يسمي جين الخبز الدائري “خبز اليوم-الجيد-واليوم-السيئ”. عندما كان يقضي يومًا جيدًا، كان يسمح لنفسه بتناول الخبز الدائري، وعندما كان يمر بيوم سيئ، كان يسمح لنفسه بتناول الخبز الدائري كذلك. ما جعله يتناول الخبز الدائري مسألة تتعلق بالراحة والصحة؛ كان متوفرًا دائمًا في نيويورك، وكعك الدونت يرفع نسبة السكر في دمه، بينما لم يسبب له الخبز الدائري الضرر أو الأذى. تمثلت المشكلة في أنَّ يومه كان يتأرجح أحيانًا بين الجيد والسيئ بشكل متكرر، مما يؤدي لتناوله ثلاثة أرغفة من الخبز الدائري قبل وقت العشاء. على الرغم من أنَّ جين كان مقتنعًا بالانتظار حتى نهاية اليوم قبل أنْ يقرر ما إذا كان يومه جيدًا أم سيئًا، مع تعليمه في الرزنامة، يناقض الانتظار حتى نهاية اليوم الغرض المتمثل في الحصول على جزاءٍ فوري قابل للأكل.
يقيس جين كل لحظة من حياته بسلسلة من العقوبات والمكافآت. إذا فاته المترو، يتجنب النظر للمرأة المشردة التي تهز كوبها الورقي طلبًا للمال. إذا لم يضطر لدفع رسوم المترو لأن أحد الركاب فتح الباب له طوعًا، فإن عقابه التصدق على المرأة المشردة بدولار (كان يعلم مدى سوء عدِّ هذا بمنزلة عقاب).
وكان التعامل مع الحياة وكأنها حساب مصرفي أمرًا مرهقًا، سلم لا متناهٍ للأرقام المتقلبة، ومع ذلك فقد وجد الراحة في ذلك. هذه هي الوصفة الطبية التي كتبها لنفسه؛ نظام لإبقاء نفسه على المسار الأخلاقي المستقيم؛ لأنه لا يستطيع أنْ يعتمد على ذهنه.
اليوم، وهو اليوم الذي استقل فيه قطار نيويورك من مدينة أستوريا وركب الحافلة في الشارع الثاني و39 شرقًا، لم يسجل في نظامه أي نجاحات وسجل فشلين، مما يعني أنه سُمح له بنجاحين، تناول خبزًا دائريًّا مغطًّى بالبصل الأخضر وجبنة الكريمة (حسبهما بشكل منفصل، فهو لا يغش النظام). في المتجر، فكر في طلب خبز دائري ثانٍ، اليوم -اليوم من بين الأيام كلها- سيكون لديه سبب للاحتفال.
وفتح كيسه الورقي البني بينما جلس نابليون في المقعد المجاور له. قال نابليون مُرَحِّبًا: “قال طبيبي إنَّ لدي قلب رجل يبلغ من العمر 60 عامًا”. وبما أنَّ نابليون بلغ الستين من عمره الشهر الماضي، لم يقدم جين أي رد، وبدلًا من ذلك استمع بأدب إلى استنكار نابليون من سوء الطب الغربي. فسر نابليون صمت جين على حزنه: “هل يوجد أي خطب؟”
كذب جين قائلًا: “لا، معدتي تؤلمني قليلًا”.
فتش نابليون في حقيبته (تقليد لحقائب لويس فويتون)، وأخرج زجاجة من حبوب بو تشاي (Po Chai) قائلًا: خذ اثنتين من هذه. اشرب عليهما الماء الفاتر وليس البارد”.
لوح له جين رافضًا: “أنا بخير”.
“كما تشاء”. أغلق نابليون حقيبته ونظر إلى كيس جين الورقي قائلًا: “ماذا لديك هنا؟”، تردد جين واعترف أخيرًا أنه الخبز الدائري –أغلق نابليون عينيه وقال بنبرة حزينة: “لم آكل منذ الليلة الماضية. لم أنم إلا عند الرابعة صباحًا. أخذت قيلولة في السادسة، ولم أجد الوقت حتى للعودة إلى المنزل والاستحمام”
أعطاه جين الخبز الدائري.
“هل أنت متأكد من أنك لا تريد أيًّا منه؟” قال نابليون وهو يمزّق ورق التغليف.
“أنا متأكد”. أراد جين أنْ يسأل كيف يتناسب تناول الخبز مع حملة نابليون المنافية للغرب، لكن انتباهه تشتت عندما رأى وجهًا مألوفًا يصعد الحافلة، امرأة مثّل أنه في موعد غرامي معها في خلفية أحد الأفلام في مطعم سيشوان الفاخر في الجهة الشرقية السفلى من المدينة. استدار في مقعده ورأى المزيد من الوجوه المألوفة وتوصل لإدراك جديد؛ لقد اُختيرَ الحاضرون جميعهم لتشابههم مع بعضهم بعضًا.
ولاحظ نابليون ذلك أيضًا وقال: “أراهنك أنه فيلم ياباني عن الحرب العالمية الثانية”.
لعب نابليون (الذي أعطاه والداه هذا الاسم بآمال مضللة) دور المهاجر غير الشرعي، بينما لعب جين دور المحامي الراقي. لقد فهما علاقة هويتهما بقرار الاختيار هذا، (يعود أصل نابليون إلى الجنوب، بينما يعود أصل جين إلى الشرق) دون التطرق للموضوع في أثناء الحديث. في أثناء وقوفهما في صف الممثلين -جين بحقيبته اللامعة، ونابليون بلافتة من الورق المقوى المتسخ عرض نابليون رفع جين. كانت هذه استراتيجية نابليون المختصرة لتكوين الصداقات؛ رفع الناس -بما في ذلك الرجل الذي يبلغ طوله 6.3 أقدام والذي كان يلعب دور حارس الأمن- وكان يتفاجأ وينذهل في كل مرة ينجح فيها في ذلك.
