القائمة الرئيسية

سيرة حمض البيكريك

سيرة حمض البيكريك
ملخص المقال

يجسد تاريخ حمض البيكريك مفارقة لافتة في الكيمياء، إذ انتقل من كونه أول صبغة اصطناعية اكتشفها بيتر وولف عام 1771 إلى مادة شديدة الانفجار استُخدمت على نطاق واسع في القذائف خلال الحروب، رغم خطورتها على العاملين في تصنيعها، قبل أن تتسبب هذه المخاطر في تراجع استخدامها مع ظهور بدائل أكثر أماناً. وفي المقابل، استُخدم الحمض في الطب لعلاج الملاريا وفقر الدم والحروق والجروح، بل لعلاج «قدم الخندق» لدى الجنود خلال الحرب العالمية الأولى، ما يكشف تناقضاً صارخاً بين قدرته على التدمير وقدرته على تخفيف المعاناة. وتبرز كارثة انفجار سفينة «مون بلان» في هاليفاكس عام 1917، التي أودت بحياة نحو 1,900 شخص وأصابت آلافاً آخرين، مدى خطورة التعامل مع هذه المادة دون ضوابط كافية. وانتهى المطاف بحمض البيكريك إلى استخدام أكثر أماناً بوصفه صبغة دقيقة في الفحوصات المجهرية، لتؤكد قصته أن أثر المواد الكيميائية لا تحدده خصائصها وحدها، بل أيضاً كيفية توظيف البشر لها.

عن تقلبات مادة كيميائية، وحصاد خياراتنا البشرية.

مع حلول عيد الشكر لعام 1917، كانت القوات الأمريكية تطأ للتو أرض المعارك على الجبهة الغربية، غير أن طلقات الحرب العالمية الأولى كانت قد عبرت مياه المحيط الأطلسي قبل ذلك بمداد طويل. فعلى مدار سنوات، وعلى الرغم من التزام الولايات المتحدة بالحياد الرسمي، إلا أن مصانعها ظلت الشريان الذي يمد قوات الحلفاء بالعتاد والذخائر.

وعلى ضفاف ميناء نيويورك التي لُفت بالبرود، كانت السفينة الحربية الفرنسية "مون بلان" تربض وفي جوفها شحنة متفجرة تشيب لها الولدان: 62 طناً من قطن البارود، و250 طناً من شديد الانفجار "تي إن تي"، والأشد هولاً من ذلك كله، 2,366 طناً من حمض البيكريك. وقبل إبحارها لحظات، ألحق بها أمر فرنسي مستعجل شحنة إضافية من "البنزول"، وهو بديل للبنزين بالغ التطاير والاشتعال. وفي عجلة من أمرهم، حشر عمال الشحن تلك البراميل على سطح السفينة، ليصنعوا دون أن يدروا فتيلاً مثالياً لكارثة محققة.

أبحرت السفينة شمالاً تعالي الموج نحو ميناء "هاليفاكس" في "نوفا سكوشا"، لتلتحق بقافلة للحلفاء تستعد لعبور الأطلسي. وفي أوقات السلم، كان الحرص يقتضي رفع أعلام حمراء تحذر الجميع من الشحنة الخطرة، غير أن الخوف من ترصد الغواصات الألمانية أجبرهم على التخلي عن هذا الإجراء. تسللت "مون بلان" مع الشريط الساحلي وسط طقس عاصف حتى بلغت "هاليفاكس" في الخامس من ديسمبر. ولأنها وصلت متأخرة عن موعد إغلاق الميناء، ألقى الطاقم مرساه في الانتظار القلق لتباشير الصباح.

مع إشراقة اليوم التالي، وبعد رفع الشباك الواقية من الغواصات، تولى مرشد بحري قيادة السفينة نحو الداخل، موظفاً حذره الشديد في الممر الضيق المسمى "المضايق". وهناك، لمح الطاقم السفينة "إيمو" — وهي سفينة إغاثة مخصصة لبلجيكا — تقبل نحوهم بسرعة جنونية مجتازة المسار المخصص لـ "مون بلان". أطلق المرشد صيحات التحذير بالصفارات، لكن "إيمو" ردت بالمثل مقتحمة الممر دون إبداء أي مرونة للتحرف. وفي اللحظة الأخيرة، حاول المرشدان إتقان مناورة لتفادي الارتطام، لكن الفأس كانت قد وقعت في الرأس.

