القائمة الرئيسية

حكمان خلال يومين: كيف تعيد المحاكم الأمريكية رسم قواعد شركات التكنولوجيا الكبرى وحماية الأطفال

حكمان خلال يومين: كيف تعيد المحاكم الأمريكية رسم قواعد شركات التكنولوجيا الكبرى وحماية الأطفال
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة صدور حكمين قضائيين متتاليين في الولايات المتحدة ضد شركات التكنولوجيا الكبرى، خاصة “ميتا” و”يوتيوب”، وما يكشفانه من تحول قانوني مهم نحو مساءلة تصميم المنصات وتأثيرها على الأطفال، مع إبراز أن الغرامات المالية وحدها قد لا تُحدث تغييرًا حقيقيًا، بينما تكمن الأهمية في فتح الباب أمام موجة دعاوى جديدة قد تفرض تعديلات جوهرية مثل التحقق الفعلي من العمر وتغيير الخوارزميات، مما قد يعيد تشكيل قواعد عمل وسائل التواصل الاجتماعي في المستقبل.

خلال 48 ساعة فقط، شهد المشهد القانوني الذي ينظم وسائل التواصل الاجتماعي والأطفال تحولات قد يستغرق فهمها الكامل والتحقق من آثارها سنوات.

في 24 مارس 2026، أمرت هيئة محلفين في سانتا فيه شركة “ميتا” بدفع 375 مليون دولار لانتهاكها قوانين حماية المستهلك في ولاية نيو مكسيكو. وفي اليوم التالي، وجدت هيئة محلفين في لوس أنجلوس أن “ميتا” و”يوتيوب” التابع لشركة “غوغل” كانتا مهملتين في تصميم منصاتهما، ومنحت ما يقارب 6 ملايين دولار كتعويض لمدعية واحدة.

الأرقام المالية تتصدر العناوين، لكن غرامة بقيمة 375 مليون دولار لشركة تُقدَّر قيمتها بـ1.5 تريليون دولار تُعد هامشية. فالمبلغ أقل من 2% من صافي أرباح “ميتا” البالغة 22.8 مليار دولار في عام 2025. وقد ارتفع سهم الشركة بنسبة 5% في يوم صدور حكم نيو مكسيكو، ما يعكس تقييم السوق لتأثير هذه الغرامة.

الغرامات من دون تغييرات هيكلية تشبه رسوم الترخيص أكثر من كونها مساءلة حقيقية. والسؤال الأهم ليس حجم التعويضات، بل ما إذا كانت هذه الأحكام ستؤدي إلى تغييرات فعلية في المنتجات التي يستخدمها ملايين الأطفال يوميًا.

الإجابة حتى الآن: ليس بالضرورة، وليس تلقائيًا. فالعقوبة المالية لا تعيد كتابة سطر واحد من الشيفرة البرمجية، ولا تزيل خوارزمية، ولا تعيد توظيف مهندس سلامة تم الاستغناء عنه لحماية الأرباح الفصلية. وقد أشارت “ميتا” و”غوغل” إلى عزمهما الاستئناف، مع توقع أن يكون التعديل الأول للدستور الأمريكي محورًا رئيسيًا في النزاع.

ومن المرجح أن يجادل محامو الشركتين بأن الأدلة العلمية التي تربط تصميم المنصات بالأضرار النفسية لا تزال محل جدل، وأن الشركات اتخذت بالفعل إجراءات أمان. وفي الوقت نفسه، ستستمر “إنستغرام” و”فيسبوك” و”يوتيوب” في العمل كما كانت قبل صدور الأحكام.

تمهّد الأحكام ضد “ميتا” الطريق لمئات، وربما آلاف القضايا المشابهة.

حماية المستهلك

غالبية التغطيات الإعلامية لحكم نيو مكسيكو تصفه كقضية تتعلق بسلامة الأطفال. وهذا صحيح، لكنه يحمل أيضًا بُعدًا تقنيًا أكثر أهمية: دعوى حماية مستهلك تستند إلى مزاعم الخداع المؤسسي. إذ لم يقم المدعي العام لولاية نيو مكسيكو، راؤول توريز، بمقاضاة “ميتا” بسبب محتوى المستخدمين، بل بسبب تصريحاتها المضللة بشأن سلامة منصتها، مستخدمًا نهجًا قانونيًا مبتكرًا.