واستمر جين في الالتقاء بنابليون عن طريق الصدفة في موقع التصوير، وهو أمر معتاد عندما يوجد عدد قليل من ممثلي الخلفية الإضافيين من خصائصهما الديموغرافية. رغم عدم تبادلهما للأرقام حتى، شك جين في أنه يعلم بمشكلات نابليون الصحية أكثر من أصدقائه الحقيقيين، أحد امتيازات الوظيفة، أو عيوبها؛ تضييع ساعات كثيرة عندما يكون الخيار الوحيد الموجود هو إجراء المحادثات الجانبية. لكن الطبيعة المؤقتة لهذه المحادثات كانت أيضًا موضع جمالها، إذ تسمح لك بالتحدث بجرأة أكبر مقارنةً بالحالات الأخرى، فبعد 12 ساعة متتالية، ستقول ببساطة: “تشرفت بالحديث معك”، ولن تلتقيا بعدها مرة أخرى. ستغادر بعد حصولك على معلومات الآخرين الخاصة وحصولهم على معلوماتك، ويشعر الجميع بالأمان من درجة التباعد التي تفصل بين بعضهم البعض.
بدأ جين مهنته كممثل خلفية إضافي منذ عامين. عندما كان يُسأل عن سبب دخوله لهذا المجال (وهو سؤال كان يُطرَح على كل ممثل خلفية بين فترات التصوير)، كان يقول إنه كان دائمًا مهتمًا بالتمثيل، أليست البداية المتأخرة أفضل من لا شيء؟ لكن ذلك لم يكن صحيحًا تمامًا. في الواقع، لم يكن ذلك صحيحًا على الإطلاق. لقد التحق بالمجال بسبب ابنته أثينا. مثل والدَيْ نابليون، أطلق جين عليها هذا الاسم على أمل أنْ تحقق العظمة، وبعد ذلك، تفاجأ أنها نجحت في ذلك؛ حائزة على زمالة أكاديمية نيكول في كتابة السيناريو، ومرشحة لأفضل فيلم روائي في مهرجان ساوث باي ساوث ويست السنوي، وعُرض فيلمها لأول مرة في مهرجان صاندانس السينمائي.
لقد بحث ذات مرة عن سيرتها الذاتية: “أثينا وو كاتبة ومخرجة. ابنة مهاجرين، عملها يستكشف مواضيع تداخل العرق والجنس والعنف. تعيش في لوس أنجلوس”.
قرأ عبارة “ابنة مهاجرين” مرتين للتأكد مما قرأه. إنَّ أَخْذَهَا لقب والدتها كان أمرًا سيئًا بما فيه الكفاية، لكن ما الذي دفعها إلى الكذب؟ مثل أثينا، وُلد جين في ميشيغان، وانتقل إلى نيويورك عندما كانت أثينا في الخامسة من عمرها. لقد نشأ في مدينة صناعية على مشارف ديترويت، دون عناء يذكر بشكل عام. مع أخذ الأمور جميعها في عين الاعتبار، كان لديه الكثير من النِّعم، لكن أثينا رفضت الاعتراف أنَّ إنجازاتها والجوائز والزمالات والألقاب جميعها التي حصلت عليها، أصبحت ممكنة من خلال سلسلة متواصلة من معاناة الآخرين. ومع ذلك، في “مجموعة أعمالها”، لم تفشل أثينا أبدًا في عَدِّ معاناة الآخرين معاناتها الخاصة. إنْ كان يوجد وجود لـ “أم بديلة” تحمل البؤس بدلًا من الأطفال، ستكون ابنته.
وكيف يوضع أنه كان مرعوبًا منها؟ لم يكن مرعوبًا فحسب، بل محتارًا من واقع أنه كان له أي دور في تربيتها، ناهيك عن وجودها. في إحدى المقابلات، عندما سُئلت عن سبب توجهها إلى صناعة الأفلام، أجابت أثينا: “لقد أردت دائمًا التحكم في بيئتي. أعتقد أنَّ ذلك التأثير نشأ نتيجةً لطفولتي”. لقد جعله السطر الأخير يحدق في هاتفه باستغراب شديد.
لم يكن جين رجلًا طموحًا، وقد كان يبحث عن غرض في الساعات التي يقضيها خارج وظيفته أكثر من الوظيفة نفسها، والتي كانت في ذلك الوقت توصيل العملاء بنظام جزئي لصالح شركة أوبر. استخدم هو وابن عمه سيارة تويوتا كامري زرقاء اللون بالتناوب، إذ أخذها في عطلات نهاية الأسبوع، وأخذها ابن عمه في أيام العمل. استأجر من زوجين شابين الطابق الثاني من شقة سكن مزدوج ليعيش فيه، وهو تذكير مؤلم أنه لم يحقق بعد ذاك النوع من الأمن المالي الذي تمتعت به ابنته.
لقد عاش حياةً هادئة، على الرغم من أنها كانت وحيدة ومملة بعض الشيء. ولكن من خلال عمله كممثل خلفية، كان عالمًا في وكالة ناسا، وطبيبًا، وسفيرًا للأمم المتحدة، دون الحاجة إلى التدريب قبل الحصول على أي منصب. لطالما واجه جين صعوبة في إبقاء تركيزه على هدف واحد. عندما كانت أثينا أصغر سنًّا، كان يعمل (على سبيل المثال لا الحصر) موظفًا في مكتب الأمن، وسائق شاحنة لشركة تورد للمطاعم، وعضوًا في طاقم صيانة. وفي فترات تنقله ما بين الوظائف، شارك في استطلاعات مدفوعة الأجر حول منتجاتٍ لا يستطيع تحمل تكاليفها أبدًا، وابتلع حبوب التجارب السريرية التي لا يمكن لتأمينه الصحي غير الموجود أنْ يغطيَ عواقبها أبدًا. ولم يكن لديه الوقت للتركيز على “مهنة”.
بينما علمت أثينا دائمًا ما تريده من هذه الحياة. عندما كانت بالكاد في الصف الثاني، كانت ترتب ألعابها في قصص متقنة مكونة من ثلاثة فصول. تطلب الفتيات الصغيرات الأخريات الدمى أو الملابس الجديدة، بينما طلبت أثينا كاميرا فيديو من ماركة سوني مزودة بخاصية الرؤية الليلية بالأشعة تحت الحمراء. وكانت البنات الأخريات مخلصات لآبائهن أو على الأقل متسامحات معهم، بينما تخلت ابنته عنه عندما كان في أَمَسِّ الحاجة إليها.
