القائمة الرئيسية

لماذا يجب أن تغيّر حرب إيران طريقة تفكيرنا بشأن الأسمدة

لماذا يجب أن تغيّر حرب إيران طريقة تفكيرنا بشأن الأسمدة
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف كشفت الحرب في إيران هشاشة نظام الغذاء العالمي بسبب الاعتماد الكبير على الأسمدة النيتروجينية المرتبطة بالغاز الطبيعي وممرات التجارة الحساسة مثل مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتهديد الأمن الغذائي العالمي. كما تسلط الضوء على الحاجة الملحّة لتقليل الاعتماد على الأسمدة الصناعية عبر حلول بديلة مثل الفحم الحيوي والزراعة الدقيقة والممارسات الزراعية التجديدية، مؤكدة أن تعزيز مرونة الزراعة لم يعد قضية مناخية فقط بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الأمن الغذائي العالمي.

  • كشفت الحرب في إيران عن نقطة ضعف خطيرة في نظام إنتاج الغذاء العالمي: إذ يعتمد نصف محاصيل العالم على الأسمدة النيتروجينية المصنوعة من الغاز الطبيعي، بينما يمر ثلث تجارة الأسمدة العالمية عبر نقطة اختناق واحدة.
  • لكن إعادة إمدادات الأسمدة وحدها لا تكفي، فالعالم بحاجة إلى تقليل اعتماده عليها من الأساس.
  • يمكن للفحم الحيوي أن يقلل الحاجة إلى الأسمدة الصناعية بنسبة تتراوح بين 20% و40%، لكننا لا نزال بحاجة إلى المزيد من التجارب الميدانية لفهم الأماكن التي ينجح فيها وكيفية توسيع نطاق استخدامه.

عندما أدت الحرب في إيران إلى إغلاق مضيق هرمز في أواخر فبراير، انصب اهتمام العالم على أسعار النفط. غير أن التأثير الذي طال سوق الأسمدة العالمي لا يقل أهمية، إذ سيؤثر حتماً على أسعار الغذاء وقرارات الزراعة ومستويات الجوع خلال ما تبقى من عام 2026 وما بعده.

يعتمد نحو نصف إنتاج الغذاء العالمي على الأسمدة النيتروجينية، وهي المغذيات الوحيدة التي تحتاجها المحاصيل في كل موسم زراعي. وتبدأ سلسلة الإمداد الخاصة بها بالغاز الطبيعي. إذ تستخلص عملية هابر-بوش الهيدروجين من الميثان وتدمجه مع النيتروجين المستخرج من الهواء لإنتاج الأمونيا، التي تُعد الأساس لليوريا ومعظم الأسمدة النيتروجينية الأخرى.

ويمر ثلث التجارة العالمية لهذه المادة عبر مضيق هرمز، الذي أُغلق بين عشية وضحاها، ما أدى إلى ارتفاع أسعار اليوريا من نحو 490 دولاراً إلى أكثر من 700 دولار للطن.

كما فرضت دول مصدرة رئيسية، من بينها الصين وروسيا، قيوداً على الصادرات لحماية الإمدادات المحلية، ما زاد من تشديد السوق. وبدأت مصانع الأسمدة في جنوب آسيا، التي تعتمد على الغاز الطبيعي المستورد من الخليج كمادة أولية، في الإغلاق أيضاً.

ويأتي ذلك في توقيت بالغ السوء، إذ يشهد نصف الكرة الشمالي حالياً موسم الزراعة الربيعي. وقد وصفت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الوضع بأنه “صدمة نظامية تؤثر على أنظمة الغذاء عالمياً”، فيما قدّر برنامج الأغذية العالمي أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد.

“نحن بحاجة إلى تقليل كمية الأسمدة الصناعية التي يحتاجها العالم من الأساس.”

التركيز على الطلب على الأسمدة وليس الإمدادات فقط

يجب أن نتحدث عن هذه الأزمة بطريقة مختلفة. فعادة ما ينصب التركيز على استعادة الإمدادات: إعادة فتح مضيق هرمز، أو إيجاد طرق شحن بديلة، أو توسيع القدرة المحلية لإنتاج الأسمدة. لكن المشكلة الأعمق هي أننا بنينا نظاماً زراعياً عالمياً يجعل كل صدمة في قطاع الطاقة تتحول تلقائياً إلى صدمة غذائية.

