شكل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة في يومه الأول بعد العودة إلى منصبه إطاراً حاداً جرى فيه التعامل مع إنتاج الوقود الأحفوري كسلاح جيوسياسي. ووفقاً لهذه الرؤية فإن الهيمنة على الطاقة عبر إغراق الأسواق العالمية بالنفط والغاز الأمريكي الطبيعي المسال من شأنها إعادة تأكيد القوة الأمريكية وتقويض نفوذ الصين في مجال التكنولوجيا النظيفة فضلاً عن إجبار الحلفاء على التبعية. وبعد مرور ثمانية عشر شهراً بدأت هذه العقيدة تكشف عن بعض تناقضاتها ولم يظهر ذلك بشكل أكثر حدة مما يظهر اليوم في تايوان.
إن الأرقام التي تستند إليها ادعاءات الهيمنة الأمريكية حقيقية وملموسة فبدعم من ثورة الغاز الصخري التي انطلقت في 2005 وصل إنتاج النفط والغاز إلى مستويات قياسية متجاوزاً 13.6 مليون برميل من النفط يومياً في عام 2025. وكانت صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي تسيطر بالفعل على نحو ثلث السوق العالمية قبل أزمة هرمز وبات بإمكان الاتحاد الأوروبي الاعتماد على الولايات المتحدة لتأمين ثمانين بالمئة من وارداته من الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2028.
ومع ذلك فإن إنتاج كميات ضخمة من النفط والغاز لا يعني تلقائياً امتلاك السيطرة الاستراتيجية إذ لا تزال الأسعار تتحدد بناءً على قرارات تحالف أوبك بلس والممرات البحرية الحيوية للشحن بالإضافة إلى التسارع الكبير في تبني الطاقة المتجددة. وتعد هذه العوامل من المسائل التي وجدت واشنطن صعوبة في التحكم بها على الرغم من الجهود الأمريكية الرامية إلى عرقلة العمل المناخي العالمي والضغط على الدول الأوروبية للتخلي عن الغاز الروسي فضلاً عن فرض العقوبات أو الإطاحة بقادة الدول النفطية التي تُعتبر مقربة جداً من الصين أو حتى تصفيتهم.
وقد نجحت الإجراءات القسرية في كسب بعض المعارك إذ اقتربت حكومة فنزويلا أكثر من الولايات المتحدة منذ أن اختطفت واشنطن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وتعهد الاتحاد الأوروبي بشراء طاقة أمريكية بقيمة مئتين وخمسين مليار دولار سنوياً كما تم انتزاع التزامات مماثلة من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.
وتأتي هذه المشتريات في جزء منها كخطوات للامتثال السياسي وليس مجرد صفقات تجارية خاضعة لآليات السوق فحسب فالعديد من دول شرق آسيا وأوروبا تشتري الوقود الأحفوري الأمريكي لعدم وجود بدائل أفضل ولحماية مظلتها الأمنية الأمريكية الآخذة في التآكل. وتبرز هذه التوجهات أيضاً لرغبة تلك الدول في تجنب الرسوم الجمركية المرتفعة ومعالجة النقص الناجم عن الاعتداءات العسكرية الروسية والأمريكية وليس لأن الجدوى الاقتصادية كانت مقنعة بحد ذاتها.
وفي المقابل كانت الصين تعكف على تطوير استراتيجية طاقة مغايرة تماماً إذ أصبحت المصدر الأكبر للتكنولوجيا النظيفة وتصنع الآن نحو 80% من الألواح الشمسية في العالم و77% من توربينات الرياح وتسيطر بالكامل على سلاسل إمداد بطاريات السيارات الكهربائية وتقنيات نقل الطاقة ذات الجهد العالي الفائق بالإضافة إلى استحواذها على معظم المعادن النادرة والحرجة.
استراتيجيات الطاقة الصينية والأمريكية
على الرغم من أن تشبيه الأمر بحروب الطاقة قد يبدو تبسيطاً مخلاً فإن الصين تجسد اليوم دولة كهربائية صاعدة بسرعة وقادرة على الفوز بحرب الطاقة على المدى الطويل. وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة بشكل متزايد كدولة نفطية تقليدية تشعر بالقلق على مكانتها وتعتمد على قوتها العسكرية ووفرة وقودها الأحفوري وتجاهل القانون الدولي والتغير المناخي لإعادة فرض شكل قديم ومتجاوز من أشكال الهيمنة على الطاقة.
وعندما أشعلت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران أزمة مضيق هرمز بدا هذا الانقسام واضحاً للعيان إذ امتص المستهلكون الأمريكيون صدمات أسعار الوقود المرتفعة بينما ساهمت البنية التحتية المحلية للطاقة المتجددة في الصين والتحول المبكر نحو السيارات الكهربائية والاحتياطيات الاستراتيجية الضخمة من النفط في حماية اقتصادها جزئياً.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة الأمريكية تتباهى بوجود أكثر من مئة ناقلة فارغة تتوجه نحو الموانئ الأمريكية لتحميل النفط الخام الأمريكي كانت الصين تشهد نمواً قياسياً في صادرات السيارات الكهربائية. ولا شك أن شركات النفط والغاز الأمريكية تجني أرباحاً طائلة طارئة في الوقت الحالي ولكن هذه السيارات الكهربائية الصينية ستظل تسير في الطرقات لفترات طويلة.
لقد أمضت الصين العقود الثلاثة الماضية في بناء البنية التحتية لنظام الطاقة القادم بينما لا تزال الولايات المتحدة قوة عظمى في مجال الوقود الأحفوري تضطر إلى استخدام العقوبات والإكراه العسكري لإقناع الحلفاء والمنافسين في حين خسرت مكانتها في صناعات التكنولوجيا النظيفة التي كانت تقودها في السابق.