مرت الحافلة عبر الشارع 495 وأوصلتهم إلى استوديو ضخم لم يكن جين يعلم بوجوده في لونغ آيلاند. طوال هذه السنوات، تظل تكشف نيويورك عن معالمها كالساحر الذي يسحب الأوشحة من تحت قبعته دون توقف. لم يتمكن أبدًا من التأقلم مع المدينة التي تزدهر بالفوضى بدلًا من النظام، ولكن ربما كان هذا هو سبب بقائه. كانت المدينة متسامحة، مبنية على الفرص الثانية والثالثة والرابعة.
في ساحة مواقف السيارات، تمدد الجميع وتثاءبوا وتحركوا بإذعان في اتجاه لافتات النيون الوردية التي تشير إلى غرفة الاستعداد (HOLDING)، غرفة للاستراحة بها 10 مراوح بدلًا من مكيف هواء. كان إفطار أولئك الذين لا ينتمون لنقابة ممثلي الشاشة مُجَهَّزًا على صوانٍ دافئة؛ البيض المخفوق، وفطائر النقانق، وشرائح اللحم، والبان كيك، والبطاطا المقلية. على طاولة مجاورة كانت توجد علب عصير ووجبات خفيفة معبأة. نفذت ألواح الجرانولا -كالعادة- في ثوانٍ. نسي جين ذلك، وبحلول الوقت الذي دخل فيه الغرفة، لم يجد سوى الفول السوداني غير المملح.
“لا بأس!”
التفت جين لينظر لنابليون وهو ينظر لوجبة الإفطار بينما يتلذذ بوجبته الحصرية لنقابة ممثلي الشاشة في الطابق العلوي؛ بيض بندكت، وكوكتيل الجمبري، وشرائح الأفوكادو، وكعكة مافن الشوكولاتة اللذيذة.
قال باشمئزاز: “لم أرغب في تناول الطعام معهم”، ولم يفهم جين السبب وراء ذلك، إذ إنه لم يدع أحدًا ينسى أبدًا أنه كان أحد أعضاء نقابة ممثلي الشاشة. “أين صف أعضاء نقابة ممثلي الشاشة؟” “أعتذر عن المقاطعة، أنا من نقابة ممثلي الشاشة”. “هل سيُنقل أعضاء نقابة ممثلي الشاشة إلى المنزل بالحافلة؟” طرح جين نقطة في نظامه.
تناول جين قطعة من البان كيك الطري عندما دخل المخرج المساعد الأول إلى الغرفة، وكانت حركاته طائشة للغاية لدرجة أنَّ أكوام اتفاقيات عدم الإفصاح أصبحت ترفرف على طاولات المؤتمر.
انتظر جين لحظة تحدث جاك (جانيك ولكن يمكنكم أنْ تدعونني جاك). لم تأتِ تلك اللحظة. ما أثار دهشة جين هو أنَّ جاك قد انتظر حتى يتم التوقيع على اتفاقيات عدم الإفصاح جميعها وجمعها قبل أنْ يفتح فمه. ومنذ تلك اللحظة فصاعدًا، كان ممثلو الخلفية ملزمين بالصمت.
“حسنًا، يحدث _________ على مدار 24 ساعة. إنه مكون من ثلاثة مقاطع قصيرة، كل واحد منها يدور حول __________ مختلفة في نيويورك. سأكرر للتوضيح، مقاطع قصيرة.
في أغلب الأحيان، لم يكن أحد في موقع التصوير يكلف نفسه عناء توضيح أي شيء لهم. فكانوا غالبًا يُساقون مثل الأطفال المكفوفين. في المناسبات النادرة التي يوضح فيها لهم، كان الفيلم بميزانية كبيرة أو فيلمًا فنيًّا.
“وأعيننا وآذاننا، __________، هو الخيط الذي يربط كل شيء معًا. هل ما زلتم تركزون على ما أقول؟ حسنًا، سنصور اليوم ثلاثة مشاهد”. كانت خيبة الأمل واضحة في الغرفة. “أعلم، أعلم، سيكون يومًا طويلًا، لكن ثقوا بي، إننا نريد إخراجكم من هنا بأسرع ما يمكن”. وما كان يقصده حقًّا هو: لا نريد أنْ ندفع لكم سنتًا أكثر مما يتعين علينا دفعه.
رفعت إحدى الممثلات يدها، وتظاهر جاك بعدم رؤيتها.
“في هذا المقطع القصير، كل شيء يحدث في ______________. في المشهد الأول، كان يومًا عاديًّا. أنتم جميعًا تنتظرون _______ وكأنه سيأتي في أي لحظة. حسنًا؟ في المشهد التالي، السيناريو نفسه ولكنكم تشعرون بالقليل من __________ وأنتم جميعًا ___ _____. في المشهد الأخير، تخيلوا أن _____ أو __________ قد حدث للتو. هذا هو الوقت الذي يبدأ فيه __________ في التصرف بجنون. لقد كان ____________ طوال اليوم، قام بـ____، واتصل بـ_______، والآن فقد رشده تمامًا. مفهوم؟”
وضع جين شوكته جانبًا (فقد شهيته). ما هو سبب هوس أثينا بالتراجيديا؟
تحرك أحد الكراسي مُصدرًا صوتًا مزعجًا، حَرَّكَتْهُ الأنيقة هيريكو، وهي امرأة أرملة جذابة لم يُكشف عن عمرها. التقى بها جين منذ بضعة أشهر، عندما كانا يلعبان دور “المشاة” في أثناء “غزو فضائي”. لقد كانت معتادة على إحضار دفتر ضخم بغلاف ورقي إلى موقع التصوير وفتحه، ثم تجاهله لبقية فترة التصوير، وتحمل معها قارورة في حقيبتها لتشرب منها رشفات صغيرة بين حين وآخر.
“هل تعرف من يلعب دور البطولة؟” سألته هيريكو.
