القائمة الرئيسية

العلم، والدين، والنذر السياسية: معنى الكسوف في روما القديمة

العلم، والدين، والنذر السياسية: معنى الكسوف في روما القديمة
ملخص المقال

يتناول المقال نظرة الرومان القدماء إلى كسوف الشمس، موضحًا أن الظاهرة كانت بالنسبة إليهم أكثر من حدث فلكي؛ فقد جمعوا بين فهمهم العلمي لحركة الأجرام السماوية واعتقادهم بأن الكسوف يحمل رسائل ونذرًا من الآلهة. ورغم أن الرومان ورثوا عن البابليين واليونانيين طرقًا متقدمة نسبيًا للتنبؤ بالكسوف، فإنهم كانوا يرونه أيضًا اضطرابًا في النظام الكوني قد يرتبط بالحروب والأزمات السياسية والكوارث، ولذلك كانت السلطات تقيم الطقوس وتعلن إجراءات دينية للتعامل معه. أما عامة الناس، فكان اختفاء الشمس المفاجئ في وضح النهار مصدر خوف وذهول، ودفعهم إلى ممارسة طقوس شعبية مثل إحداث الضوضاء لمساعدة الشمس على استعادة نورها. ويخلص المقال إلى أن الكسوف يكشف كيف جمع الرومان بين العلم والدين والسلطة في تفسير الظواهر الطبيعية، وأن أهمية الكسوف بالنسبة إليهم لم تكن في اختفاء الشمس بحد ذاته، بل في المعنى الذي اعتقدوا أن هذا الاختفاء يحمله لمستقبل الإنسان والدولة.

في الثاني عشر من أغسطس، ستتجه أنظار أوروبا – ولا سيما شبه الجزيرة الأيبيرية – نحو السماء لمشاهدة كسوف شمس تاريخي. ونحن نعرف بالفعل متى سيبدأ، وكم سيستغرق من الوقت، وما هو الجزء من الشمس الذي سيختفي خلف القمر. وتتيح لنا التطبيقات الموجودة على هواتفنا حساب اللحظة الدقيقة لأقصى درجات الظلام، وتوصي بأفضل الأماكن لمشاهدته.

ولكن طوال معظم التاريخ البشري، كان الكسوف أكبر بكثير من مجرد ظاهرة فلكية تدعو للفضول. بل إن الناس كانوا يعتقدون أنه حدث قوي وقادر على إعادة ترتيب العالم نفسه.

ولم تكن روما القديمة استثناءً من ذلك، إذ لعبت الشمس دوراً رئيسياً في دينها السابق للمسيحية. وفي حين ورث الأكاديميون والنخب الحاكمة التفسيرات من التنجيم اليوناني، كان الكسوف – وهو كلمة مشتقة من اليونانية تعني "اختفاء الشمس" – يُفسَّر على أنه إشارات من الآلهة. وفي مجتمع روما الديني، كان الكسوف يُتابع بدقة وعناية شديدتين.

وقد تعايشت هاتان النظرتان للعالم – إحداهما علمية تجريبية والأخرى قائمة على الخرافة – لعدة قرون، مما وفر نافذة على كيفية فهم الرومان للعلاقة بين الطبيعة والدين والسلطة. ولا يزال التوفيق بين هذه الأفكار مستخدماً حتى اليوم، عندما نستخدم كلمة "نذير" (omen) المشتقة من اللاتينية لوصف علامة تنبئ بحدث ما وتخبرنا بشيء عنه في الوقت نفسه.

وكان الفلكيون البابليون هم أول من اكتشف أن الكسوف يحدث وفق دورات منتظمة. وقد ورث اليونانيون القدماء طرقهم في التنبؤ به، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الرومان. ووضع المفكران الرومانيان بليني الأكبر وسينيكا نظريات حول الكسوف في عمليهما "التاريخ الطبيعي" و"ثايستس" على التوالي. وبذلك لم يكن علم الفلك الروماني بدائياً بأي حال من الأحوال، بل بُني على أصول كلاسيكية بدأت في الأدب الهوميري.

ومن الأمثلة البارزة على استخدام الرومان لعلم الفلك ما حدث في عهد الإمبراطور كلاوديوس. إذ يروي المؤرخ الروماني كاسيوس ديو أنه قبل حدوث كسوف في الأول من أغسطس عام 45 ميلادية، أعلن الإمبراطور الرابع من السلالة اليوليوكلاودية عن هذه الظاهرة للملأ لمنع السكان من الاستسلام للهلع.

ويتضح من ذلك أن السلطات الإمبراطورية كانت على دراية بإمكانية التنبؤ بالكسوف، وبالخوف العميق الذي يغرسه طابعه المنذر بالشؤم في نفوس السكان.