مأزق الطاقة في تايوان
إذا كانت الصين ترمز إلى الدولة الكهربائية والولايات المتحدة تمثل الدولة النفطية فإن معظم الدول الأخرى تقبع في منطقة وسطى غير مريحة إذ تعتمد على الوقود الأحفوري المستورد وتكافح لبناء قدراتها في مجال الطاقة المتجددة وتراقب الصراع بين العملاقين بقلق متزايد.
ويبدو هذا القلق حاداً بشكل خاص في تايوان إذ تستورد الجزيرة نحو أربعة وتسعين بالمئة من احتياجاتها من الطاقة ويصل إليها الغاز الطبيعي المسال والفحم عبر الممرات البحرية ذاتها التي قد تصبح ساحة للنزاع في أي سيناريو لمواجهة عسكرية. وقد كشفت أزمة مضيق هرمز عن نقطة ضعف قاتلة في منظومة الطاقة التايوانية حيث تأثر نحو ثلث إمدادات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إليها.
ويتخذ المأزق التايواني ثلاثة أبعاد متداخلة يأتي الأمن في مقدمتها فلو فرضت الصين حصاراً على الجزيرة فإن ذلك سيفجر أزمة طاقة خانقة تتبعها مباشرة أزمة في قطاع أشباه الموصلات.
ويتمثل البعد الثاني في حجم الطلب إذ تستهلك مصانع الرقائق ومراكز البيانات كميات هائلة من الكهرباء وتستهلك شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات ""تي إس إم سي"" وحدها نحو ثمانية بالمئة من إجمالي الكهرباء الوطنية في الجزيرة ومن المتوقع أن ينمو الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي بشكل يفوق المعدل الوطني العام.
أما البعد الثالث فيرتبط بالمناخ حيث يتطلب هدف تحقيق الحياد المناخي الصفرى بحلول عام ألفين وخمسين الذي وضعته تايبيه مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة لثلاثة أمثالها بالتزامن مع إدارة مرحلة انتقالية بعد إغلاق تايوان لآخر مفاعلاتها النووية في عام ألفين وخمسة وعشرين وسط ظروف تشهد نمواً مستمراً ومتسارعاً في الطلب الصناعي على الطاقة.
وما يمنح تايوان وضعاً استثنائياً ليس هذا المأزق الثلاثي فحسب بل حقيقة وجودها في قلب القوى الهيكلية التي تعيد تشكيل خارطة الطاقة العالمية فأشباه الموصلات التي تنتجها تمثل العمود الفقري المادي للتحول النظيف وهي عنصر أساسي لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية والشبكات الذكية وأنظمة التحكم في السيارات الكهربائية والعواكس الشمسية.
وتمر جميع سلاسل الإمداد الرئيسية لتايوان تقريباً بما في ذلك معدات الطاقة المتجددة عبر الصين أو عبر شركات تسيطر عليها بكين في جنوب شرق آسيا والتي أظهرت بالفعل استعداداً واضحاً لاستخدام قيود التصدير كسلاح وضغط سياسي.
الموازنة بين القوتين العظميين
تمثلت استجابة تايبيه لهذا الوضع في تنويع مصادرها نحو الولايات المتحدة مستهدفة رفع حصة الغاز الطبيعي المسال الأمريكي في وارداتها من 10-25% بحلول عام 2029. وينطوي هذا التوجه على منطق استراتيجي في جزء منه كما يمثل تحوطاً سياسياً في جزء آخر في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة إقناع تايوان بالاستثمار في مشاريع الغاز الطبيعي المسال التي تزداد تكلفة. ويعد هذا القبول التايواني وسيلة لاستمالة الحكومة الأمريكية وكسب رضاها حيث ترى تايبيه أن الدعم الأمريكي يمثل أمراً مصيرياً ولا غنى عنه في حال حدوث أي مواجهة مع الصين.
ومع ذلك فإن هناك درساً أقسى في كل هذه المعطيات يتجاوز معضلات تايوان الخاصة فعقيدة الهيمنة على الطاقة تخطئ في التمييز بين الأداة والهدف والسيطرة على تدفقات الوقود الأحفوري لا تعني تحقيق المرونة الاستراتيجية كما أثبتت أزمة مضيق هرمز. والدول التي تتأثر بهذه الصدمات لا تخرج بنتيجة تفيد بأنها بحاجة إلى مزيد من النفط بل تخلص إلى ضرورة تقليل الاعتماد عليه وتدرك أن السلوك الأمريكي يتسبب في تكاليف اقتصادية مؤلمة.
إن الهدف الاستراتيجي لمعظم الدول يكمن في امتلاك أنظمة طاقة بأسعار معقولة وتكون في الوقت نفسه عصية على الحصار أو الارتهان كرهينة سياسية. وبالنسبة لدول مثل تايوان يعني هذا الأمر تنويع إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال وتقوية شبكات التوزيع وزيادة استخدام الطاقة المتجددة إلى جانب العودة المدروسة والانتقائية لخيار الطاقة النووية.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن الأمر يتطلب الاعتراف بأن تفوق الوقود الأحفوري لم يعد شكلاً مستداماً من أشكال القوة وبأن هذا السلوك يتبدى للدول ذات الدخل المتوسط العالقة بين القوتين العظميين كعملية ابتزاز مالي مكلفة وفجة لحمايتها وليس كشراكة استراتيجية محترمة تسعى لتعزيز أمن الطاقة والعيش المناخي الآمن على المدى الطويل.