لم يستطع جين أبدًا تحديد ما إذا كانت مهتمة به أم لا. لم يكن متأكدًا حتى مما إذا كان يريدها أنْ تكون مهتمة. لم يواعد أحدًا منذ فترة طويلة جدًّا.
“الشاب الذي يتحدث عنه الجميع، ______________.”
قيل إنه الممثل الأمريكي الآسيوي الكبير “التالي” (أليس الأول؟)، وهو الشخص الذي سيرتقي بهم من الغموض إلى “ما يتجاوز الغموض”. تراوحت سيرته الذاتية بين أفلام الأبطال الخارقين وصولًا إلى الكوميديا الرومانسية، ومن غير المستغرب أن وصل الآن إلى الأعمال الدرامية، وقد وضعته ابنته في الدور الرئيس لفيلمها، ابنته تترجى الكلمات الخروج من طرف لسانه.
أضافت هيريكو: “إنه يواعد تلك الفتاة، نسيت اسمها، الممثلة التي لعبت دور البطلة في آخر فيلم لـ Wonder Woman”.
تخيلها جين في ذهنه: شقراء، قوية البنية، طويلة.
تناول الثلاثة بقية إفطارهم بصمت. لم يقل أحد بصوت عالٍ ما دار في أذهانهم: “لم يكن هذا ليحدث أبدًا في أيامي!” لأن ذلك كان سيشير إلى إقرارهم أنَّ العالم كان يسير في اتجاه مختلف بينما كانوا يشعرون أنهم ثابتون في المكان نفسه.
ألقى الرجل الذي يعمل في قسم الملابس نظرة على جين وسأله عما إذا كان قد أحضر معه ملابسَ بديلة. أهانه السؤال. كانت ملابسه تحمل علامة تجارية؛ قد اشتراها من متجر TJ Maxx. طالما تسوق جين في متجر TJ Maxx المحايد.
هز رأسه بما يشير للإجابة “لا” دون أنْ يكلف نفسه عناء تقديم عذر، ونظر إلى نابليون وأمتعته المليئة بقطع مقلدة من ماركة “لويس فويتون”. أخرجَ نابليون خمسة أطقم كاملة من الخيارات بينما أبدى العمال في قسم الملابس إعجابهم.
داخل غرفة تبديل الملابس المتنقلة التي لم يكن بالإمكان إغلاقها بشكل كامل، عانى جين في خلع سرواله دون أنْ يُسقط الغرفة النايلونية بأكملها. تأسف لتجاهله لتعليمات الملابس من الليلة الماضية. “لا يسمح بارتداء الملابس البيضاء الناصعة، أو العلامات التجارية، فكِّر في الأنماط القاتمة والمثيرة للاهتمام، لكن ليس التي تجذب الانتباه!” خصم بعض النقاط من نظامه.
في محل تصفيف الشعر والمكياج، مُشِّطَ شعره ورُشَّ بالمنتجات. خصصت فنانة المكياج وقتًا أطول لتغطيته بمسحوق بلون هباب الفحم.
أثنت عليه فنانة المكياج قائلة: “لديك حواجب رائعة”. مسحت فرشاتها بكومة اللون الرمادي، ثم وضعتها على جبهته برقة.
التفت جين إليها. كان لديها شعر أرجواني، ووشم زهرة يتدلى على رقبتها. شكرها بصوت مرتجف، وتمنى لو كان يعرف اسمها.
لقد بدت منزعجة قليلًا من جديته. “عفوًا”.
أضاف ثلاث نقاط إلى اليوم، تحت عنوان “لديه حواجب رائعة”.
ابتعدت الفتاة لتسمح له بالنظر للمرآة، لقد بدا فقيرًا… فقيرًا ومسنًّا.
عندما رأى عرض الوظيفة، لم يكن مكتوبًا سوى “ممثل خلفية لمشروع غير مسمى”. وقد نظر بتمعن في النص. كان يوجد خطب ما، غياب الوصف للدور مَيَّزَ العرض عن العروض الأخرى.
لقد كاد أنْ يرفض العرض، وكاد أنْ يفقد الأمل في أنْ يصل إلى أحد مواقع التصوير التي تتواجد فيها ابنته، لكنه تذكر بعد ذلك أنه كان من المقرر أنْ تكون حاليًّا في نيويورك (قرأ ذلك على أحد حسابات وسائل التواصل الاجتماعي التي يديرها أحد المعجبين: “يشاع أنَّ أثينا وو ستبدأ إنتاج فيلمها الروائي الثاني في مانهاتن الشهر المقبل”).
لقد رآها آخر مرة في محطة حافلات أتلانتيك سيتي قبل سبع سنوات. لقد كان وداعهما حميدًا، بل وممتعًا. عندما سلمته ظرفًا مليئًا بالنقود، لم تقصر في أي من تصريحاتها المهينة. وعندما افترقا، أمسكت بذراعه وقالت: “حظًّا سعيدًا”. في اللغات كلها، تشير عبارة “حظًّا سعيدًا” إلى التمنيات الطيبة، أليس كذلك؟
لم يسترجع اللحظة ويتذكرها بهوس إلا بعد مرور أسابيع ثم أشهر، وقت مرّ بالتجاهل التام لاتصالاته ورسائله النصية ورسائل البريد الإلكتروني. كان يحاول جاهدًا تحديد الساعة التي توترت وفسدت فيها علاقتهما. متى توقفا عن الخروج لتناول شطائر صب واي؟ متى توقفا عن الانتظار في الطوابير للحصول على التذاكر؟ لكن ذلك كله كان سخيفًا. لم يكن ساذجًا لدرجة الاعتقاد أنَّ الخيط الأول قد انحل في محطة حافلات أتلانتيك سيتي. لا، لا بد أنَّ أثينا قررت في وقت ما من قبل (ولكن متى؟) أنْ “تغترب” عنه. يا لها من كلمة مضحكة، اغتراب (estrange)! اعتقد جين أنَّ الكلمة تبدو راقية بلا داعٍ، وكأنها فرنسية، إذ تذكره بكلمة فرنسية قريبة في اللفظ (escargots). لكن في منتصف الكلمة، تجد كلمة غريب (strange)، وكانت الكلمة تصف بحق انطلاق جزء من روحك إلى العالم، ويتسلق ارتفاعات شاهقة، بينما يظل الجزء الآخر متفرجًا بعيدًا. إذا كان على جين أنْ يصف هذا الإحساس، فسيقول إنه يشبه إلقاء نظرة خاطفة على مرفقك وملاحظة أنه على ذراع شخص آخر، وبعد ذلك التساؤل: “كيف حصل ذلك؟”
كان مساعد الإنتاج المكلف بالتعامل معهم مثل الأطفال المكفوفين هو بيكيت. كان يرتدي زي مساعد الإنتاج المعتاد؛ أحذية رياضية، وجينز، وهودي، وحافظة متدلية حول وركيه، إذ حل جهاز الاتصال اللاسلكي محل مسدس.
