- من باريس إلى سان فرانسيسكو، ومن جنيف إلى نيويورك، يتصاعد الحديث عن فرض ضرائب على الأثرياء يوماً بعد يوم على جانبي الأطلسي.
- وبالنسبة للحكومات التي تواجه عجزاً مالياً متفاقماً، قد يبدو فرض ضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة حلاً مقبولاً سياسياً لمعالجة أزماتها المالية. كما قد يبدو خياراً منطقياً أخلاقياً أيضاً؛ فعدم المساواة العالمية ازداد بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، حيث ازداد الأغنياء غنىً وازداد الفقراء فقراً. ويذهب البعض إلى أن ضرائب الثروة لا توفر إيرادات إضافية فحسب، بل قد تسهم أيضاً في بناء مجتمعات أكثر عدلاً.
لكن هذه الحجج كثيراً ما تتجاهل الآثار غير المباشرة للضرائب الجديدة، خاصة في مجالات مثل الاستثمار. ففي الجدل الدائر حول ضرائب الثروة وعدم المساواة في الدخل، تكمن التفاصيل الحاسمة في صلب القوانين الضريبية.
يركز بحثنا الأخير المنشور في مجلة رابطة الاقتصاد الأوروبية على الأرباح المتأتية من ملكية الأعمال، والطرق البديلة لفرض الضرائب على هذا النوع من الدخل، والتأثيرات التشويهية التي قد يتركها ذلك على إحصاءات عدم المساواة. وقد أُنجز هذا البحث بالتعاون مع فويتشيخ كوبتشوك من جامعة كولومبيا، وأنيت ألستادساتر من مركز سكّاتفورسك لأبحاث الضرائب، وكيتيل تيلي من المعهد النرويجي للصحة العامة.
ويبحث هذا العمل في الكيفية التي يحقق بها أصحاب الثروات الكبيرة جزءاً كبيراً من دخلهم من ملكية الشركات. فبالنسبة لأعلى 0.1% من أصحاب الدخول، يمكن أن يشكل هذا النوع من الدخل نحو 80% من إجمالي أرباحهم، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 15% من الأجور.
درسنا حالة النرويج، إحدى أكثر دول العالم مساواة، لفهم تأثير دخل الشركات والقوانين الضريبية على قياس عدم المساواة في الدخل. ففي عام 2006، فرضت النرويج ضريبة بنسبة 28% على توزيعات الأرباح، بعد أن كانت هذه التوزيعات معفاة من الضرائب.
إن الانتقال من صفر إلى 28% يمثل تغييراً كبيراً، كما يشكل حافزاً قوياً لاحتجاز الأرباح داخل الشركات بدلاً من توزيعها كأرباح نقدية. وليس من المستغرب أن تبلغ توزيعات الأرباح مستوى قياسياً في عام 2005، قبيل تطبيق الزيادة الضريبية. وبعد دخول الإصلاح الضريبي حيز التنفيذ، بدأت الشركات في النرويج باحتجاز جزء أكبر من أرباحها بدلاً من توزيعها. كما جرى تحويل مزيد من توزيعات الأرباح إلى شركات قابضة، وهو دخل لا يظهر في الإقرارات الضريبية الشخصية.
وهنا تتضح أهمية تعقيدات القانون الضريبي. فالطريقة الأكثر شيوعاً لفرض الضرائب على دخل الشركات تعتمد على أساس ""التحقق الفعلي""، أي تسجيل الدخل في الإقرارات الضريبية وفرض الضريبة عند توزيع الأرباح أو بيع الأسهم. أما البديل فهو فرض الضريبة على أساس ""الاستحقاق""، حيث يُلزم دافعو الضرائب بالإبلاغ عن أرباح الأعمال بغض النظر عمّا إذا كانت الشركة تحتفظ بها أو توزعها. ولا تظهر الأرباح – سواء وُزعت أم أُعيد استثمارها – في الإقرارات الضريبية الشخصية إلا عندما تُدار الشركات كشراكات.
كيف تؤثر الضرائب في قياس عدم المساواة؟
إذا قستَ عدم المساواة في الدخل اعتماداً فقط على الإقرارات الضريبية، متجاهلاً الأرباح المحتجزة داخل الشركات، فستجد انخفاضاً في الدخل وتراجعاً في عدم المساواة بعد الإصلاح. لكن إذا أخذت في الحسبان الأرباح التي احتفظت بها الشركات – وهو مقياس أدق وأكثر استقراراً – فلن يتغير مستوى عدم المساواة كثيراً.
وقد تمكنا من إجراء هذه المقارنة لأن النرويج تمتلك سجلاً شاملاً للمساهمين، ما أتاح لنا مقارنة ما أعلنه الأفراد في إقراراتهم الضريبية مع ما يملكونه من حصص في الشركات.
للأسف، لا تملك معظم الدول سجلات مماثلة للمساهمين. وهذا يعني أن فهمنا لاتجاهات عدم المساواة في الدخل، خصوصاً في فترات الإصلاحات الكبرى أو التغيرات المتكررة في ضرائب الأرباح، سيبقى ناقصاً.
كيف يغذي دخل الأعمال الجدل العالمي حول عدم المساواة؟
تسهم هذه النتائج في نقاش عالمي متجدد حول كيفية قياس عدم المساواة. فلعقود طويلة، اعتُبرت أعمال ثلاثة اقتصاديين فرنسيين خلصوا إلى أن عدم المساواة في الدخل في الولايات المتحدة يشهد ارتفاعاً حاداً، مرجعاً أساسياً في هذا المجال.
لكن باستخدام منهجية مختلفة، خلص جيرالد أوتن وديفيد سبلينتر إلى أن عدم المساواة في الدخل بعد الضرائب ظل مستقراً إلى حد كبير منذ ستينيات القرن الماضي. ويشير أوتن وسبلينتر إلى أن عام 1986 كان نقطة تحول في الولايات المتحدة، إذ غيّر قانون إصلاح الضرائب بعض قواعد الإبلاغ لأصحاب الدخول المرتفعة. فبعد عام 1986، أصبح بإمكان العديد من مالكي الشركات اختيار نظام ضريبي يُعامل أرباحهم كشراكات، ما يعني أن أرباح الأعمال – حتى تلك غير الموزعة – بدأت تظهر في الإقرارات الضريبية.
وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الزيادة الظاهرة في عدم المساواة عام 1986 قد يعكس ببساطة تغييراً في طريقة الإبلاغ: فبعد ذلك التاريخ، أصبحت الأرباح المستحقة تظهر في الإقرارات الضريبية، بينما لم تكن تظهر قبل ذلك.
لا يعني هذا أن عدم المساواة في الدخل لا يتزايد. لكنه يسلط الضوء على مدى تعقيد قياس هذه الظاهرة عبر الزمن أو عند إجراء مقارنات بين الدول. فمن الطبيعي الاعتماد على الإقرارات الضريبية الفردية كمصدر رئيسي للبيانات، لكن من الضروري أيضاً إدراك أن هذه الإقرارات قد تقدم صورة جزئية أو مضللة.
