القائمة الرئيسية

أمريكا اللاتينية في دافوس 2026: بين إعادة بناء الثقة وتحديات فنزويلا وآفاق التجارة في عالم منقسم

أمريكا اللاتينية في دافوس 2026: بين إعادة بناء الثقة وتحديات فنزويلا وآفاق التجارة في عالم منقسم
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة ملامح مستقبل أمريكا اللاتينية كما برزت في دافوس 2026، حيث تتقاطع فرص النمو المرتبطة بالطاقة المتجددة والمعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي مع تحديات عميقة تتعلق بفنزويلا، وهشاشة الثقة، والانقسامات السياسية، والتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. وتسلط الضوء على سعي دول المنطقة إلى تعميق التكامل الإقليمي، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الاستقرار والإصلاحات الاقتصادية، مع التأكيد على أن تحقيق ازدهار مستدام يضع الإنسان في قلبه يتطلب استعادة الثقة، وترسيخ العدالة، وتحويل الإمكانات الهيكلية إلى نمو فعلي شامل.

  • شكّلت التحديات الناشئة والمستمرة محور النقاشات حول مستقبل أمريكا اللاتينية خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026.
  • فقد حضرت إلى جدول الأعمال نقاط قوة المنطقة – من الاستقرار الاقتصادي الكلي إلى مصادر النمو المحتملة – غير أن التنافس الجيوسياسي وهشاشة الثقة ما زالا يشكلان تحدياً.
  • كما ناقش المتحدثون الطاقة المتجددة والمعادن الحيوية، وتنامي المنظومات الرقمية، وجاهزية القطاع الخاص للاستثمار، وسبل اغتنام الفرص في ظل تفكك المشهد الجيوسياسي.

تدخل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي العقد المقبل وهي تمتلك نقاط قوة مهمة تساعدها على التعامل مع بيئة عالمية متزايدة التعقيد. فالاستقرار الاقتصادي الكلي، ووفرة مصادر الطاقة المتجددة، واحتياطيات المعادن الأساسية للتحول الطاقي، تمثل ركائز أساسية، تدعمها منظومات رقمية متنامية وقطاع خاص ملتزم بالشراكة مع الحكومات لتحقيق الاستثمار والنمو.

غير أن هذه المزايا تتعايش مع بيئة تشغيل معقدة تتسم بتنافس القوى الكبرى والانقسامات السياسية، إلى جانب تحديات مزمنة تتعلق بإطلاق العنان للنمو ورفع الإنتاجية في المنطقة.

وقد ناقش صانعو السياسات وخبراء الطاقة والجغرافيا السياسية وقادة الأعمال والمجتمع المدني هذه التحديات والفرص خلال جلسات المنتدى في دافوس. وفيما يلي أبرز الخلاصات.

ما التالي لفنزويلا؟

برزت التحولات الجيوسياسية بوضوح في أمريكا اللاتينية عقب العملية الأمريكية التي أطاحت بنيكولاس مادورو في 3 يناير. وقد تكررت الإشارة إلى مستقبل فنزويلا في عدة جلسات.

في جلسة بعنوان ""فنزويلا: ما التالي؟""، شكك المشاركون في أن نهج واشنطن قد أفضى حتى الآن إلى مسار موثوق نحو حوكمة شرعية تمهد لتعافٍ اقتصادي مستدام. واعتبر ريكاردو هاوسمان، مؤسس ومدير مختبر النمو بجامعة هارفارد ووزير التخطيط الفنزويلي الأسبق، أن ما يُوصف بـ""الاستقرار"" يُفهم في الواقع على أنه إكراه، يتمثل في استمرار سجن المعارضين السياسيين وفرض قيود واسعة على الحريات الأساسية من قبل القيادة الحالية.

وأضاف أن السلطات الانتقالية تفتقر إلى الشرعية اللازمة لإنشاء إطار موثوق وجاذب للاستثمار، مشدداً على أنه من دون استعادة الحقوق لن تتمكن فنزويلا من إقناع جاليتها في الخارج، التي تُقدّر بنحو 8 ملايين شخص، بالعودة والمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد.

من جانبه، رأى جيفري فريدن، أستاذ الشؤون الدولية والعلوم السياسية بجامعة كولومبيا، أن الاستثمارات الأجنبية لن تعود إلا إذا حققت فنزويلا استقراراً سياسياً. وأشار إلى أن بعض الأنظمة السلطوية قد توفر قدراً من القابلية للتنبؤ للأسواق، لكنه أعرب عن شكوكه في أن يكون ذلك كافياً لإعادة بناء ثقة المستثمرين على المدى الطويل.

