أصبحت الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران مصدر قلق متزايد للعالم بسبب مخاطر التصعيد وتأثيرها على أسواق الطاقة.
لكن في تايوان، اتجه التركيز في مسار مختلف.
فبدلاً من النظر إلى الحرب باعتبارها بعيدة جغرافياً، ينظر إليها القادة السياسيون والمحللون في تايوان كمؤشر مباشر على كيفية تصرف الولايات المتحدة تحت ضغط استراتيجي.
السؤال الأساسي لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل في حال اندلاع صراع مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بل كيف ستدير الضغوط المتزامنة إذا اندلعت عدة أزمات في الوقت نفسه.
اختبار للحدود لا للنوايا
هناك إدراك متزايد في تايوان بأن موارد الولايات المتحدة ليست غير محدودة.
فالحرب في الشرق الأوسط تسببت في تقلب أسعار الطاقة وأثارت مخاوف من ارتفاع التضخم داخل الولايات المتحدة، ما يبرز التكاليف الداخلية للعمليات العسكرية.
كما تراجعت نسب تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث بدأ بعض أعضاء حزبه يشككون في مبرراته لخوض الحرب.
وأشارت بعض التقارير إلى أن مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض بدأت تتناقص. فعلى سبيل المثال، اضطرت القوات الأميركية إلى نقل بعض أنظمة صواريخ ""ثاد"" من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. كما واجهت صعوبة في التصدي لأساليب القتال غير المتكافئة التي تستخدمها إيران.
ولهذا تداعيات مباشرة على الردع الذي حافظت عليه واشنطن لفترة طويلة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فهذا الردع لا يعتمد فقط على القدرات العسكرية، بل أيضاً على الاعتقاد بأن هذه القدرات ستظل قائمة حتى تحت الضغط.
وقد لا تؤدي الصراعات في مناطق أخرى إلى إضعاف عزم الولايات المتحدة على التدخل إذا ما تعرضت تايوان لضغط أو هجوم من الصين، لكنها قد تستنزف الموارد الأميركية وتؤثر على أولويات توزيعها.
تغير عتبة استخدام القوة
كما قدمت الولايات المتحدة ضرباتها ضد إيران باعتبارها إجراءً ""وقائياً"" يهدف إلى تقليل تهديد مستقبلي، وليس رداً على هجوم وشيك. وهذا يثير تساؤلات أوسع حول تغير عتبة استخدام القوة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بالنسبة لتايوان، هذا ليس مفهوماً نظرياً. فإذا تم خفض عتبة العمل العسكري من تهديد وشيك إلى خطر محتمل، فإن البيئة الاستراتيجية تصبح أقل قابلية للتنبؤ.
وهذا يوسع نطاق الظروف التي يمكن أن تبرر فيها الولايات المتحدة استخدام القوة.
كما أن السرعة التي تحركت بها إدارة ترامب في إيران زادت من حالة عدم اليقين لدى الشركاء الإقليميين مثل اليابان وكوريا الجنوبية بشأن توقيت وكيفية تحرك الولايات المتحدة ضد الصين.
ولم يتم إبلاغ شركاء الولايات المتحدة في الناتو مسبقاً بالضربات على إيران، ما قد يثير قلق اليابان وكوريا الجنوبية بشأن احتمال غياب التواصل في حال اتخاذ إجراءات أميركية مرتبطة بتايوان.
الحروب نادراً ما تسير وفق التوقعات
كما أثارت حرب إيران تساؤلات أوسع حول كيفية تكيف الولايات المتحدة مع الأزمات المتغيرة.
تقليدياً، كان النقاش حول تايوان يركز على احتمال غزو صيني واسع النطاق. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن التصعيد قد لا يكون خطياً بهذا الشكل.
فبدلاً من مسار واحد يمكن التنبؤ به، قد تتطور الصراعات عبر سلسلة من القرارات الصغيرة، أو من خلال غموض الإشارات بين الخصوم، أو نتيجة تغيرات سياسية سريعة.
وقد أدى ذلك إلى تحول في النقاش الاستراتيجي داخل تايوان. حيث بدأت النقاشات الدفاعية والمنتديات الأمنية تركز بشكل متزايد على سيناريوهات تضغط فيها الصين على تايوان عبر تكتيكات ""المنطقة الرمادية""، والحصار، والتصعيد التدريجي، بدلاً من التركيز فقط على الغزو الشامل.
وبالتالي، يتحول الاهتمام إلى كيفية تراكم هذا الضغط بمرور الوقت — عبر العمليات السيبرانية، أو القيود البحرية، أو التحركات العسكرية المحدودة — واحتمال خروجه عن السيطرة.
كما تمت متابعة الأزمة الحالية في مضيق هرمز عن كثب في تايوان، باعتبارها مثالاً على كيف يمكن لتعطيل ممر استراتيجي أن يؤثر بسرعة على العالم. وهذا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت ديناميكيات مماثلة قد تظهر في مضيق تايوان، ومدى استعداد الجهات الخارجية — بما في ذلك الولايات المتحدة — للاستجابة.
كما لم تتمكن الولايات المتحدة من منع امتداد الحرب مع إيران إلى دول الخليج، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان يمكن احتواء حرب محتملة حول تايوان أو ما إذا كانت ستؤدي إلى آثار إقليمية أوسع.