على مدى ثلاثة عقود، وفّر القسم 230 من قانون آداب الاتصالات حماية لمنصات الإنترنت من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشئه المستخدمون. وقد فسّرت المحاكم هذه الحصانة بشكل واسع، مما أدى إلى فشل العديد من المحاولات السابقة لمحاسبة المنصات على الأضرار التي تلحق بالأطفال.

وقد صيغت شكوى نيو مكسيكو، المقدمة في ديسمبر 2023، مع إدراك واضح لهذا العائق، وطرحت سؤالًا واحدًا: هل كذبت “ميتا” عمدًا على المستهلكين في الولاية بشأن سلامة منتجاتها؟

وكان جواب هيئة المحلفين: نعم، في جميع التهم. واستند الحكم إلى ثلاث نظريات قانونية مختلفة بموجب قانون الممارسات غير العادلة في الولاية.

النظرية الأولى كانت الخداع المباشر: تصريحات “ميتا” العلنية، من بينها شهادة المدير التنفيذي مارك زوكربيرغ أمام الكونغرس التي زعم فيها أن الأبحاث حول إدمان المنصة غير حاسمة، بالإضافة إلى مواد إرشادية للآباء أغفلت مخاطر معروفة مثل الاستدراج والاستغلال الجنسي، تُعد تمثيلات مرتبطة بمعاملة تجارية.

فالمستخدمون لا يدفعون المال مقابل استخدام المنصات، بل بياناتهم، التي تحوّلها “ميتا” إلى عائدات إعلانية. وقد نجحت الولاية في إثبات أن هذا التبادل يُعد نشاطًا تجاريًا بموجب قانون حماية المستهلك، وأن التصريحات المضللة فيه قابلة للمساءلة بغض النظر عن القسم 230.

النظرية الثانية كانت الممارسة غير العادلة، أي السلوك المخالف للسياسة العامة حتى وإن لم يكن خداعًا تقنيًا. وتركّزت الأدلة هنا على ما كانت تعرفه الشركة داخليًا ثم تجاهلته.

كشفت وثائق داخلية عن تحذيرات متكررة، شملت انتشار مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال عبر المنصات، وخوارزميات تعزز المحتوى الضار لأنه يولد تفاعلًا، وأنظمة تحقق من العمر كانت شكلية إلى حد كبير. ومع ذلك، تجاهلت الشركة هذه التحذيرات لأسباب تجارية.

وقد عُرض على هيئة المحلفين تسلسل واضح: طلب مسؤولون في “ميتا” تعزيز الموارد لمعالجة الأضرار، لكن زوكربيرغ رفض، بينما استمرت الشركة في تقديم جهودها على أنها كافية.

أما النظرية الثالثة فكانت “الاستغلال غير المنصف”، أي استغلال مستهلكين غير قادرين على حماية أنفسهم، وهو ما ينطبق بوضوح على الأطفال. فالأطفال لا يستطيعون تقييم شروط الاستخدام، ولا التفاوض على تصميم المنصة، ولا فهم التأثيرات العصبية لتصميم يهدف إلى تعظيم التفاعل. وكانت لدى “ميتا” أبحاث داخلية شاملة توثق هذه الثغرات، لكنها اختارت تجاهلها بدلًا من معالجتها.

مؤشر على قضايا الإدمان

أما قضية لوس أنجلوس، التي اختتمت في 25 مارس، فقد اختبرت نظرية مختلفة، إذ كانت دعوى إصابة شخصية وليس إجراء حكومي.

المدعية، المعروفة في المحكمة باسم KGM، تبلغ من العمر 20 عامًا، وبدأت استخدام “يوتيوب” في سن السادسة و”إنستغرام” في سن التاسعة. وجادل محاموها بأن خيارات التصميم المتعمدة مثل التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، وخوارزميات التوصية القائمة على التفاعل، كانت سبب إدمانها وإصابتها بالاكتئاب وإيذاء النفس.