وفي جلسة ""إعادة بناء الثقة في أمريكا اللاتينية""، أوضح رئيس الإكوادور دانيال نوبوا أن كثيراً من الفنزويليين المقيمين في الإكوادور رحبوا بإزاحة مادورو باعتبارها مصدر أمل متجدد وإمكانية لفتح صفحة نحو مستقبل ديمقراطي. أما إيلان غولدفاين، رئيس بنك التنمية للبلدان الأمريكية، فأكد أن المؤسسة تسعى إلى تحسين حياة شعوب المنطقة، لكنه حذّر من أن تدخلها يتطلب استيفاء شروط عملية، من بينها موافقة مجلس إدارتها المؤلف من 48 عضواً، وتوافر ظروف واضحة لتعافٍ مستدام.

التعامل مع مشهد عالمي صعب

سلّطت جلسات أخرى الضوء على نقاط قوة أمريكا اللاتينية في مواجهة مشهد جيوسياسي يتسم بتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. واعتبر خوان كارلوس مورا، الرئيس التنفيذي لبنكولومبيا، أن أفضل مسار للمنطقة لا يتمثل في الانحياز الكامل لأي طرف، بل في الاستفادة من الطرفين. وأكد دور القطاع الخاص في استثمار الفرص، لا سيما في البنية التحتية، شريطة أن تنجح الحكومات في إيجاد أرضية مشتركة لتعزيز التكامل الإقليمي.

وخلال الجلسة نفسها، قدم مسؤولون من المكسيك والبرازيل مثالين على سياسات صناعية تستهدف النمو وتوزيع الدخل. وأوضحت ألتاغراسيا غوميز سييرا أن المكسيك يمكن أن تستفيد من توجه ""إعادة توطين سلاسل الإمداد"" عبر ""خطة المكسيك""، وهي رؤية تنموية تضم 13 هدفاً، من بينها رفع مكانة البلاد من ثاني عشر إلى عاشر أكبر اقتصاد في العالم، وزيادة الاستثمار إلى 28% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، وتقليص الفقر وعدم المساواة.

أما إستير دويك، وزيرة الإدارة والابتكار في الخدمات العامة بالبرازيل، فأشارت إلى عودة بلادها إلى مسار النمو بعد عقد من الأداء الضعيف، وعزت ذلك إلى حزمة سياسات شملت إعادة تنظيم الاقتصاد الكلي وإصلاحات مالية واستعادة الاستثمار العام وتعزيز البرامج الاجتماعية. كما انضمت البرازيل رسمياً إلى تحالف ""فيرست موفرز كواليشن"" كشريك حكومي خامس عشر خلال الاجتماع.

وأكدت دويك أن تعميق التكامل الإقليمي يمثل عنصراً حاسماً للنمو، مشيرة إلى أن أمريكا اللاتينية أقل تكاملاً من مناطق أخرى في العالم، وأن تحرير هذا الإمكان يتطلب تنسيقاً أكبر في المجالات الرئيسية.

ورغم تفاوت أداء اقتصادات المنطقة، شدد خوليو فيلاردي، محافظ البنك المركزي في بيرو، على أن عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي لم يعد مصدر القلق الرئيسي، بفضل استقلالية البنوك المركزية وأطر السياسة النقدية الموثوقة. لكن قيود النمو تكمن اليوم في انخفاض مستويات الثقة والانقسامات السياسية وعدم اليقين التنظيمي وضعف الإنتاجية، وفقاً لجيمس سكريفن، الرئيس التنفيذي لـ""آي دي بي إنفست"".

وفي خطاب خاص، استعرض رئيس الأرجنتين خافيير ميلي نتائج الإصلاحات التي أجرتها حكومته، مشيراً إلى انتقال الاقتصاد من نمو سلبي إلى توقعات تفوق 4% لعام 2025، مدعوماً بالانضباط المالي وتنفيذ 13,500 إصلاح هيكلي منذ 2023.

تعزيز المرونة وإطلاق النمو

شارك قادة أمريكا اللاتينية في جلسات متعددة أبرزت دور المنطقة في الاقتصاد الجديد، خاصة في مجال التحول الطاقي. فقد سجلت باراغواي نمواً يقارب 6% في 2025، مستفيدة من تحقيقها شبه اكتفاء كامل من الكهرباء المتجددة بفضل الطاقة الكهرومائية.

