفق يوتوبي مأمول، وبين شن هجومٍ كاسح على سلطة الدولة، والدين المؤسسي، والرأسمالية التي أفرزها عصر الآلة وسلبت الإنسان روحه.
أما ماري وولستونكرافت شيلي، زوجة بيرسي وابنة الفيلسوفة النسوية الشهيرة ماري وولستونكرافت، فقد استلهمت روح القضية اللودية وهي تصوغ روايتها الخالدة "فرانكنشتاين" عام 1818. فالمخلوق المشوه الذي صنعه فيكتور فرانكنشتاين، شأنه شأن "نيد لود"، لم يتحول إلى كائن سفاح ومدمّر إلا بعد أن ذاق صنوفاً من القسوة والامتهان.
كانت الفكرة الشارحة جليّة: ليس التقدم التكنولوجي شراً بحد ذاته، ولكن متى ما تحوّل إلى معركة صفربة تحصد فيها طرفٌ كل شيء ويخسر الطرف الآخر كل شيء، فإن الرأسمالية الصناعية تغدو تجريداً كاملاً من الإنسانية، وتصبح المقاومة عندئذ خياراً لا مفر منه.
ولم يكن هؤلاء الشعراء والكتّاب سوى الرعيل الأول الذي استجاب لهذا الحراك؛ إذ تبعهم روائيون كبار حفروا في المجرى نفسه، وفي مقدمتهم شارلوت برونتي وسامويل بتلر.
ففي رواية برونتي "شيرلي" الصادرة عام 1849، والتي دارت أحداثها في يوركشاير إبان اضطرابات عامي 1811 و1812، امتزج التعاطف العميق مع بؤس العمال برفض العنف، مع الدعوة إلى تبني أصحاب المصانع نهجاً أبوياً يرعى حقوق الأجراء.
أما سامويل بتلر، فقد قدم في روايته "إيروهون" عام 1872 الذروة الأدبية للتفكير اللودي، عبر تجسيد مجتمعٍ خيالي حظر استخدام الآلات ودمر الاختراعات؛ خوفاً من أن تتطور فتستولي على مقاليد الحياة وتستعبد البشر.
لم تكن ضرباً من الطيش الأعمى
قد يكون اللوديون قد خسروا جولتهم المباشرة في إنجلترا إبان عهد الوصاية على العرش، وقد تكون الدولة والطبقات المالكة قد حسمت الصراع لصالحها في ذلك الوقت.
لكن خطأً كبيراً أن نختزل تاريخهم ونراهم مجرد ضحايا سحقتهم عجلة التصنيع ومضت.
إن الصور الكاريكاتيرية التي اختزلت اللوديين في المظهر السلبي كـ "مهزومين في مسيرة التاريخ" هي صور جائرة وعارية عن الصحة؛ والبرهان الأسطع على ذلك أن العالم، بعد كل هذه العقود، لم يتوقف عن الحديث عنهم واستعادة تجربتهم حتى يومنا هذا.