شقت "إيمو" جدار "مون بلان" بجرح غائر، ليطيح الاحتكاك ببراميل البنزول وتنسكب حمولتها على السطح. وعندما حاولت "إيمو" التراجع للخلف، أدى احتكاك الهيكلين المعدنيين إلى إطلاق شرار تطاير على السطح المخضوب بالبنزول، لتندلع النيران في لحظات. أدك القبطان وطاقمه أنهم يقفون على قنبلة موقوتة ستنفجر في أي لحظة، ففروا هارباً عبر قوارب النجاة وهم يصرخون بالتحذير للمراكب القريبة التي سارعت للمساعدة في إطفاء الحريق، بينما ظلت "مون بلان" المشتعلة تائهة تتجه نحو الشاطئ.

كانت الحرب قد حولت "هاليفاكس" إلى خلية نحل يعج بها النشاط، ومثل أي صباح يوم خميس، كان الأطفال والعمال يهرعون إلى مدارسهم ومصانعهم. غير أن المشهد المهيب للسفينة المشتعلة أوقف حركة الحياة؛ إذ تسمرت أنظار السكان وانجذبوا نحو الشاطئ لمتابعة العرض، دون أن يدركوا حجم الهلاك الذي ينتظرهم.

في غضون دقائق، بلغت ألسنة اللهب شحنة حمض البيكريك لتتأجج الكارثة. وقع انفجار مهول هز الأركان وسمع صداه حتى مدينة "سيدني" على بعد 200 ميل شمال شرقي البلاد. وفي "هاليفاكس"، أطاح الانفجار بالناس في الهواء، وعصف بالنوافذ، وأمطر الحشود المذعورة بوابل من الشظايا والحديد. ولم تكد تمضي لحظات حتى ضربت تسونامي بارتفاع 52 قدماً تجتاح ثلاثة أحياء كاملة وتغمر حي "ريتشموند". مُحي كل شيء في شعاع ميل ونصف من مركز الانفجار، وقُتل زهاء 1,600 شخص في التو واللحظة، ينما استسلم 300 آخرون لجراحهم لاحقاً. وأصيب نحو 9,000 شخص، وأصبح أكثر من 25,000 إنسان بلا مأوى — أي ما يعادل نصف سكان المدينة حينها. أما السفينة "مون بلان"، فقد تفتتت وكأنها لم تكن.

ترجل "ويليام بارتون"، أحد نزلاء فندق هاليفاكس القريب، يتخبط في خطاه نحو الشارع ليرى "سحابة دخانية عملاقة" ترتفع فوق الركام، وقد تساوى العالم من حوله بالأرض. استرجع تلك اللحظة قائلاً: "في عشر ثوانٍ، كان كل شيء قد انتهى". لم تشهد البشرية هذا الحجم من الدمار اللحظي إلا بعد عقود مع ظهور القنبلة الذرية. كان الانفجار أكبر مأساة من صنع الإنسان تشهدها الأرض حتى ذلك الحين، ومن بين كل الكوارث التي ارتبطت بحمض البيكريك، كانت هذه المحطة هي الأشد قسوة على الإطلاق.

لم تكن بدايات اكتشاف حمض البيكريك تتنبأ بأي من هذه الويلات، بل على العكس؛ فقد أطل على العالم كبشارة بمستقبل أكثر إشراقاً. غير أن العلماء، بمرور الزمن، كشفوا عن أقنعة متعددة لهذه المادة الكيميائية المعقدة والمشبعة بالتناقضات — وهي تناقضات تشبه إلى حد كبير شخصية مكتشفها نفسه.