كان جين يشعر بالأبوة تجاه مساعدي الإنتاج، الذين كانوا دائمًا في العشرينيات من عمرهم، ويعدون النوم نشاطًا ممتعًا سيجربونه يومًا ما. عندما سأله مساعد إنتاج خلوق بشكل غير عادي: “هل تحتاج إلى أي شيء؟ هل كل شيء على ما يرام؟ أخبرني إذا كنت تريد الماء”، كان على جين أنْ يمنع نفسه من السؤال: “هل تحتاج أنت إلى أي شيء؟ هل كل شيء على ما يرام لديك؟ أخبرني إذا كنت أنت تريد الماء”.
وكان بيكيت شخصًا سيئ الحظ، إذ لم يولد بمكبر صوت طبيعي مركب في رئتيه. سمع جين النصف الأول من جملته وهو يعبر الغرفة، وانقطع صوته في المنتصف: “في حال لم تُلتقط صورة لك”
هتفت هيريكو: “ماذا؟ ما الذي قاله؟”
لم يُجَبْ عن السؤال، ونُقِلُوا إلى مساعد إنتاج آخر مثقل بالعمل.
كان تيان في بداية الصف، وبدا هادئًا وغير مكترث. من بين الأشخاص جميعهم الذين التقى بهم جين في موقع التصوير، كان تيان يعمل كممثل خلفية لأطول فترة. لم يستخدم أبدًا هاتفه بين اللقطات، ولم يحاول أبدًا الجلوس في مشهد ما. لم يكن يحلم أبدًا بالتسلل إلى غرفة الاستعداد، متظاهرًا أنه لم يسمع أحدًا ينادي رقمه. بعبارة أخرى، كان ممثل الخلفية المثالي.
سألهم مساعد الإنتاج عن أرقامهم.
قال تيان بصوت واضح: “اثنان”. بالتأكيد كان الثاني.
التفتت هيريكو لنابليون وسألت: “كيف تمر تجارب الأداء؟”
على عكسها وجين، كان نابليون ممثلًا أيضًا، مما يعني أنه كان لديه وكيل يضمن له أحيانًا تجارب الأداء في غرف لا تختلف كثيرًا عن غرفة الاستعداد.
وقال بصوت عالٍ بما يكفي ليسمعه الآخرون: “لقد قمت بتجربة أداء واحدة فقط لإعلان تجاري وطني”، تبادل جين وهيريكو النظرات “إنه يتعلق بالتهاب المعدة، وهو بالتأكيد ليس ما خططت له في أول ظهور لي كممثل، لكنني لن أضطر إلى العمل مدة عام؛ يقال إنَّ الأجر سيكون حوالي 50 ألف دولار، ولا تنسى الحقوق المادية”.
إذا حالف الحظ نابليون، فسيضمن له الإعلان وظيفة مدى الحياة. إلا أنه سيُعرف إلى الأبد أنه وجه التهاب المعدة، مما سيبعده عن المشاركة في تجارب الأداء الخاصة بالتهاب المفاصل أو القرحة.
عادوا إلى طاولتهم.
“أتمنى أنْ تفوز بالدور نابليون، أتمنى ذلك حقًّا”. كان جين يعني ما يقوله (في الغالب). أخرج كيس الفول السوداني وتفحّصه. هل كان يستحق مكافأة؟
سأل نابليون: “أنت على بعد -ماذا؟- قسيمة واحدة فقط من الانضمام إلى نقابة ممثلي الشاشة؟” على الرغم من أنه سأل جين هذا السؤال من قبل.
طُرِحَت نقطة أخرى من نظام المكافآت.
انزلقت نظارات هيريكو أسفل أنفها وهي تميل إلى الأمام قائلةً: “عليك أنْ تتعلم مهارة خاصة. لغة الإشارة. التظاهر بالموت. الرقص النقري. أتعلم؟ لقد رقصت ذات مرة مع سيسو هاياكاوا”. غمزت بعينيها إلى جين وهو يحاول إعادة حساب عمرها بناءً على هذه المعلومات الجديدة، وتيقن حينئذٍ، كانت حقًّا مهتمة به… فتحت دفترها ونظرت إلى جين “أو يمكنك أنْ ترتديَ زي شرطة نيويورك، لديك البنية المناسبة”. حسنًا، قد لا تكون مهتمة.
مازحه نابليون: “هل تعرف ما عليك فعله؟ أَبرِزْ نفسك”.
لقد حصل عدد قليل من ممثلي الخلفية الأسطوريين على أدوار التحدث من خلال التكلم بشكل مدهش يخلو من أي عيب، مما منحهم شعبية كبيرة. كان يوجد حدث مشهور يتعلق بممثلي الخلفية في الفيلم الكوميدي Being John Malkovich، وهو عندما ضري رجل جون بعبوة مشروب وهتف قائلًا: “فكر بسرعة!”
أطبقت هيريكو شفتيها. “ماذا تقصد؟”
روى جين الحكاية، كان مسرورًا جدًّا حينها، كما لو كانت حكايته هو دون غيره.
شربت هيريكو من قارورتها وقالت: “لقد دُحِضَ ذلك. ألم تعلم بذلك؟”
شعر جين بخيبة أمل شديدة. لماذا كان عليها أنْ تخبره بذلك؟ لقد فضل النسخة الخاطئة، النسخة الأفضل.
