تستكشف الدكتورة كارولين بايان، المتخصصة في اللغويات التطبيقية بجامعة كيبيك في مونتريال بكندا، آفاق "التعدد اللغوي التكاملي"، وهو منحى يقوم على استثمار اللغات المتعددة في تدريس اللغات وتعلمها. وتسلط الضوء على قدرة هذا النهج على إحداث تحول جذرِيّ، لا يقتصر على البيئة التعليمية داخل الفصول الدراسية فحسب، بل يمتد ليعيد تشكيل رؤيتنا للغة والثقافة والهوية.
تحدث بلسان باحث في اللغويات التطبيقية
المدخلات اللغوية: حصيلة الخطاب والمعلومات اللغوية التي يتلقاها الفرد، سواء عن طريق الاستماع أو القراءة.
الرصيد اللغوي: مجمل المعارف والمهارات اللغوية، كليّةً كانت أو جزئية، التي يستحضرها الفرد للتواصل مع الآخرين.
المنهج أحادي اللغة: أسلوب في تدريس اللغات يحظر استخدام أي لغة سوى اللغة المراد تعليمها داخل القاعة الدراسية.
المنهج التعددي اللغوي: أسلوب تعليمي يعترف بالرصيد اللغوي الشامل للطلاب ويستثمره كعنصر ثراء في عملية التعلم.
التعدد اللغوي التكاملي: القدرة على إدراك واستعمال لغات متعددة والتواصل بها، مع الانفتاح على التنوع اللغوي والثقافي واحتضانه.
تأمل معي تجربة الدخول إلى فصل دراسي لا تكتفي فيه البيئة التعليمية باحترام كل لغة ينطق بها الطالب، بل تحتفي بها وتجعل منها ركيزة أساسية؛ مكان لا يُنظر فيه إلى التباين اللغوي بوصفه عقبة، بل باعتباره جسراً يمتد لنحوٍ أعمق من الفهم والتقارب الإنساني. وفي ظل عالمنا المعاصر القائم على الانفتاح والعولمة، لم تعد القدرة على التواصل عبر الحدود اللغوية مجرد مهارة إضافية يُستحسن اقتناؤها، بل أصبحت ضرورة ملحة، واكتسبت اللغة في المنظومة التعليمية أبعاداً ومضامين جديدة. إن اللغة ليست مجرد أداة لتبادل الأفكار وبناء الجسور بين البشر فحسب، بل هي الركيزة الأولى لتبادل الثقافات وترسيخ الاحترام المتبادل.
ما المقصود بالتعدد اللغوي التكاملي؟
تسعى الدكتورة كارولين بايان، بصفتها باحثة في اللغويات التطبيقية ومؤهلة لمعلمي اللغات في جامعة كيبيك في مونتريال، إلى صياغة رؤية جديدة لتعليم اللغات من خلال الدعوة إلى اعتماد أساليب تدريس قائمة على التعدد اللغوي التكاملي.
وتوضح كارولين ذلك بقولها: إن التعدد اللغوي التكاملي، بوصفه إطاراً نظرياً ونهجاً عملياً لتعليم اللغات وتعلمها، يركز على استكشاف الرصيد اللغوي الشامل للفرد واستثماره. وقد يشمل هذا الرصيد معارف بلغات متعددة، تتفاوت فيها مستويات الإتقان والكفاءة من لغة إلى أخرى.
ويتجاوز التعدد اللغوي التكاملي مجرد الحديث بلغات عدة؛ إذ يتصل بعمق باحتضان التنوع الثقافي واللغوي الثري الذي يصيغ ملامح شخصية كل منا. فكل لغة نتقنها تفتح لنا نافذة فريدة على جوانب من ثقافتنا وطرق تفكيرنا، وهذا التنوع هو ما يثري إدراكنا للعالم ويمنحنا القدرة على التواصل مع الآخرين من مختلف المشارب والخلفيات.