كان "بيتر وولف" شخصية فريدة تجمع بين عبقرية العلم وشطحات التصوف والغموض. ولد في أيرلندا عام 1727، وعاش بين إسبانيا وفرنسا قبل أن يستقر في لندن لمتابعة شغفه العلمي. وقد أهله أسلوبه الصارم في دراسة المعادن وتطويره للأواني الزجاجية المختبرية لنيل عضوية الجمعية الملكية عام 1767، ثم حصد أرفع جوائزها "وسام كوبلي" بعد ذلك بعام واحد.

غير أن هذه المكانة المرموقة في الأوساط العلمية كانت تتصادم مع نمط حياته العجيب؛ فقد عرف عنه دعوة أصدقائه لمشاركته طعام الفطور في الرابعة صباحاً، شرط أن يقرعوا الباب بضريات متفق عليها. ولعلاج نزلات البرد، كان يمتطي عربة البريد السريعة متجهاً من لندن إلى إدنبرة — وهي مسافة تقارب 400 ميل — ثم يعود فور وصوله دون استراحة! وفي معمله، قضى سنوات يحاول تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب والبحث عن "إكسير الحياة"، وكان يعزو فشل تجاربه إلى نقص أعماله الصالحة ومدى تقواه، ولذلك كان يلصق الأدعية والآيات على أدواته المخبرية لعلها تفتح له أبواب النجاح.

وفي عام 1771، وخلال إحدى تجاربه الممتلئة بالشغف، خلط "وولف" حمض النيتريك مع صبغة النيلة، ليلاحظ أن هذا المزيج يصبغ الحرير بلون أصفر ناصع. وضع "وولف" خطة عمل تفصيلية لإنتاج ما سيُعرف لاحقاً كأول صبغة اصطناعية في التاريخ، والتي أطلق عليها اسم "حمض البيكريك" مشتقاً الاسم من الكلمة اليونانية (pikros) التي تعني "المر"، بسب طعمه شديد المرارة.

رحل "وولف" عن العالم قبل أن يجني ثمار اكتشافه، وكان ضحية لمعتقداته الطبيّة الغريبة؛ ففي إحدى رحلاته العلاجية القاسية إلى إدنبرة عام 1803، أصيب بائتلاف حاد في الرئتين، ولدى عودته، حبس نفسه في غرفته ورفض الاستعانة بالأطباء حتى وافته المنية.

بعد أربعين عاماً تقريباً من وفاة "وولف"، شهد إنتاج حمض البيكريك نقطة تحول مفصلية، إذ اكتشف الكيميائيون إمكانية استخراجه من "الفينول" — وهي مادة تخرج من قطران الفحم الذي كان يمثل النفايات اللزجة والوفيرة لصناعة غاز الفحم المزدهرة، والتي كانت تمد المصانع بالطاقة وتضيء شوارع المدن.

وعند معالجة الفينول بحمض النيتريك، تحل ثلاث مجموعات نيترو محل ثلاث ذرات هيدروجين على الحلقة العطرية للفينول، فيتحول هذا المركب عديم اللون إلى مركب البيكريك النيتروعطري (ثلاثي نتروفينول)، ببلوراته الصفراء اللامعة. ورغم أن وفرة المادة الخام جعلت منه صبغة منزلية رائجة في منتصف القرن التاسع عشر، إلا أن نجاحه في عالم النسيج ظل محدواً؛ إذ إن لونه الأصفر البراق لم يكن يمتلك القوة الكافية للصمود أمام أشعة الشمس.

لكن الشغف بهذا المركب لم ينطفئ. فمع مرور الوقت، اكتشف العلماء أن لحمض البيكريك وجهاً آخر أكثر شراسة؛ فهو حمض قوي يتفاعل بسهولة مع المعادن والأكاسيد ليكون أملاحاً معدنية غير مستقرة تُعرف بـ "البيكربونات"، وهي مواد شديدة الانفجار. ومع ذلك، ظلت قدراته التفجيرية مجرد الملاحظات الهامشية حتى ظهرت ابتكارات كيميائية غيرت مجرى الأحداث.