وبحلول الظهر، كان صوت بيكيت قد انخفض وأصبح بالكاد يُسمَع. “الجميع، من الرقم 1 إلى 75، اتبعوني. إننا ذاهبون إلى موقع التصوير الآن. اتركوا أغراضكم هنا. أعدكم أنه لن يسرق أحد مظلتكم. اذهبوا إلى الحمام الآن. أحضروا بطاقات الهوية”. ثم قال بصوت أعلى “أكرر، أحضروا بطاقات الهوية”.
وقادهم بيكيت عبر نفق من الممرات يؤدي إلى مستودع ضخم. امتدت صفوف من الأضواء الأفقية على طول الجدران، لتخدع العين أنَّ الضوء الطبيعي يملأ المستودع. اندهش جين من الجهد البدني الهائل الذي وُضِعَ في الفيلم. لقد كان يعتقد أنَّ الأمر كان استثنائيًّا، لدرجة أنه كان ينظر حوله وعيناه تدمعان بعض الشيء من الذهول. “أنا جزء من سحر الفيلم، وإذا خطوت خطوة في الاتجاه الخاطئ، من الممكن أنْ أبطل السحر وأفسد الفيلم”.
مروا بمنطقة قيد البناء -حيث تُستخدم المناشير والمطارق وأوراق الصنفرة- قبل دخول نسخة طبق الأصل من محطة مترو أنفاق مدينة نيويورك. كان الشبه يصعب تصديقه؛ طُوبِقَ كل شيء بشكل مثالي، وصولًا إلى البلاط المتسخ، والعوارض المعدنية المتساقطة، والقمامة المبللة.
وكان موقع التصوير فوضويًّا؛ إذ كان الناس يتجادلون بشأن معداتهم الخاصة؛ الكاميرات، والإضاءة، والسماعات، والشعر، والمكياج، والشخص الذي يلصق شريط النيون على الأرض (تساءل جين: كيف سيُعَرَّف به في شارة النهاية؟) كما لاحظ جين جاك وهو يثرثر في ميكروفون سماعة الرأس، ومساعد إنتاج آخر يوبخ بيكيت، ونابليون يجامل رجلًا يبلغ نصف عمره، ثم رآها.
كانت تحدق في الشاشة وهي جالسة على كرسي مرتفع قابل للطي. أصبح شعرها قصيرًا يصل إلى مستوى الذقن الآن، لم يعد بالطول الذي كان عليه دائمًا. بدت متعبة. بدت صغيرة السن للغاية مقارنة بمن حولها كلهم. كانت ترتدي زيًّا كزي مساعدي الإنتاج. هل كانت بحاجة إلى الماء؟ كان على وشك البكاء.
قرع بيكيت بأصابعه وقال: “أنت، تعال هنا”.
كان يشير إلى مكان على بعد أمتار قليلة من أثينا. نظر جين إلى ورقة التخطيط الخاصة بها بزاوية عينه.
دفعه نابليون. “ماذا تفعل؟”
أدرك جين أنَّ الجميع كانوا مستلقين على مضض، “أي مشهد هذا؟”
“وكيف عساي أعلم؟ لا يخبروننا بأي شيء”.
“إذا قال العامل في قسم الملابس أنني أفسدت هذا المعطف، فهذه ليست مشكلتي”، تمتمت هيريكو. خلعت نظارتها ثم نظرت إلى جين للحصول على ردة فعل. تنهد جين.
بمجرد أنْ انشغلت أثينا، أنزل جين نفسه بعناية، لم يتحمل أنْ تراه وهو يلهث ويتخبط، صورة الرجل العجوز التي لا بد أنه عليها في مخيلتها. حدق في السقف الهائل، وكانت الأرض تحته باردة.
انطلق الممثل البديل للممثل الرئيسي عندما سمع صوت جاك من الأعلى. “حسنًا، هذا قبل دخول __________ إلى المحطة. فكروا في الأمر على أنه ____ قبل _______. الآن نريد خلق جو _________. واضح؟” لاقته وجوهٌ خالية من الملامح. “استلقوا بثبات، لكن تحركوا. اخدشوا شيئًا ما، أو اسعلوا، لا! تظاهروا بالسعال، فقط لا تبدون وكأنكم ميتون. واضح؟” صفق جاك بيديه.
لم يتمكن جين من فهم الفيلم. هل كان فيلمًا تجريبيًّا؟ كان فيلم أثينا الأول تجريبيًّا (إفراط في لافتات النيون في الليل، وأطعمة فاسدة تُركت على الطاولات دون أكل، ومحادثات مبهمة)، ولكنه في الوقت نفسه كان على النقيض تمامًا من الأفلام التجريبية، نظرًا لأن 10 دقائق منه كانت مخصصة لاغتصاب جماعي لفتاة، فتاة تشبه في ملامحها ابنته! كانت غريزة جين هي الهروب من السينما في منتصف الفيلم، وربما كان ليفعل ذلك لولا أنْ تجمد جسده. بعد ذلك، استخدم خدمة الواي فاي المجانية في الردهة لتصفح الإنترنت للحصول على معلومات حول الفيلم (وما كان من المفترض أنْ يشعر به). مهما بدا الأمر غير منطقي، لم يستطع إلا أنْ يشك في أنَّ أثينا تركت علامات له في فنها. إذا كانت قد أرسلت رسالة في هذا الفيلم الأول، ماذا يمكن أنْ تكون؟
وفي إحدى المقابلات، عندما سُئلت أثينا عن العنف الصريح في الفيلم، كانت إجابتها: “كان عليّ أنْ أظهر الحقيقة. هذا يحدث بالفعل. لا يمكننا صرف النظر عن ذلك”، وأشارت إلى قصة إخبارية صدرت عام 1985م في الحي الصيني من سان فرانسيسكو. لقد فهم جين هذا تمامًا، على الأقل على المستوى الفكري. ولكن لمن كان ذلك الفيلم؟ من أراد مشاهدته؟ من المؤكد أنه لم يكن يريد أنْ يرى خمسة رجال بيض يختطفون فتاةً لا تختلف عن ابنته ويغتصبونها. كان من الممكن أنْ يعيش حياته كلها دون أنْ يشاهد المشهد. وربما كان لا يفهم الفن. كان يفضل الكوميديا، وأفلام الرسوم المتحركة، والكلاسيكيات بالأبيض والأسود، لقد كان متحمسًا للنهايات التي تخلو من الغموض.
