تُعد الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، التي يعيش فيها نحو مليار شخص عبر أكثر من 40 دولة، من بين الأكثر عرضة للمخاطر في ظل هذه المرحلة من عدم اليقين الاقتصادي.
فبعد عقود من المعاناة مع الفقر، وضعف المؤسسات، وتحديات الحوكمة، والعنف، ومخاطر أخرى، تجد هذه الدول نفسها اليوم مضطرة لمواجهة آثار الجائحة وغزو روسيا لأوكرانيا. لذلك، يجب على المجتمع الدولي أن يعمل معًا لضمان استقرارها باعتباره منفعة عامة عالمية، وإلا فإن تداعيات الهشاشة والنزاعات ستصبح أكثر اضطرابًا وتأثيرًا.
لقد تركت الجائحة آثارًا اقتصادية طويلة الأمد، حيث يُتوقع ألا تعود مستويات الدخل الفردي في الدول الهشة إلى مستويات عام 2019 قبل عام 2024. كما زادت الحرب في أوكرانيا وتداعياتها، بما في ذلك ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، من تفاقم الوضع.
وقد تأثرت أفريقيا جنوب الصحراء، التي تضم نحو نصف الدول المصنفة ضمن هذه الفئة، بشكل خاص. فقد ارتفعت أسعار المستهلكين بأكثر من 20% في المتوسط هذا العام، في حين يقترب الدين العام من 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يُسجل منذ أوائل العقد الأول من الألفية. ونتوقع أن يكون النمو الاقتصادي في سبع دول—بوركينا فاسو، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وجزر القمر، وإريتريا، ومالي، ونيجيريا، وزيمبابوي—أقل من المتوسط الإقليمي البالغ 3.6% هذا العام. إضافة إلى ذلك، يواجه 123 مليون شخص، أي نحو 12% من سكان المنطقة، انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وهو ما يعادل ثلثي الإجمالي العالمي.
أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تشكل الدول الهشة أكثر من ثلث بلدان المنطقة، فإنها تواجه آثارًا مستمرة للجائحة وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. وقد ظل النمو ضعيفًا عند أقل من 1%، بينما يستمر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الانخفاض. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار المستهلكين بأكثر من 30% في المتوسط هذا العام، وأن يظل التضخم في خانة العشرات خلال عام 2023. كما يُتوقع أن يتجاوز الدين العام 60% من الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجة لذلك، تواجه هذه الدول مفاضلات صعبة للغاية بين تزايد احتياجات الإنفاق، وصعوبة زيادة الإيرادات، وارتفاع مستويات الدين. كما تعاني الدول الأكثر هشاشة في المنطقة من انعدام الأمن الغذائي وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وقد عاد النزاع حتى إلى مناطق كانت تُعتبر أكثر استقرارًا. ووفقًا للأمم المتحدة، أدى غزو روسيا لأوكرانيا إلى ارتفاع عدد النازحين قسرًا إلى 100 مليون شخص. ويتطلب تدفق نحو 8 ملايين لاجئ أوكراني إلى الدول الأوروبية المجاورة من الحكومات التعامل مع تكاليف مالية قصيرة الأجل في ظل ضغوط الميزانيات، واتخاذ قرارات تتعلق بدمجهم في سوق العمل وإتاحة الخدمات الاجتماعية لهم.
هذه التحديات معروفة جيدًا في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث يتعامل صناع السياسات مع تدفقات اللاجئين وتأثيرات النزاعات الإقليمية بموارد محدودة. وفي هذا السياق، ينبغي إعطاء الأولوية لثلاثة مسارات لنقل هذه الدول وجيرانها من الهشاشة إلى الاستقرار والقدرة على الصمود.
أولًا، يجب على المجتمع الدولي تقديم دعم مخصص ومتعدد الأطراف للدول التي تعاني من ضغوط، حتى في أصعب الظروف. ويُعد ذلك مهمًا بشكل خاص في مناطق مثل الساحل، حيث تهدد الأزمات الأمنية والإنسانية والاقتصادية المتداخلة بإضعاف مؤسسات الدول المعرضة لخطر الانهيار. ويتزايد الإجماع على ضرورة استمرار المؤسسات المالية الدولية في الانخراط والقيام بدور رئيسي في استقرار هذه الاقتصادات وتعزيز النمو الشامل.
وقد قامت عدة مؤسسات بالفعل بتحديث استراتيجياتها، حيث حدّث بنك التنمية الأفريقي استراتيجيته للدول الهشة، واعتمد بنك الاستثمار الأوروبي استراتيجيته الأولى، كما اتخذ البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي خطوات مماثلة منذ عام 2020.
وفي مارس، أطلق صندوق النقد الدولي استراتيجيته للدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات لتعزيز جهوده في تقديم دعم أكثر قوة وملاءمة للقيود التي تواجهها هذه الدول.
ويقدم الصندوق الدعم بعدة طرق، منها دعم موزمبيق عبر تحويلات نقدية للأسر الضعيفة، بما في ذلك النازحين قسرًا بسبب النزاع في الشمال. كما يدعم جهود الصومال لإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار والنمو، بما في ذلك من خلال تخفيف الديون. ويوفر لليمن مشورة سياسية للمساعدة في استقرار الاقتصاد وتقليل انعدام الأمن الغذائي.
ثانيًا، يُعد توسيع نطاق التمويل أمرًا أساسيًا لمواكبة حجم التحديات. فقد حصلت الدول الهشة خلال الجائحة على 14.3 مليار دولار من تمويل صندوق النقد الدولي، إضافة إلى 26 مليار دولار من مخصصات حقوق السحب الخاصة.
كما أنشأ الصندوق مؤخرًا صندوق الصمود والاستدامة، الذي يوفر تمويلًا طويل الأجل وبشروط ميسرة لمعالجة التحديات الهيكلية مثل تغير المناخ، وهو مصدر محتمل إضافي لتمويل هذه الدول.
وفي سبتمبر، وافق المجلس التنفيذي للصندوق على نافذة الصدمات الغذائية لمساعدة الدول التي تواجه مشكلات في ميزان المدفوعات بسبب ارتفاع أسعار الغذاء. ويتم تنسيق المشورة السياسية والدعم الفني والمالي مع الشركاء الدوليين.
وأخيرًا، من الضروري إدراك أن الهشاشة تتطور. فهناك دول متوسطة الدخل تواجه الآن تحديات كبيرة بسبب تداعيات النزاعات في الدول المجاورة. لذلك، فإن تقديم دعم أكبر من المجتمع الدولي لهذه الدول، بما في ذلك فتح حدودها للاجئين، أمر بالغ الأهمية.
وقد عززت بنوك التنمية متعددة الأطراف مساعداتها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك من خلال التمويل الميسر للدول المتوسطة الدخل المتأثرة بتداعيات النزاعات، مثل كولومبيا والإكوادور والأردن ولبنان ومؤخرًا مولدوفا. وتبرز هذه الجهود كيف يمكن للمؤسسات متعددة الأطراف مساعدة الدول على مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية بشكل أفضل.
وفي عالم يزداد انقسامًا، لا يمكننا الاستجابة بفعالية إلا من خلال توحيد الجهود لإدارة المخاطر المترابطة. وهذا يعني بالنسبة للمجتمع الدولي تعزيز التزامه تجاه الدول الأكثر ضعفًا، التي لا تستطيع تحمل هذه الصدمات بمفردها.