ففي سلسلة من الأبحاث التي نشرت بين عامي 1871 و1873، أثبت الكيميائي "هيرمان شبرينغل" أن حمض البيكريك "يحتوي بمفرده على كمية كافية من الأكسجين المتاح تجعله متفجراً عاتياً دون الحاجة لمؤكسدات خارجية"، مبرهناً على إمكانية تفجيره بفاعلية. وبناءً على هذه القواعد، ابتكر الكيميائي الفرنسي "أوجين توربان" طريقة لصهر حمض البيكريك وصبه مباشرة داخل القذائف، ليعلن بذلك ميلاد استخدامه العملي كحشوة للمدفعية. ولم يمض وقت طويل حتى غيّر هذا المركب وجه الحروب إلى الأبد.

تتطلب القذائف المدفعية معايير دقيقة للحشوة المتفجرة:

يجب أن تولد قوة تفجيرية عاتية تُطلق حسماً هائلاً من الغازات الحرارية.

يجب أن تتمتع بقدر من الثبات يتيح لها تحمل صدمة الإطلاق واختراق الهدف قبل أن تنفجر.

يلزم أن تتسم بكثافة عالية لجمع أكبر كمية ممكنة في مساحة ضيقة.

يقتضي أن تملك سرعة تفجيرية فائقة لزيادة القدرة على التدمير والتفتيت.

يجب أن تستجيب بفاعلية للصواعق، شريطة ألا تكون الصواعق نفسها مفرطة الحساسية.

وأخيراً، يجب أن تكون آمنة ومستقرة قدر الإمكان في مراحل التصنيع.

قليلة هي المواد التي تستوفي هذه الشروط القاسية؛ وكان العيب القاتل لحمض البيكريك هو تقلب حالته وعدم استقراره، مما يجعله خطراً داهماً أثناء التداول. غير أن قوته التفجيرية — التي تفوق الديناميت بعشرة أضعاف — جعلت الجيوش تغض الطرف عن مخاطره. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، أصبح الحمض المادة المعتمدة لملء القذائف حول العالم بأسماء وتركيبات متباينة: "الميلينايت" في فرنسا، و"الليدايت" في بريطانيا، و"البيرتايت" في إيطاليا، و"الغراناتفولونغ 88" في ألمانيا، و"الإيكراسايت" في النمسا والمجر.

وفي اليابان، حُشيت القذائف بمسحوق "شيموس" المستند إلى الحمض، واستُخدمت لقصف الأسطول الروسي في معركة "تسوشيما" عام 1905. أمطرت السفن الروسية بوابل من القذائف التي كانت تنفجر بمجرد الملامسة وبقوة فاقت كل التوقعات. مزقت الانفجارات الدروع الفولاذية والمباني الفوقية للسفن. وفي مذكراته، كتب القبطان الروسي "فلاديمير سيمينوف": "لم يكن لدمار كهذا أن يحدث لمجرد اصطدام قذيفة أو حتى بفعل الشظايا، إنه أثر القوة التفجيرية المحضة". وبذهول، شاهد القذائف وهي تنشر "لهباً سائلاً" يحرق حتى الصناديق المشبعة بالماء وينزع الطلاء عن الفولاذ. وبنهاية المعركة، كانت ثلاثة سفن روسية قد استقرت في القاع، وقتل أو أسر أكثر من 12,000 بحار روسي، ليولد النجم الياباني كقوة عالمية جديدة.

فتح نجاح حمض البيكريك الباب لظهور متفجرات نيتروعطرية أخرى، وفي مقدمتها "ثلاثي نتروتولوين" (TNT)، والتي نجحت في سحب البساط من تحته لاحقاً. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان الحمض لا يزال خياراً رئيسياً، لا سيما لدى الجيش الفرنسي. وعلى مدار سنوات الحرب الأربع، أطلق أكثر من 1.5 مليار قذيفة مدفعية على الجبهة الغربية وحدها — تسببت في 60% من ضحايا المعارك في حرب حصدت أرواح 8.5 مليون جندي.

ولمواكبة هذا الشغف الهائل بالموت، اتجه الحلفاء إلى الولايات المتحدة لتأمين إمدادات حمض البيكريك والمواد المتفجرة. فاحتلت المصانع الساحل الأطلسي، وبحلول نوفمبر 1917، كانت أمريكا تنتج 600,000 رطل من حمض البيكريك شهرياً — وهو رقم تضاعف عشرين مرة خلال عام واحد!

