القائمة الرئيسية

السياسات الصناعية بين التخبط العارض والنهج المنهجي الشامل

السياسات الصناعية بين التخبط العارض والنهج المنهجي الشامل
ملخص المقال

يرى المقال أن عودة السياسات الصناعية إلى صدارة الاهتمام العالمي يجب ألا تُدار بمنطق الاستجابة للأزمات، بل من خلال استراتيجية منهجية طويلة الأمد تتعامل مع الاقتصاد بوصفه منظومة مترابطة. وينتقد النهج الارتجالي لأنه يركز على الأزمات والقطاعات الأكثر ظهوراً، ويتأخر في التدخل، ويغفل الترابط بين الصناعات، ويختزل أدوات السياسة الصناعية، ويضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية، ويتجاهل المفاضلات والتكاليف البديلة، كما يفتقر إلى البناء المؤسسي والحوكمة والشرعية المجتمعية، ويهمل الأبعاد الجغرافية والتنموية المحلية. ويخلص المقال إلى أن نجاح السياسة الصناعية يتطلب مؤسسات قوية، وتنسيقاً بين مختلف أدوات الدولة، ومساءلة للمستفيدين، واستثماراً في القدرات المحلية، بحيث تصبح السياسة الصناعية جزءاً من رؤية اقتصادية شاملة ومستدامة تعزز التنافسية والإنتاجية والتنمية الإقليمية على المدى الطويل.

بعد عقود طويلة ظلت فيها السياسات الصناعية حبيسة المحظورات الفكرية والإنكار السياسي، يعود العالم اليوم ليعيد اكتشاف أهميتها وضرورتها.

غير أن المتأمل في واقع التدخلات الحالية يجد أن معظمها يسقط في فخ التفاعلية والشتات، إذ تحركها ردود الأفعال تجاه الأزمات الطارئة التي تستأثر بالاهتمام في لحظتها. وفي مقابل هذا الارتجال، تبرز الحاجة الماسة إلى تبني نهج منهجي متكامل، يدرك بعمق أن التحديات الاقتصادية ليست معزولة عن بعضها، بل هي شبكة متشابكة من القضايا التي تمتد جذورها إلى مجتمعات وأقاليم جغرافية حقيقية.

وتتجلى مخاطر النهج الارتجالي العارض في التدخلات الصناعية عبر عدة أبعاد رئيسة:

أولاً: الوقوع الدائم في أسر إدارة الأزمات

لا تنحصر التحديات التي تستوجب تدخلاً عبر سياسات صناعية في الكوارث الوشيكة أو الأزمات الحادة فحسب؛ إذ قد يكمن الخطر في استمرار حالة الركود أو الأداء الضعيف لقطاع صناعي معين على مدى عقود طويلة. كما أن الدوافع لمثل هذه السياسات لا تنبع دائماً من دافع اتقاء الخسائر، بل تتولد أيضاً من صلب الفرص الواعدة التي ينبغي اقتناصها. فالعديد من التقنيات المستقبلية الحيوية تتطلب سنوات طويلة من التمويل والرعاية الحكومية قبل أن تنضج وتصبح جاهزة لاستقطاب القطاع الخاص واستثماراته.

ثانياً: الاقتصار على معالجة الاختلالات الظاهرة

يؤدي النهج الارتجالي إلى تركيز الجهود على القطاعات التي بلغت مشاكلها مرحلة من الجلاء لا يمكن تجاهلها، مما يترك القطاعات الأخرى تعاني التهميش والضمور. ويتضح ذلك جلياً في التركيز المكثف خلال السنوات الأخيرة على تقنيات تحظى بزخم إعلامي واسع، مثل السيارات الكهربائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مقابل إهمال قطاعات تقنية أخرى أقل بريقاً لكنها لا تقل أهمية وحيوية في العقود القادمة، مثل صناعة المواد المتقدمة، وهي قطاعات لم تحظَ بالاهتمام الكافي باستثناء تجارب دول شرق آسيا.