كيف يصيغ رصيدك اللغوي معالم هويتك؟
تُبيّن كارولين هذا المفهوم قائلة: في عالم مثالي، تُعامل جميع اللغات والمتحدثون بها على قدم المساواة، غير أن الواقع العملي يعكس تفاوتاً وتبايناً واسع النطاق. ومن ثم، فإن إدراك طبيعة العلاقات المركبة بين اللغة والمجتمع والهوية يُعد أمراً جوهرياً لإيجاد بيئات لغوية أكثر شمولاً، يستشعر فيها الأفراد قدرتهم على التعبير والاحترام.
إن تجاربنا اللغوية تسهم بشكل مباشر في تشكيل هوياتنا ونمط تفاعلنا مع المحيطين بنا. فعندما يُمنع الطلاب من استخدام لغاتهم الأم داخل المؤسسات التعليمية، قد يتسرب إليهم شعور بأن هوياتهم وثقافاتهم تقع موقع الرفض أو التهميش. وفي المقابل، عندما يُشجع الطلاب على استحضار رصيدهم اللغوي الكامل واستخدامه، تترسخ لديهم مشاعر الانتماء والاعتزاز بهويتهم.
ما الحجج المصاحبة للمنهج أحادي اللغة في تعليم اللغات وما الآخذة عليه؟
توضح كارولين ذلك بقولها: يرى أنصار المنهج أحادي اللغة أن الاقتصار على المادة اللغوية المراد تعلمها يمثل عنصراً حاسماً، ويؤكدون أن تقديم مدخلات لغوية مقتصرة على اللغة الهدف أمر لا غنى عنه لاكتسابها. بيد أن هذه النظرية تغفل المنافع الجمة التي يجنيها الطلاب عند استخدام لغاتهم الأخرى في تسهيل عملية التعلم.
إن شعور جميع الطلاب بالقبول والانتماء داخل الفصل الدراسي يمثل غاية بالغة الأهمية. وتقول كارولين في هذا الصدد: إن الالتزام بالمنهج أحادي اللغة قد يرسخ، دون قصد، مفاهيم مجتمعية تمنح أفضليّة للغات معينة على حساب لغات أخرى، وهو تسلسل هرمي متخيل ينبغي العمل على تفكيكه. ولكي نصل إلى عالم أكثر عدلاً ومساواة، يتوجب علينا إدراك قيمة جميع اللغات والتنوع الثقافي الذي تمثله، والاحتفاء بها من خلال تبني نهج تعددي في تدريس اللغات.
وقد كشفت البحوث التي أجرتها كارولين حول أهمية التعدد اللغوي التكاملي في التعليم عن رؤى واستنتاجات قيمة تتصل بتصورات الطلاب والمعلمين على حد سواء.
وتشرح كارولين ذلك قائلة: يعبر المتعلمون عن شعورهم بالتقدير والدافعية عندما تتلقى لغاتهم المختلفة الاعتراف والتشجيع داخل البيئة التعليمية. وعلى النقيض من ذلك، فإن منعهم من استخدام لغاتهم في المدرسة ينشئ لديهم شعوراً بعدم الأمان أو الارتباك والتهميش.
في حين لا تزال آراء المعلمين تجاه هذا النهج التعددي متباينة؛ إذ يعتقد بعضهم أن استخدام لغات متعددة داخل الفصل الدراسي قد يؤدي إلى شتات الطلاب وارتباكهم، بينما يدرك آخرون أهمية تقدير خلفيات الطلاب المتنوعة، وابتكروا أنشطة خضراء وإبداعية تسلط الضوء على الرصيد اللغوي للطلاب. وتطمح كارولين إلى تفنيد المفاهيم الخاطئة المحيطة بكلا المنهجين، أحادي اللغة والتعددي، وإرشاد المعلمين إلى أفضل الطرق لدعم طلابهم وإيجاد بيئة تعليمية جامعة ومحفزة.
وتضيف كارولين: يسهم التعدد اللغوي التكاملي إسهاماً جوهرياً في تعزيز العدالة الاجتماعية والتنوع والشمول، وذلك من خلال مواجهة الأيدولوجيا التي تدعي وجود طريقة واحدة "صحيحة" للتحدث؛ وهي أيدولوجيا تختزل الفصاحة في لغة واحدة أو لهجة بعينها وتعدها المعيار الوحيد، بينما تصم اللغات والأشكال اللغوية الأخرى بالقصور أو الأدنية.