وفي ظل غياب الرقابة والضوابط، كان العمال يكدحون في بيئات تفتقر للتهوية، فيستنشقون أبخرة النيتروز التي خلفت ندوباً غائرة في أجهزة تنفسهم. أما الغبار الأصفر السام فكان يحرق أجسادهم ويصبغهم من الرأس إلى القدم، ليطلق عليهم لقب "طيور الكناري".

بدأت "أليس هاميلتون"، الرائدة في مجال الصحة المهنية، تقفي أثر هذه الكارثة الإنسانية. كانت تهتدي إلى المصانع السرية عبر تتبع السحب الصفراء والبرتقالية المتصاعدة من المداخن، ثم تلاحق "طيور الكناري" البشرية لتصل إلى قلب المعامل. وفي تقريرها الصادر عام 1917 حول 41 مصنعاً للذخيرة، سجلت 2,432 حالة تسمم مهني، كانت أبخرة النيتروز مسؤولة عن 1,389 حالة منها، وعن وفاة 28 عاملاً من أصل 53. شكّلت أبحاث "هاميلتون" الحجر الأساس لظهور "علم السموم الصناعية"، وساهم تقريرها في فرض ضوابط السلامة التي نراها اليوم بديهية؛ كالتهوية المناسبة، والملابس الواقية، وتحديد أوقات التعرض للمواد الخطرة، والمتابعة الطبية الدورية.

غير أن الابتكارات المتلاحقة في أسلحة الدمار أدت إلى نتيجة عكسية؛ إذ تسببت في جمود جبهات القتال، ولم يعد بمقدور الجنود التقدم أمام زخات المدفعية السريعة. وبدلاً من المواجهة، حفرت المشاة الخنادق لتبدأ حرب العصابات والانتظار. قبع الجنود لأيام في وحل الخنادق المائية وسط الحشرات، يقتتلون مع الرتابة والكآبة التي لا يقطعها إلا دوي القذائف الممزق للأعصاب.

خلّفت هذه الخنادق ظروفاً صحية قاسية، وعلى رأسها عارض مرعب عُرف بـ "قدم الخندق"، والذي أصاب أكثر من 75,000 جندي بريطاني و2,000 أمريكي. تبدأ الحالة بوخز وحكة وتنميل، لتتحول إلى تلف في الجلد والأنسجة جراء التعرض المستمر للبرودة والرطوبة، ثم تتورم الساق لتصل أحياناً إلى الركبة قبل أن تضربها "الغرغرينة"، والتي تعني الموت المحقق إن تُركت دون علاج. ولمواجهة هذا الخطر، لجأ الأطباء إلى طلاء أقدام الجنود بمحلول حمض البيكريك بتركيز 1%.

وبقدر ما يبدو الأمر منافياً للعقل، فإن المادة المتفجرة التي حصت الأرواح ونشرت الدمار، هي ذاتها التي كانت تلملم جراح الجنود وتطببهم!

يعود تاريخ البحث في التأثير الفسيولوجي لحمض البيكريك إلى عام 1827، حينما اختُبرت سميته على الكلاب. وفي خمسينيات القرن التاسع عشر، برز مجدداً باسم "حمض الكاربازوتيك"؛ حيث أعلن الدكتور "بيل" من مدينة مانشستر عن نجاحه في استخدامه لعلاج الحمى المتقطعة المصاحبة للملاريا. قدم الحمض علاجاً رخيصاً وفعالاً للجنود البريطانيين في الهند بعد أن فقد العقار التقليدي "الكينين" قدرته الشفائية. وبحلول عام 1868، كانت مجلة "سبيكتريك أمريكان" تشيد بالفوائد الطبية لهذه المادة التي عُرفت باختراق الدروع الفولاذية: "بينما تتمتع هذه المركبات بصفات تدميرية هائلة، فإنها تحمل في طياتها خصائص قادرة على التخفيف من المعاناة البشرية".

