القائمة الرئيسية

تطور علم الآثار: أربع أسرار وحقب لفهم الماضي الأفريقي

تطور علم الآثار: أربع أسرار وحقب لفهم الماضي الأفريقي
ملخص المقال

يتناول المقال تطور علم الآثار في أفريقيا وكيف يؤثر تغير المناهج العلمية والسياسية والتكنولوجية في الطريقة التي نفهم بها الماضي، موضحًا أن هذا التطور مر بأربع مراحل بدأت بالجمع والاستكشاف في الحقبة الاستعمارية، ثم ظهور المناهج العلمية، فمرحلة النضج التي استفادت من تقنيات مثل التأريخ بالكربون المشع، وصولًا إلى تنامي دور المجتمعات الأفريقية في البحث منذ ستينيات القرن الماضي. ويؤكد أن علم الآثار أسهم في تصحيح روايات استعمارية قللت من شأن التاريخ الأفريقي، كما أصبح أداة لفهم الهوية والمجتمع وتعزيز الارتباط بالماضي، لكنه يواجه تهديدات مثل النهب والصراعات والتغير المناخي. ويرى المقال أن مستقبل المجال يتطلب تعزيز القدرات والمختبرات والتدريب المحلي في أفريقيا، وإعادة توازن التعاون البحثي، والاستفادة من التطورات في علم الوراثة والتحليل الكيميائي، وإشراك المجتمعات المحلية في إنتاج المعرفة، بحيث لا يكون علم الآثار مجرد دراسة للماضي، بل وسيلة لفهم الحاضر وتشكيل المستقبل.

ما هو الماضي؟ قد يبدو هذا السؤال بسيطاً في إجابته، ولكنه أكثر تعقيداً مما قد نعتقده في البداية. فمع تغير العلوم والسياسات والتقنيات وطرق التفكير، يتغير أيضاً فهمنا لما مضى وانقضى.

تيم فورسمان هو عالم آثار أجرى أبحاثاً في جنوب أفريقيا وبوتسوانا وليسوتو وموزمبيق. وقد أتم مؤخراً كتاباً حول كيفية تأثير تاريخ علم الآثار في أفريقيا على الطريقة التي نفهم بها الماضي. وهنا يشاركنا بعض الأفكار حول أهمية هذا التخصص.

ما هي المراحل الرئيسية للعمل الأثري في أفريقيا؟

في كتابي، قسمت ممارسة علم الآثار في أفريقيا إلى أربع مراحل: السنوات المبكرة، ظهور علم الآثار، مرحلة النضج والوصول إلى سن الرشد، وشتات علم الآثار عبر أفريقيا. هذه التقسيمات ليست حاسمة ونهائية، ولها حدود غير حادة ومداخل متداخلة، لكنها كانت الأكثر منطقية بالنسبة لي. وتبدأ كل مرحلة بقصة شعرت أنها تلتقط روح تلك الفترة الزمنية وتجسدها.

جاءت السنوات المبكرة في وقت (أواخر القرن التاسع عشر) كانت فيه الدول الأوروبية تتصارع وتتسابق لتقسيم أفريقيا إلى مستعمرات. وكان معظم العمل الأثري في ذلك الوقت يعتمد على المجموعات، مع قليل من التحليل للمكتشفات. وكان معظم الأبحاث يجرى بواسطة موظفي المتاحف والمبشرين والإداريين والرحالة، ولكن بعيداً عن أيدي المتخصصين المدربين.

في أوائل القرن العشرين، تغيرت النهج الأثرية، مما أدى إلى صدام بين الهواة والمتخصصين المحترفين. وبحلول عشرينيات القرن الماضي، بدأت تتطور وتستخدم نهج تحليلية قوية لتفسير الماضي. ومع ذلك، كان علم الآثار لا يزال يطارد أشباح المفاهيم الاستعمارية الخاطئة عن تاريخ أفريقيا. حيث استمرت المفاهيم الزائفة حول وجود أتلانتس، وهي يوتوبيا أسطورية غارقة في غرب أفريقيا، أو وجود شعب حامي قادم من مصر جلب تكنولوجيا متقدمة إلى أجزاء كبيرة من القارة.