فالمزارعون في ولاية آيوا الأمريكية يدفعون بالفعل أسعاراً أعلى للأسمدة، بينما قد لا يتمكن المزارعون في ماهاراشترا وساو باولو، الذين يعتمدون بشكل أكبر على واردات الخليج، من الحصول عليها إطلاقاً.

وأكد تحليل حديث للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية أن القدرات الإنتاجية الجديدة ستظل متركزة في المناطق التي تتمتع بغاز طبيعي رخيص، ما يعني أن زيادة الإمدادات لا تقلل من مخاطر التركّز. لذلك، نحتاج إلى تقليل كمية الأسمدة الصناعية المطلوبة منذ البداية.

وغالباً ما يُطرح مفهوم “الأمونيا الخضراء”، التي تستخدم الكهرباء المتجددة لاستخراج الهيدروجين من الماء بدلاً من الغاز الطبيعي، باعتباره الحل طويل الأجل. وهو يستحق الاستثمار، لكن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة تقدّر أن تكلفته الحالية تصل إلى ستة أضعاف تكلفة الأمونيا التقليدية، كما أنه يتطلب زيادة عالمية بمقدار 20 ضعفاً في قدرات أجهزة التحليل الكهربائي للوصول إلى نطاق فعّال.

أما جانب الطلب فهو المجال الذي يمكننا التحرك فيه الآن.

كيف يمكن للفحم الحيوي أن يقلل الاعتماد على الأسمدة

يعمل الفحم الحيوي، وهو مادة غنية بالكربون تُنتج عبر تسخين المخلفات الزراعية في غياب الأكسجين، على معالجة المشكلة من الجهة الأخرى. فعند إضافته إلى التربة، يساعد على تحسين احتفاظها بالمغذيات، ما يقلل تسرب النيتروجين ويزيد الكمية التي تصل إلى النبات.

وقد وجدت دراسة منشورة في مجلة “نيتشر” أن الفحم الحيوي يمكن أن يقلل الحاجة إلى الأسمدة الصناعية لمحصول القمح بنسبة تتراوح بين 20% و40%. كما أظهرت دراسة منشورة في دورية “PNAS” أن هذه الفوائد تستمر بل وتتزايد مع الاستخدام السنوي المتكرر لفترات تتراوح بين أربع و12 سنة.

وأثبتت دراسة ميدانية استمرت 10 سنوات ونُشرت في مجلة “فرونتيرز إن سستينابل فود سيستمز” في وقت سابق من هذا العام تحسناً دائماً في كربون التربة ومستويات الحموضة بعد استخدام واحد فقط للفحم الحيوي في أنظمة زراعة القمح في الأراضي الجافة.

وفي شركة “سوبركريتيكال”، المتخصصة في إزالة الكربون، يجري تقييم مشاريع الفحم الحيوي بناءً على قدرتها على احتجاز الكربون. وعادة ما تُعتبر فوائد التربة، بما فيها تقليل الحاجة إلى الأسمدة، ميزة إيجابية لكنها ثانوية مقارنة بقصة الكربون.

إلا أن هذه الأزمة قلبت هذا المنطق. فإذا كان الفحم الحيوي قادراً بالفعل على تقليل الاعتماد على الأسمدة، فإن ذلك يصبح قضية أمن غذائي وليس مجرد قضية مناخ، ما يعزز مبررات الاستثمار فيه على نطاق واسع.

“قد يتردد المزارعون الذين يعانون أصلاً من هوامش ربح ضيقة في تبني التغيير، لكن استمرار الاعتماد على النظام الحالي يبدو الآن رهاناً أكثر خطورة.”

كيف يعمل الفحم الحيوي

يوفر الفحم الحيوي ميزة تتعلق بالمرونة لا تمتلكها البدائل الأخرى. فهو يُنتج محلياً من المخلفات الزراعية التي كانت ستُحرق أو تُهدر، ما يحول النفايات إلى مادة مفيدة لتحسين التربة.