وقد وجدت هيئة المحلفين أن “ميتا” و”يوتيوب” كانتا مهملتين في تصميم منصاتهما، وأن هذا الإهمال كان عاملًا جوهريًا في الضرر الذي لحق بالمدعية. وتحملت “ميتا” 70% من المسؤولية، مقابل 30% لـ”يوتيوب”. ورغم أن التعويض الفردي البالغ 3 ملايين دولار يُعد متواضعًا، فإن مرحلة التعويضات العقابية، التي لم تُحسم بعد، قد تسفر عن مبالغ أكبر بكثير.

تكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها تُعد نموذجًا تجريبيًا من بين مئات القضايا المشابهة، لاختبار ما إذا كانت نظرية المسؤولية عن تصميم المنتج يمكن أن تنجح أمام هيئة محلفين. وقد نجحت بالفعل، ما يعزز موقف المدعين الآخرين، ويرفع المخاطر المالية المحتملة على الشركات من مئات الملايين إلى مليارات الدولارات.

والأهم من ذلك، أن الحكم يشير إلى أن هذا المسار القانوني أصبح ممكنًا، وأن المحاكم لم تعد ملاذًا آمنًا للشركات.

الإزعاج العام

ابتداءً من 4 مايو 2026، من المقرر أن ينظر القاضي براين بيدشايد في تهمة “الإزعاج العام” في قضية نيو مكسيكو، دون هيئة محلفين. ويُستخدم هذا المفهوم القانوني تقليديًا لمعالجة الأوضاع التي تضر بالجمهور، مثل تلوث المياه أو الطلاء المحتوي على الرصاص أو توزيع المواد الأفيونية.

وتجادل نيو مكسيكو بأن بنية منصة “ميتا” تشكل مثل هذا الخطر. وإذا وافق القاضي، فلن يكون الحل مجرد غرامة، بل أمر قضائي بإزالة السبب الضار.

وقد أوضح المدعي العام بالفعل ما سيطلبه: تحقق حقيقي من العمر، وليس مجرد مربع تأكيد؛ وتغييرات في الخوارزميات؛ ومراقب مستقل للإشراف على الامتثال. وهي مطالب تمس جوهر كيفية عمل المنصة.

وهنا يبرز التشابه مع قضايا شركات التبغ الكبرى في التسعينيات، التي لم تؤد فقط إلى تسويات مالية، بل إلى اتفاقيات فرضت قيودًا دائمة على التسويق ومولت برامج صحية عامة. وتسعى نظرية “الإزعاج العام” إلى تحقيق نتيجة مماثلة لوسائل التواصل الاجتماعي.

سابقة لموجة قضايا

تكمن أهمية الحكمين في الأدلة والسوابق القانونية التي أُرست. فلأول مرة، قامت هيئة محلفين بفحص وثائق داخلية لشركة “ميتا” — رسائل إلكترونية من مهندسين يحذرون من إيذاء النفس، ومقترحات سلامة مرفوضة، وقرارات شخصية من زوكربيرغ تفضل التفاعل على الحماية — وأقرت بأن هذه الوثائق تعني ما تبدو عليه بالفعل.

وقد أصبحت هذه النتيجة، إلى جانب النظريات القانونية التي استندت إليها، جزءًا من الأساس الذي ستُبنى عليه أكثر من 40 قضية مرفوعة من مدعين عامين في ولايات مختلفة، وآلاف الدعاوى الفردية، ومحاكمة اتحادية مرتقبة لاحقًا هذا العام.

وقد تكون مرحلة “الإزالة” التي تبدأ في 4 مايو أكثر أهمية من المبالغ المالية. فإذا أمر القاضي — أو أي قاضٍ لاحق — بفرض تحقق فعلي من العمر، وتعديل الخوارزميات، وتعيين مراقب مستقل، فسيكون ذلك تغييرًا هيكليًا حقيقيًا.

المصدر

مقالات ذات صلة