ثالثاً: البطء والتأخر في اتخاذ القرار

إن مسار اندحار القدرات الصناعية يختلف تماماً عن مسار استعادتها؛ فالصناعات قد تتهاوى وتندثر في وقت قياسي إذا ما شلت حركتها المنافسة الخارجية الشرسة وجُففت إيراداتها، إلا أن إحياءها من جديد لا يتم بالسرعة ذاتها عند تغير الظروف. ترجع هذه الصعوبة إلى أن معظم الصناعات الاستراتيجية تتطلب حجماً تشغيلياً أدنى هائلاً، مما يجعل كلفة إعادة التأسيس من الصفر باهظة جداً. كما أن الضخ الرأسمالي، وشبكات الموردين، والقواعد المهارية، وعلاقات السوق، وقنوات التمويل تشكل حلقة متداخلة يجعل إعادتها تشبه المعضلة الأزلية بين الأسبقية للدجاجة أم للبيضة.

رابعاً: غياب الرؤية المنظومية الكلية

لا تعمل الصناعات في فراغ، بل تمتلك هياكل داخلية معقدة وتعيش ضمن بيئات حيوية متكاملة تضم الموردين والعملاء، وتعتمد في بقائها على موارد تتكفل بتوفيرها قطاعات أخرى. كما تستند الصناعات إلى منصات مبتكرة تخوض مسارات تراكمية طويلة تنقل الفكرة من أروقة البحث العلمي والمختبرات لتتحول إلى منتج اقتصادي ينافس في الأسواق.

خامساً: العجز عن توظيف السلة الكاملة لأدوات التنمية

تُختزل السياسة الصناعية في كثير من الأحيان بأسلوب تبسيطي مخل، وكأنها لا تتعدى كونها فرض حماية جمركية أو تقديم إعانات مالية. وحقيقة الأمر أن حقيبة أدواتها متسعة الشمول؛ إذ تضم الحصص الاستيرادية، وقواعد المحتوى المحلي، والتعريفات المتدرجة حسب نسب التصنيع، وتوجيه المشتريات الحكومية، وقيود التصدير، وفحص الاستثمارات الأجنبية، ودعم البحث والتطوير، والتسهيلات الضريبية، وضمانات القروض، والمساهمة الاستثمارية المباشرة، وتحديد المعايير القياسية، وتأهيل القوى العاملة، والاستثمار في البنية التحتية، وتطوير أطر التراخيص، ورعاية التكتلات الإنتاجية الإقليمية، وخدمات نقل التكنولوجيا، وإدارة إدارة العملة، وضمانات مستويات الطلب. ولكل أداة من هذه الأدوات دورها وموقعها المناسب.

سادساً: التخبط في التنسيق والمواءمة بين أدوات التدخل

تتحقق أقصى فاعلية للسياسة الصناعية عندما تتكامل أدواتها لتسند كل أداة الأخرى. فالسياسات الجمركية، وسعر الصرف، ودعم البحث والتطوير، وضخ الاستثمارات في البنية التحتية، وتبسيط التراخيص، وسياسات الطاقة، كلها عوامل تصوغ بيئة الحوافز أمام الشركات. وعندما صياغة هذه الأدوات بمنزل وشكل منفصل، فإن آثارها تتلاشى، وقد تصل إلى حد التعارض والحياد المتبادل.

ويظهر هذا التحدي جلياً في الاستراتيجية الأمريكية للذكاء الاصطناعي؛ فبالرغم من طموحها وتشعبها الذي يجمع بين التنسيق البحثي، وتأسيس المعاهد الجامعية، ودعم صناعة أشباه الموصلات، وتسريع تراخيص مراكز البيانات، إلا أن تلبية الاحتياجات المتزايدة لهذه القطاعات من الطاقة والمياه تتطلب تنسيقاً كاملاً بين السياسات الصناعية وسياسات الطاقة والبنية التحتية، وهو التنسيق الذي ما زال مفقوداً حتى الآن.

سابعاً: القصور في التعامل مع المفاضلات والتكلفة البديلة

تعجز السياسات الارتجالية عن إدارة المفاضلات الاقتصادية بشفافية وكفاءة. فالسياسة الصناعية الحقيقية والمؤثرة تفرض بطبيعتها تكاليف على باقي قطاعات الاقتصاد، ولا يمكن الحكم على جدوى سياسة ما إلا عبر تقييم متوازن وشامل للمنافع والمضار على حد سواء، حتى وإن كانت هذه التكاليف غير مباشرة، أو غير جلية، أو موزعاً أثرها على نطاق عريض.