وأكد رئيس باراغواي سانتياغو بينيا أن بلاده تخطط لجذب استثمارات في الطاقة الشمسية، وتعمل مع البرازيل والأرجنتين لبناء خط أنابيب غاز لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة المدفوع بالتوسع التكنولوجي. وتسعى باراغواي إلى استثمار وفرة طاقتها وإطارها القانوني المستقر وتحالفاتها الجيوسياسية لجذب الاستثمارات والتحول إلى مركز رقمي، مع التحذير من آثار ارتفاع تكاليف الطاقة والتكنولوجيا على الفئات الاجتماعية الأضعف.

وشدد القادة على ضرورة أن يتحقق النمو ضمن إطار أوسع من العدالة والاستدامة. ودعت أليسيا بارسينا إيبارا، وزيرة البيئة والموارد الطبيعية في المكسيك، إلى دخول ""عصر الترميم""، مؤكدة أن الحدود الكوكبية غير قابلة للتفاوض، وأن الترميم يمكن أن يكون فرصة اقتصادية تحقق منافع للمناخ والتنوع البيولوجي والنمو.

كما أُعلن عن عقد اجتماع للاستراتيجية القُطرية في مدينة بنما في أكتوبر 2026، لجمع قادة من القطاعين العام والخاص لبحث سياسات وأولويات بنما بوصفها مركزاً تجارياً عالمياً.

وفي سياق موازٍ، صدر تقرير مشترك يسلط الضوء على إمكانات المنطقة في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 1.9% و2.3% سنوياً، غير أن الاستفادة الفعلية ما تزال محدودة، ما يستدعي خريطة طريق إقليمية لتعزيز التنافسية وضمان تنمية مستدامة تضع الإنسان في قلبها.

ازدهار يضع الإنسان أولاً

حرص قادة المنطقة على ربط النقاشات الكبرى بقضايا المواطنين اليومية. وأشار الرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا إلى أن الأمن يُعد من أبرز مخاوف شعوب أمريكا اللاتينية، متحدثاً عن ""حرب ضد الإرهاب المرتبط بالمخدرات""، حيث تتكيف الشبكات الإجرامية بسرعة مع مؤسسات الدولة، ما يجعل الاستجابات التقليدية أقل فاعلية. واعتبر أن مكافحة انعدام الأمن ترتبط مباشرة بمهمة بناء الازدهار.

وأكد عدد من المشاركين أن القطاع الخاص في أمريكا اللاتينية ملتزم بالشراكة مع الحكومات لبناء مصادر جديدة للنمو وخلق مجتمعات أكثر عدلاً. وشددت لوانا ماركيز غارسيا أوسيميلا، المسؤولة عن الاستدامة في شركة iFood البرازيلية، على ضرورة الانتقال من الخطاب إلى التطبيق العملي، وترسيخ العدالة في بيئة العمل ومعالجة الفجوات الهيكلية.

وتعكس مناقشات دافوس 2026 حجم التحولات التي تعيد تشكيل مسار أمريكا اللاتينية، إلى جانب الفرص الكبيرة التي تلوح في الأفق. فبين سياسات صناعية طموحة ونماذج نمو جديدة ومساعٍ لرفع الإنتاجية، يتضح أن كثيراً من الخيارات الحاسمة تقع داخل المنطقة نفسها، في كيفية ترجمة أصولها ومواردها إلى ازدهار طويل الأمد يضع الإنسان في صميمه، بروح الحوار التي ميّزت دافوس 2026.

المصدر

الترجمات ذات الصلة

ترامب في دافوس 2026: «أمريكا عادت» — الاقتصاد، الطاقة، الهجرة… وغرينلاند دون قوة أتيتُ إلى منتدى الاقتصاد العالمي هذا العام ومعي أخبارٌ مذهلة حقًا من أمريكا. فقد صادف أمس الذكرى السنوية... المعايير الدولية: اللغة المشتركة لاقتصاد عالمي مُجزّأ وما يبرزه ذلك لا يخص الصين وحدها، بل يمثل تحدياً عالمياً. فمع سعي الاقتصادات إلى تنفيذ أجندات تحول متشابهة،... موانئ إيجابية للطبيعة والناس: رؤية جريئة جديدة لمستقبل منظومة الموانئ وتتسبب اضطرابات الموانئ المرتبطة بالمناخ حالياً في خسائر تتراوح بين 7 و10 مليارات دولار سنوياً للاقتصاد...

مقالات ذات صلة