ومن خلال الاعتراف بالرصيد اللغوي المتنوع للأفراد والمجتمعات وتقديره، يعمل التعدد اللغوي التكاملي على تفكيك هذه الهياكل التراتبية الموروثة. وهو بذلك يملك المقومات الكفيلة بإنشاء مجتمع أكثر تكاملاً وعدلاً، تُحترم فيه كافة اللغات والثقافات ويُحتفل بتنوعها.
عن اللغويات التطبيقية
تُعد اللغويات التطبيقية حتلاً معرفياً يجمع بين تخصصات متعددة، ويهتم بدراسة القضايا المشكلات المتعلقة باللغة في واقع الحياة العملية واقتراح الحلول المناسبة لها. ويغطي هذا المجال طيفاً واسعاً من المحاور، تشمل اكتساب اللغة، وطرق تدريسها، والسياسات اللغوية، والتواصل عبر الثقافات. واستناداً إلى معطيات علم اللغة، والتربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، يسعى الباحثون في هذا المجال إلى تطوير مناهج التدريس، وتحديث المناهج الدراسية، ودعم التنوع اللغوي.
كما يتناول هذا التخصص كيفية استعمال اللغة في السياقات المختلفة، ومدى تأثير البيئات الاجتماعية والثقافية في اكتساب اللغة واستخدامها.
ما الذي تجده كارولين مجزياً في عملها؟
تقول كارولين: إن من أكثر الجوانب إبعاداً للأثر وأعظمها قيمة في عملي كباحثة في اللغويات التطبيقية ومؤهلة للمعلمين، هو لمس الأثر الإيجابي المباشر الذي أحدثته أساليب التدريس التعددية على الطلاب والمعلمين. فعندما يشعر الطلاب بالتقدير والتمكين لاستثمار كامل رصيدهم اللغوي، لا ينعكس ذلك على تعزيز تحصيلهم اللغوي فحسب، بل يمتد ليبني ثقتهم بأنفسهم ويعمق شعورهم بالانتماء.
المسار من المدرسة إلى دراسة اللغويات التطبيقية
تُشكل دراسة مواد مثل اللغات، واللغويات، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والدراسات الثقافية خيارات نموذجية للطلاب في المرحلة المدرسية ومرحلة البكالوريوس.
وتقدم العديد من الجامعات برامج للدراسات العليا في اللغويات التطبيقية أو تدريس اللغات، مما يوفر إعداداً وتدريباً متخصصاً في مناهج البحث وأساليب التدريس وتطوير المناهج.
ومن الناحية العملية، فإن اكتساب الخبرة في تدريس اللغات، أو التعامل مع مجتمعات ذات تنوع لغوي، أو التطوع في البرامج اللغوية، يمنح الفرد رؤية عميقة وفهماً شاملاً للتحديات والفرص المرتبطة بتعلم اللغات واستعمالها.
الآفاق المهنية في مجال اللغويات التطبيقية
يتيح التخصص في اللغويات التطبيقية فرصاً للعمل كباحث في الجامعات، أو المراكز البحثية، أو المؤسسات الحكومية، أو المنظمات غير الحكومية. كما تتوفر مجالات عمل واعدة في إعداد المناهج التعليمية، ورسم السياسات اللغوية، وتقييم الكفاءة اللغوية، وتقديم الاستشارات اللغوية.
إضافة إلى ذلك، تفتح المهارات المكتسبة في هذا التخصص آفاقاً واسعة للعمل في مجالات تدريس اللغات، والترجمة الشفهية والتحريرية، وصناعة النشر، والتواصل الحضاري عبر القطاعات المختلفة.
أهم نصائح يقدمها الفريق
استثمر كامل رصيدك اللغوي، ولا تتردد في استخدام كافة اللغات التي تتقنها في مجالات التواصل والتعلم.
ابحث عن فرص للعمل التطوعي في مجتمعك أو عبر الشبكة في الأنشطة المتعلقة باللغة؛ كمعاونة القادمين الجدد في تعلم لغة البلد، أو المشاركة مع المؤسسات التي تسعى لتعزيز التعليم اللغوي.