جلبت الحرب العالمية الثانية قفزة تكنولوجية. حيث ظهرت طرق مثل التأريخ بالكربون المشع إلى جانب طرق متقدمة أخرى من شأنها تغيير النهج الأثرية بشكل أساسي. وكانت الأمثلة المبكرة للتأريخ بالكربون المشع في أفريقيا من عمل برنارد فاغ في نيجيريا على هضبة جوس. وأثناء تمركزه هناك كمفتش استعماري رئيسي للمناجم، تم تنبيهه إلى رؤوس مصنوعة بدقة من الفخار المصنوع من الطين المحروق. وبحث هو وزوجته كاثرين عن المزيد واستردوا عينة كبيرة. وقام بتأريخها، لينتج عمراً يزيد عن 2000 عام، وهو أقدم بكثير من أي مملكة معروفة في غرب أفريقيا في ذلك الوقت. ولقد تحدى ذلك الآراء الاستعمارية القائلة بأن الحضارات المعقدة ظهرت في هذا الجزء من العالم في وقت متأخر كثيراً عن أماكن أخرى.

إن نمو شتات علم الآثار ابتداءً من ستينيات القرن الماضي كان يمثل الدور الذي لعبته المجتمعات في الأبحاث، إما كعمال أو من خلال تقديم المعلومات والمعرفة. وهذا، كما أدعي، يمثل تحولاً كاملاً في أطر العمل الأثرية وفي منح الفاعلية والأهلية للأفريقيين.

ويعد الساحل السواحيلي مثالاً مثالياً على ذلك. إذ ركزت الأعمال السابقة على الدور الذي لعبته المجموعات العربية الوافدة في تغيير المشهد الاجتماعي والسياسي. ثم برز نهج جديد قلب العدسة وفحص كيف أحدثت المجتمعات المحلية التغيير على طول الساحل كجزء من تاريخ أطول بكثير. وانتقل الاهتمام من المستوطنات الضخمة مثل المسجد الكبير في كيلوا كيسواني في تنزانيا إلى الحياة اليومية.

تظهر هذه الفصول كيف تركز العدسة التي يستخدمها علماء الآثار والمؤرخون على ماضيات مختلفة. ومع تغير سياقاتنا، أو تحول نهجنا، أو اتخاذ علومنا أشكالاً جديدة، يتخذ منظرنا للماضي تركيزاً جديداً. إننا نرى الماضي من خلال الحاضر، فهو يعتمد على سياقاتنا الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية.

ما الدور الذي يلعبه علم الآثار في أفريقيا الحديثة؟

لقد صنع الماضي العالم الذي نعيش فيه. على سبيل المثال، فإن الشريط الساحلي الشرقي بأكمله، من مقديشو في الصومال إلى فيلانكولوس في موزمبيق، قد تشكل بفعل التاريخ الطويل من التجارة والتفاعل والاستعمار والعبودية والصراع. خلال الحقبة الاستعمارية، وفي جنوب أفريقيا حتى نهاية نظام الفصل العنصري، لم يكن يتم الاعتراف بالعديد من هذه الأمور بشكل كامل أو الترويج لها على نطاق واسع. إن إعادة التركيز على الماضي، في الأماكن ذات الماضي الاستعماري، يمكن أن يلعب دوراً جبرياً وتصحيحياً في الاعتراف بالتاريخ الأفريقي الذي تم تسجيله بشكل ضعيف، مما يساعدنا على فهم أفضل لكيفية تشكل مجتمعنا.

يهتم علم الآثار بمهام تتجاوز كيفية رؤيتنا لأنفسنا وللمحيطين بنا. فهو يمتلك القدرة على تعزيز التناغم الاجتماعي، وتحسين الصحة الروحية والنفسية والعقلية من خلال ربط الناس ببالماضي وبأجدادهم، وخلق وظائف مستدامة. كما أنه يعزز الطرق المحلية والأصلية في الفعل والمعرفة. وفي مصر، أصبح موكب المومياوات الملكية الذهبي عبر شوارع القاهرة، عندما تم نقل 22 مومياء إلى متحفها الجديد في عام 2021، رمزا مهماً للمواطنة والهوية الوطنية. ومع ذلك، فإن الكثير من تراث أفريقيا معرض للخطر حالياً.