العجائب والخوف: الخوف الذهول

على الرغم من أن الرومان فهموا الجانب الفلكي للكسوف، إلا أن ذلك لم يمنع التفسيرات الدينية له. فبالنسبة للروماني، كان الكون محكوماً بالآلهة. وبالتالي، يمكن للظاهرة الطبيعية أن يكون لها سبب فيزيائي بينما تحمل في الوقت نفسه رسالة إلهية.

في كتاب "حياة رومولوس"، يروي المؤرخ بلوتارخ كيف رافق وفاة أول ملوك روما في يونيو عام 708 قبل الميلاد تحول النهار إلى ليل. ولعل هذا هو السبب في أن الكسوف كان يُصنف في كثير من الأحيان على أنه من العجائب والنذر التي تشير إلى اضطراب التوازن بين الآلهة والبشر، مما يتطلب استجابة من دين الدولة.

وتزخر أعمال المؤرخ ليفي بالمزيد من الأمثلة. ففي عام 340 قبل الميلاد، تزامن كسوف مع عاصفة برد، فأصدر مجلس الشيوخ مرسوماً بإقامة طقوس لاستعادة السلام مع الآلهة.

وفي السابع عشر من يوليو عام 188 قبل الميلاد، أغرق كسوف آخر روما في الظلام لمدة ساعتين تقريباً. ووفقاً لليفي، أثار هذا الأمر إنذاراً كبيراً لدرجة أنه تم إقرار ثلاثة أيام من التطهير على تلة أفينتين المقدسة.

وكان تزامن الكسوف مع فترات الأزمات السياسية يعزز طابعه المنذر بالشؤم. فخلال سنوات التوسع الروماني في مقدونيا، فُسِّر الكسوف على أنه نذير بهزيمة اليونانيين في معركة بيدنا عام 168 قبل الميلاد.

وفي عام 49 قبل الميلاد، ذكر كاسيوس ديو كسوفاً كلياً للشمس من بين سلسلة من النذر التي تنبأت بالمصائب لروما. وكان الأثر كبيراً لدرجة أن بعض القضاة أخروا توليهم لمناصبهم، معتبرين أن التوقيت غير ملائم.

وفسر السياسي والفيلسوف شيشرون الكسوف الجزئي للشمس في 18 مايو عام 63 قبل الميلاد على أنه نذير شؤم لقنصليته التي ستبدأ في ذلك العام.

كما ورد ذكر الكسوف في الكتاب المقدس؛ إذ أعقب كسوف شهير وفاة عيسى في عهد تيباريوس، وهو التعبير الأقصى عن النذر التي تلت الصلب.

وفي روما، لم يكن الاهتمام بالكسوف يكمن فقط في حقيقة أنه أظلم السماء لعدة دقائق، بل في الأهمية المنسوبة إلى ذلك الظلام. فقد كان الكون والتاريخ جزءاً من النظام نفسه، وأي اضطراب في السماوات كان يجب تفسيره بشكل صحيح. وكانوا يعتقدون أن مستقبل الشعب وصحته ورفاهيته، وقبل كل شيء مستقبل الدولة، يعتمد إلى حد كبير على مدى دقة هذه التفسيرات.

عقول البشر: تجربة عامة الناس

لم تكن الغالبية العظمى من السكان الرومان قد قرأت لأرسطو أو بوسيدونيوس، ولم يكن بإمكانهم الوصول إلى أعمال سينيكا أو بليني. لذلك كانت تجربتهم للكسوف مختلفة تماماً. فبالنسبة لهم، كانت الشمس – وهي الضامن للنور والتقويم والروتين اليومي – تختفي بشكل غير متوقع في وضح النهار. وكان من الطبيعي تفسير هذا الظلام على أنه اضطراب كوني مخيف.

وهناك سجلات لمعتقدات شعبية خرافية ورثتها روما من ثقافات أخرى. وشملت هذه المعتقدات إحداث ضوضاء عن طريق القرع على الأواني والمقالي لمساعدة الشمس على إستعادة نورها أو لطرد القوى التي يبدو أنها تهددها بجعلها تختفي من السماء. وبهذه الطريقة، كان الناس يعتقدون أنهم يساعدون في درء ظاهرة تطرد النظام الطبيعي وتسبب الخوف والشك، مثل كل الأشياء المجهولة.

وأمام كسوف أغسطس، لن تكون ردة فعلنا هي الخوف أو عدم الراحة. ومع ذلك، عندما يدفعنا كسوف 12 أغسطس إلى النظر إلى السماء، يمكننا أن نتذكر أن الرومان نظروا إليها أيضاً. وعند قيامهم بذلك، كانوا سيعودون بطرح سؤال لا يمكن لعلم الفلك أن يجيب عليه أبداً: ما الذي تحاول الآلهة إخبارنا به من خلال جعل الشمس تختفي بهذه السرعة؟

المصدر

مقالات ذات صلة