وفي الردهة، وضع هاتفه بعيدًا بقلب مضطرب. كلما شاهد مقابلات مع ابنته، بدا عليها الغضب، بل واغترار النفس. هذا المزيج جعله حزينًا للغاية. ألم تكن متعبة؟ أراد أنْ يقول لها أنْ تأخذ استراحة، أنْ تسمح لنفسها باللهو الخالي من الهموم، وهو حق مكتسب لأي شخص في عمرها. لكن ابنته كانت في حملة حربية (ضد ماذا؟) كانت مرعِبة، لقد كانت ترعبه دائمًا.
همس جين: “نابليون؟”
“نعم؟”
مُوضِعَ رأسه فوق رأس جين مباشرة، وانبعثت رائحة بلسم النمر من جبهته، كان الرجل كالصيدلية المتحركة. “هل أخبرتك يومًا أنَّ لدي ابنة؟”
“يرجى التزام الصمت في موقع التصوير!”
استحوذت الرغبة في البوح بكل شيء على جين. لعق شفتيه المتشققتَيْن وقال: “إنها المخرجة”.
التفت نابليون مصدومًا بينما صاح أحدهم: “ابقوا في مواقعكم الأولى”.
“هل أنت جاد؟” بحث بيده عن الصور الشخصية الصغيرة التي يحتفظ بها في محفظته. “عرِّفها عليّ”.
لوّح جين بسرعة وقال: “إنها لا تعلم أنني هنا”.
سأله نابليون بلهجة سكان جزيرة ستاتن (أصله الذي أخفاه إلى أنْ عجز عن ذلك): “ما هذا الهراء؟”
“يرجى التوقف عن الحديث! سنبدأ التصوير!”
مسح نابليون شعره وامتص خديه.
“استعدوا للتسجيل… سيبدأ التسجيل… في مواقعكم… أكشن!”
صمت الجميع.
إنَّ كلمة “أكشن” مقدسة في موقع التصوير، وهي تحوله إلى ما يشبه مكانًا دينيًّا. كل ثانية تشكل عبئًا ثقيلًا على كاهل الجميع، يعمل كل واحد منهم من أجل هدف مشترك، ومن المؤكد أنَّ هذا التفاني الجماعي يشبه الطقس الديني، أليس كذلك؟
فقط عندها، لاحظ جين أنَّ الممثل الرئيسي قد ظهر. تعرف عليه جين مباشرة، كانت هيريكو على حق إذن.
سقط الممثل الرئيسي على الأرض، وهو يئن ويتلوى، قبل أنْ يزحف على ممثلي الخلفية. كادت قدمه أنْ تخدش ذقن جين. وبعد فترة من الوقت، ترددت أصداؤه في أنحاء موقع التصوير جميعها. في رأي جين، كان يبالغ في التمثيل، وكان تمثيله الدرامي يميل نحو الميلودراما.
“أوقفوا التصوير!”، أفزع صوت أثينا قلب جين.
“إلى تصوير المحاولة الثانية!”
طوال الساعتين التاليتين، بينما حُرِّكَت الكاميرا إلى كل موضع يمكن تصوره، ظل جين عالقًا في حالة من القلق الشديد تميل إلى الذهول. عندما هتف جاك، “يرجى فحص عدسة الكاميرا!” هدأت بنيته وشعر بارتياح.
سمح بيكيت لممثلي الخلفية بالتوقف عند شاحنة الاستراحة قبل العودة إلى منطقة الاستعداد. أطال جين وتباطأ في المشي، وتسكع حتى غادر الآخرون موقع التصوير. لقد شعر أنه خفيف وثقيل بشكل غريب في الوقت نفسه. شجع نفسه وسار نحو أثينا، المركز الهادئ وسط مجموعة من الأجساد المتحركة، وسماعات رأسها معلقة في إحدى أذنيها، وكانت ما تزال تحدق باهتمام في إحدى شاشات العرض.
أبقى جين عينيه موجهة نحو الأسفل في أثناء مروره، ولكن في اللحظة الأخيرة نظر للأعلى ووجدها تنظر إليه مباشرة.
قالت: “أبي؟” ليس بقسوة، ولا حتى بدهشة كبيرة.
“أثينا!”
واصلت التحديق به ثم نهضت وهمست له: “اتبعني”.
من الخلف، بدت نحيفة جدًّا وكأنها تعاني من سوء التغذية. وما تزال تعرج نحو اليسار، وهو عيب ورثته عن والدتها. قادته خلف موقع التصوير. كانت الأضواء تشع بضوء النهار الاصطناعي فوقهما، ومروا فوق الأسلاك الكهربائية وعبر عربات مملوءة بالمياه المعبأة، ودخلوا مجموعة من الأبواب المزدوجة حتى وصلوا لساحة انتظار السيارات. كان الجو ممطرًا في الخارج.
ارتعشت يدا جين، كان على وشك الانهيار من شدة السعادة. لقد خطط لهذه اللحظة مئات المرات. الاعتذار، التسامح، الاندماج، مثل دولتين منهكتين بعد حرب أهلية.
قالت: “أنت مريض”.
“لقت افتقدتكِ”
“ماذا تفعل هنا؟”
قال مبتسمًا: “أنا أمثل”
ابتسمت كما لو كانت تريد دهسه بالسيارة وقالت: “يمكنني أنْ أرسلك إلى السجن”.
قال بهدوء: “لا، لا يمكنك القيام بذلك”، بدت متفاجئة من رده.
“أرجوك، غادر”.
“تبدين رائعة يا أثينا”.
“ليس لديك الحق أن…”
“بل لدي الحق كله”، ذهب حينها هدوء نبرة صوته.
عندها ضحكت أثينا ضحكة غير صادقة. بدأ الجلد حول عينيها في الترهل رغم أنها تبلغ من العمر 27 عامًا فقط.
قالت: “ليس لدي أي واجب تجاهك”.
“لا أتفق”.
“رأيك لا يهم”.