إن الحفاظ على الماضي هو تفويض ومهمة بالغة الأهمية لجميع علماء الآثار والمؤرخين. لقد أدى النهب الممنهج والمتفشي لصالح المتاحف والمجموعات الخاصة إلى فقدان قطع تاريخية مهمة، مثل التماثيل الفخارية في نيجيريا ومالي. كما تشكل الجريمة معضلة وقلقاً آخر. إذ أدى الصراع في أواخر تسعينيات القرن الماضي في إريتريا وإثيوبيا إلى إسقاط المسلات والأعمدة الحجرية، كما تم سرقة المكتشفات الذهبية من ثولاميلا (وهو موقع في متنزه كروغر الوطني في جنوب أفريقيا) من المتحف في سكوكوزا دون أن يتم استردادها أبداً.

ويحدث التغير المناخي تأثيراً لا يمكن إصلاحه على التاريخ والتراث. ففي شرق أفريقيا، قد يكون أكثر من ربع مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو معرضاً لخطر الفيضانات أو التآكل والتعرية. وتلاحظ موزمبيق بالفعل أضراراً جسيمة ناتجة عن الأعاصير. ومن خلال علم الآثار فقط نتعلم المزيد عن هذا الماضي المهم ونحدد المنهجيات والسبل لحمايتها والحفاظ عليها.

إلى أين ترى اتجاه هذا المجال في المرحلة القادمة؟

إنه تخصص متنوع للغاية ويتضمن الكثير من الفروع والمجالات الفرعية. ولكل منها طموحاته وأهدافه وغاياته الخاصة. ولكني أؤمن بوجود بعض أجندات العمل الشاملة.

إن مراجعة الأوراق العلمية للأبحاث الأفريقية تظهر أن الغالبية العظمى منها تم تأليفها من قبل أشخاص من أوروبا وشمال أمريكا. وهذا يجلب التعاون والأموال وفرص التدريب، ولكنه يسبب أيضاً مشاكل على المستوى المحلي. ويجب مراجعة ديناميكية القوة هذه. إذ ينبغي أن يكون هناك المزيد من التركيز على تنمية القدرات والمرافق والتدريبات المحلية.

تتقدم العلوم الأثرية وتطور معرفتنا بالماضي بمعدل سريع جداً. وتساعدنا الأبحاث الجينية على فهم تحركات البشر والحيوانات عبر القارة، كما يساعدنا التحليل الكيميائي للمصنوعات اليدوية مثل الخرز الزجاجي على رسم خرائط شبكات التجارة. ونحن بحاجة إلى المزيد من المختبرات والمختبرات المتخصصة في أفريقيا. وسوف يخلق ذلك وظائف وتطويراً للمهارات، ويقلل من المخاطر المرتبطة بنقل قطع التراث الحساسة بعيداً عن أماكن أصلها.

كما أشعر أن تضمين المجتمعات المحلية في الأبحاث الأثرية على مستويات مختلفة يعد تحولاً عظيماً في هذا التخصص. ففي السنوات المبكرة، كانت المعرفة المجتمعية تبخس قيمتها، في حين تضعها العديد من الدراسات اليوم في مركز الفهم والتحليل. على سبيل المثال، عانت دراسات الفن الصخري لفهم معنى الفن حتى اتجه العلماء إلى أنظمة المعتقدات الخاصة بالشعوب التي أنتجته لفك رموز رمزيته.

ورغم وجود العديد من التحديات، فإن علم الآثار في موقع قوي للمساهمة في المستقبل. ومع ذلك، يجب على علماء الآثار التأكد من إظهار كيف يكون الماضي وثيق الصلة بالحاضر، وإلا فإنه يخاطر بالتخلف عن الركاب والبقاء في الخلف.

الملف

مقالات ذات صلة