ثامناً: غياب البناء المؤسسي والشرعية المجتمعية

تستلزم القرارات الحكيمة في مجال السياسة الصناعية وجود أطر مؤسسية متينة؛ إذ لا يمكن إدارة هذا الملف كأنه مجرد سلسلة من المشروعات المؤقتة المتتابعة، بل يستدعي الأمر بناء قدرات تحليلية دائمًا، وتوفير خبرات فنية متخصصة، وتراكم ذاكرة مؤسسية، وجود كوادر وظيفية مؤهلة. بهذه الطريقة فقط يمكن للسياسة الصناعية أن ترتقي لمستواها المستحق باعتبارها قضية وطنية سيادية لا تقل أهمية عن قطاعات الدفاع، والطاقة، والنقل، والحفاظ على البيئة.

كما أن التطبيق الملموس للسياسة الصناعية يستوجب اكتساب شرعية سياسية حقيقية تضمن التفاعل الشعبي الواعي بدلاً من القبول السلبي. وفي البيئات الديمقراطية، يجب أن تتأصل هذه الشرعية لدى صناع القرار والناخبين معاً؛ إذ ليس المطلوب من المواطن أن يتحول إلى خبير في التفاصيل الفنية، بل أن يستوعب المبادئ الجوهرية للسياسة الصناعية، وآليات عملها، وكيف تصب في نهاية المطاف في خدمة مصالحه المباشرة.

تاسعاً: غياب الحوكمة والانضباط التنفيذي

تقتضي السياسة الصناعية الناجحة حزماً وانضباطاً صارماً؛ فلا ينبغي للدولة أن تكتفي بتقديم الدعم والمساندة، بل يجب أن تقترن تلك المساندة بالمطالبة بتحقيق مستويات أداء عالية. ويتعين ملء شروط واضحة على الشركات تدفعها للاستثمار والتطوير، وتأهيل العمالة، والتصدير، وتحقيق مستهدفات كمية كالرفع من الحصة السوقية وخلق فرص العمل. وعندما تخفق الشركات في الإيفاء بهذه التعهدات، يصبح سحب الدعم أو تحويله أمراً واجباً، حماية للسياسة الصناعية من أن تتحول إلى مظلة لإعانات مفتوحة أو برامج مستمرة بدافع الاستمرار المؤسسي فقط.

عاشراً: إغفال الجغرافيا والأبعاد المحلية

تنعكس السياسة الصناعية بشكل مباشر على مجتمعات محلية بعينها، وأسواق عمل إقليمية، وسلاسل إنتاج جغرافية. ومع ذلك، غالباً ما تقيم السياسات الارتجالية عبر مؤشرات الشمول على المستوى الوطني، وهو ما يعمي البصر عن مدى الاستفادة من المقومات المحلية القائمة، ومعالجة عقبات النمو الحقيقية، والتأكد من اختيار المواقع الجغرافية الصائبة. وفي المقابل، فإن النهج المنهجي يضع الأهداف الإقليمية في صدارة الأولويات منذ البداية، ويتابع بدقة مؤشرات الأداء كخلق الوظائف المحلية، وتطوير الموردين المحليين، وبناء المهارات، ودعم القدرات البحثية في كل منطقة.

مسار التحول: من التدخلات الارتجالية إلى الاستراتيجية المنظومية الشاملة

إن كافة المحاذير والمخاطر السالفة تؤكد حقيقة واحدة؛ وهي أن النوايا الحسنة والتدخلات المعزولة لا تكفي لإحداث الفارق. فالسياسات الصناعية الارتجالية تظل أسيرة ردود الأفعال، وتتسم بالتجزئة، وضعف التنسيق، والعمى عن الأثر النهائي لتكاليفها ومنافعها على أرض الواقع.

إن الانتقال نحو نهج أكثر نظامية يتطلب بناء المؤسسات، وتوفير الخبرات، وتفعيل التنسيق اللازم لتحديد الأولويات الوطنية، وتوظيف الأدوات المتكاملة، وإدارة المفاضلات بشفافية، ومحاسبة كافة الأطراف المستفيدة.

كما يتطلب هذا التحول إدراج المكان والجغرافيا كعنصر أصيل في الاستراتيجية الصناعية، بما يضمن أن تؤسس القدرات الجديدة، والاستثمارات الإنتاجية، والوظائف المستدامة بناءً على المقومات المحلية، لئلا يقتصر النفع على المناطق المتمتعة بالامتيازات أصلاً. وبعبارة موجزة، يجب أن تتحول السياسة الصناعية إلى نهج منهجي مستدام يندمج في عمق السياسات الاقتصادية الشاملة لتتمكن من تحقيق النفع الفعلي للإنسان والمكان.

مقالات ذات صلة