بدأ الأطباء يصفونه لعلاج فقر الدم والصداع والإسهال، ورغم المشاهدات التي أشارت إلى تحول جلد المرضى وأعينهم إلى اللون الأصفر، إلا أنه أصبح عقاراً شائعاً في بريطانيا وعدة دول مع نهاية القرن التاسع عشر.

ولم تتوقف الفوائد عند هذا الحد؛ إذ أثبت الحمض كفاءة عالية في العلاجات الموضعية، وبات مكوناً رئيسياً في صيدليات المنازل وحقائب الإسعافات الأولية لعلاج حروق الدرجة الأولى والثانية. كان تضميد الجرح بضمادة مشبعة بحمض البيكريك المخفف يمنح المريض تخفيفاً للألم وتعقيماً للجرح، مانعاً تكون الصديد. وقد أذهلت هذه النتائج "ف. إي. تولاي" لدرجة دفعت به عام 1898 للكتابة إلى مجلة الجمعية الطبية الأمريكية يشيد بهذا العلاج السحري، موضحاً أن الاستخدام المنتظم للمحلول أزال خطر الصدمات وتسمم الدم المصاحب للحروق البالغة، وداعياً زملائه لتجربته. ولفت هذا الطرح أنظار أطباء آخرين، ومنهم "ت. ف. براون"، المسؤول الطبي في المستشفى الأسترالي في مصر، والذي اختبر العلاج خلال الحرب العالمية الأولى على أكثر من 3,000 جندي جريح قادمين من معركة "جاليبولي" الطاحنة. ولاحظ "براون" أن حمض البيكريك يفوق "حمض الكاربوليك" بأربعة أضعاف في القضاء على البكتيريا الشديدة في غضون دقيقتين فقط، كما أنه أقل إثارة للتهيج من اليود، وتساهم خصائصه المهدئة في تقليل الحاجة للمورفين والأسبرين. وأمام هذه الشواهد، أوصى براون بتوفير حمض البيكريك في جميع النقاط الطبية وسيارت الإسعاف الميدانية.

غير أن هذه الحقبة الذهبية لحمض البيكريك لم تدم طويلاً بعد الحرب العالمية الأولى؛ إذ إن عدم استقراره وخطورته، إلى جانب اكتشاف بدائل أكثر أماناً، حسمت نهايته كسلاح وكدواء على حد سواء. وإذا ما صادفت اليوم زجاجة قديمة منه في حقيبة إسعافات أثرية، فالخيار الأثوب هو الاستعانة بفرقة تفكيك المفرقعات بدلاً من وضعها على الجرح!

إن سيرة حمض البيكريك ليست مجرد حكاية عن مادة كيميائية متطايرة، بل هي تجسيد للازدواجية التي تحكم عالم الكيمياء — وجه رحيم يطبب، وآخر عاتٍ يدمر. وهي قصيدة تتكرر مع عناصر أخرى كالكلور، ومركبات معقدة كـ "الدي دي تي". فمسار هذه المواد تشكله النوايا البشرية والعبقرية العلمية بقدر ما تشكله طبيعتها الكيميائية المجردة، وهو ما تتجلى بأبهى صورة في حكاية قديمة قادمة من جزيرة "موهو" الصغير في البحر البلتيق.

تقول الأسطورة إن سكان الجزيرة في ثلاثينيات القرن الماضي بدأوا في غوص المياه الضحلة لاستخراج حمض البيكريك من حطام السفينة الحربية الروسية "سلافا" التي غرقت خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى اليابسة، أعاد الأهالي استخدام المتفجرات المستخرجة لصبغ تنانيرهم اليدوية بلون أصفر براق يأسر الأنظار، ليتسبب ذلك في موضة شعبية اجتاحت المنطقة بعيد الحرب.

وكذلك فعل العلماء؛ إذ أعادوا هذه المادة إلى أصولها الأولى. واليوم، يستقر حمض البيكريك في مكانة جديدة ومستحقة داخل أروقة الطب — بوصفه صبغة نسيجية عالية الدقة تُستخدم في الفحوصات المجهرية.

المصدر

مقالات ذات صلة