كما يعتمد على تقنيات التحلل الحراري الموجودة بالفعل، من دون الحاجة إلى بنية تحتية عملاقة جديدة أو مواد أولية مستوردة. وهذه الطبيعة الدائرية تجعله أقل عرضة لصدمات سلاسل الإمداد العالمية التي نشهدها حالياً.

ومع ذلك، لا يمثل الفحم الحيوي حلاً كاملاً، كما أنه ليس بديلاً مباشراً للأسمدة التقليدية. إذ تُظهر مراجعة منشورة في مجلة “أغرونومي” أن النتائج تختلف بشكل كبير حسب المحاصيل وأنواع التربة والمناطق، ولا يوجد حتى الآن إجماع واضح بشأن الأماكن التي يحقق فيها الفحم الحيوي هذه الفوائد بأعلى موثوقية.

ويرجع ذلك جزئياً إلى محدودية الاستثمارات البحثية في هذا المجال. فنحن بحاجة إلى المزيد من التجارب الميدانية على نطاق أوسع من المحاصيل والمناطق لفهم أين وكيف يمكن للفحم الحيوي أن يقلل الاعتماد على الأسمدة بأفضل شكل.

كما أن الفحم الحيوي ليس الأداة الوحيدة المتاحة على جانب الطلب. فالزراعة الدقيقة يمكن أن تقلل الاستخدام المفرط للأسمدة عبر مواءمة الكميات المستخدمة مع احتياجات المحصول والتربة الفعلية. كذلك تُظهر الأسمدة الميكروبية إمكانات واعدة، رغم أن التكلفة والقيود اللوجستية لا تزال تحد من انتشارها حالياً.

أما ممارسات الزراعة التجديدية، فيمكنها إعادة بناء خصوبة التربة مع مرور الوقت. وقد يتردد المزارعون الذين يواجهون هوامش ربح ضيقة بالفعل في تبني التغيير، لكن استمرار الاعتماد على النظام الحالي يثبت يوماً بعد يوم أنه خيار أكثر خطورة.

فحم نباتي/فحم حيوي مصنوع من مخلفات النباتات يُترك ليجف في كوتونو، بنين، 27 يناير 2023
الصورة: رويترز/شارل بلاسيد توسو

توصي منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الآن بالاستثمار في “الزراعة المستدامة ذات الكفاءة العالية في استخدام المدخلات”، وبالتعامل مع أنظمة الغذاء باعتبارها بنية تحتية استراتيجية. كما يدرج المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية الأسمدة العضوية والمنتجات بطيئة التحلل والبدائل الميكروبية ضمن الحلول المرتبطة بجانب الطلب التي تستحق اهتماماً عاجلاً.

ويرى اتحاد العلماء المهتمين أن المزارعين بحاجة إلى مسارات عملية تقلل اعتمادهم على الأسمدة.

ولا أحد يقترح أن يتخلى العالم عن النيتروجين الصناعي بين ليلة وضحاها، لكن لم يعد من الممكن افتراض أن النيتروجين الصناعي الرخيص سيظل متاحاً دائماً. ومع ذلك، لا تزال الاستثمارات العامة المخصصة لتقليل الاعتماد على الأسمدة ضئيلة مقارنة بالأموال المتدفقة نحو توسيع الإنتاج التقليدي. وهذا التوازن يحتاج إلى تغيير.

يقوم سوق إزالة الكربون بالفعل بتوجيه رؤوس أموال خاصة كبيرة نحو إنتاج الفحم الحيوي من خلال شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وJPMorgan Chase، ما يسهم في بناء سلاسل التوريد وقاعدة الأدلة التي سيحتاجها القطاع الزراعي مستقبلاً. وهذه تمثل قاعدة يمكن البناء عليها.

وينبغي للحكومات والمؤسسات التنموية والقطاع الخاص أن تتعامل مع تقليل الاعتماد على الأسمدة بنفس مستوى الاستعجال الذي تتعامل به مع استعادة إمدادات الأسمدة. وما نفتقده حالياً هو الإرادة لتمويل هذه الحلول بالحجم الذي يتطلبه الأمن الغذائي فعلياً.

المصدر

مقالات ذات صلة