قال بريبة: “رأي؟ من ذكر أي شيء عن الآراء؟ أنتِ ابنتي”
“اصمت”.
كانت الحدة التي قالت بها الكلمة مذهلة للغاية، لدرجة أنه اتخذ خطوة إلى الوراء.
“لن أتعامل معك بشروطك. لن تتجاوز الحدود التي وضعتها لحماية رفاهيتي”. استخدمت أثينا نبرة صوت المعالج النفسي الهادئة وغير الودية.
كان من الأفضل أنْ تصرخ، أو تبكي! أي شيء أفضل من هذا الجدار الزائف من العلاج بالكلام. ومع ذلك، فقد أحس أنَّ الجدار الذي بنته كان هشًّا، وأنَّ نحافة الورق لا تمنع الطوفان. لو ضغط أكثر قليلًا فقط.
أجاب جين: “سأترككِ وشأنكِ إذا أعطيتني سببًا مشروعًا لذلك”. لقد كان مقتنعًا أنه صمم حلًّا بديلًا لا جدال فيه، لأن تركها وشأنها إلى الأبد كان أمرًا لا يطاق. إلا أنه بدلًا من ذلك وقف مذهولًا عندما أطلقت عليه أثينا مصطلحات، مثل الإساءة العاطفية والإهمال الأبوي. وكدليل على ذلك، ذكرت موضوع المبلغ المالي، على الرغم من أنها أكدت له في أتلانتيك سيتي أنها تريد (بكلماتها) أنْ تضعه على طريق الشفاء. أخبرته أنها كانت تذهب إلى منظمة Al-Anon لحماية أسر مدمني الكحول مدة عامين بعد أنْ أدركت أنَّ إدمانه لم يكن خطأها.
عبس جين. Al-Anon؟
لقد كانت تلوم نفسها دائمًا، لم يعلم ذلك. عندما كانت طفلة، كان عليها أنْ تفعل كل شيء، كان عليها تتبع مشترياته، ومكان وجوده، والتستر على أخطائه من أجل والدتها، ورمي الزجاجات الفارغة، وفتح النوافذ في الصباح لإخراج الرائحة الكريهة. لقد وقعت على عاتقها مسؤولية منع الأسرة من الانهيار، ولم تطلب منه حتى وجبة غداء؛ إذ كانت تخشى أنها تتصرف بأنانية. لقد كانت حذرة دائمًا، خائفة من أنَّ أدنى خطأ قد يُغضبه، ولم تكن قادرة على النوم لساعات لأنها كانت تنتظر، كانت دائمًا تنتظر. ومع ذلك، كان عليها في المدرسة أنْ تتظاهر أنها تعاني من مشكلات عادية، وأنْ تختلق أعذارًا عن سبب نومها في أثناء الفصل، أو عن سبب تغيب جين عن اجتماع آخر بين الآباء والمعلمين. بفضل Al-Anon، بدأت أخيرًا في التعافي.
التعافي. الكلمة بحد ذاتها كانت إدانة. ربما كانت النسخة الأصغر منه ستصرخ أو تضرب على الطاولة لإعادة السرد إلى المنطقية. لكن هذه النسخة من نفسه -متعب ووحيد، ومتعب من الشعور بالوحدة- لم تتمكن سوى من الحصول على حفنة من الكلمات الفارغة. “هكذا إذن”.
لم يستطع حتى أنْ يقول “آسف”. لقد كره نفسه لذلك. لكن الاعتذار سيعني اعترافه بنسختها من الحقيقة.
عندما توقف جين عن الكلام، نظرت إليه أثينا بدهشة. “وأريدك أنْ تحترم قراري”. التفتت وسارت نحو الأبواب.
قال جين: “أردت أنْ أقول إنني سعيد من أجلك”. أصابته الرجفة في صوته عند نطق كلمة “سعيد” بالاشمئزاز. لقد حاول جاهدًا أنْ يبدو مبتهجًا.
أبطأت أثينا خطواتها دون توقف. بدأ بطرح النقاط من نظامه حتى نسي العد.
قبل عام من انفصالهما في محطة حافلات أتلانتيك سيتي، كانت على مثل ما كانت عليه في جنازة والدتها؛ كتومة، جامدة، منعزلة، يعرف جين أنَّ الآباء يمكن أنْ يكونوا كتومين وجامدين ومنعزلين. لم يكن يعلم أنَّ الأطفال يمكن أنْ يكونوا كذلك أيضًا.
قامت أثينا بجميع ترتيبات الجنازة، ولهذا كان جين ممتنًّا. حسنًا، بشكل أكثر دقة، شعر بومضات من الامتنان، كعوامات لامعة في البحر تلوح له من بعيد وسط ضباب من السُّكْرِ شبه المستمر. من المستشفى إلى الكنيسة، كان في البحر، طافيًا على خليط أعده من المشروبات الكحولية، بينما كانت أثينا تندفع يمينًا وشمالًا لإجراء المكالمات، وفتح الأبواب، وإعداد الطعام. كان وضعه مزريًا. كان يتمنى أنْ يغرق. لم يستطع أنْ يفكر في جثة بي-لينغ دون أنْ يفكر بغيرة مَرَضية في المكان الخالي من الألم الذي تسكنه الآن. في المرات القليلة التي زاره الوعي قبل أنْ يحل محله الصداع المخدر، كان يتساءل: لماذا لستِ في وضعٍ مزرٍ؟ ابنتي المشغولة. ابنتي النشيطة. لماذا تركتني أتأرجح وحدي في هذا الحزن الدامع؟
“مرحبًا، أردت كوب قهوة سوداء، وبسكويت الجبن، وحلوى رايس كرسبيز، و… اعذرني، ماذا لديك في الخلف هناك؟” لقد شعر بنفاذ صبر الطابور من خلفه. “ولوح جرانولا واحد”. ثم قال بحكمة: “غيرت رأيي، أعطني كوب فاكهة”. كان يكره أكواب الفاكهة. أتتطلب النقاط عقوبة أو مكافأة؟ لم يعد يعرف.
وضع جين نظام المكافآت الخاص به بعد حضور اجتماعه الأول والوحيد مع منظمة Al-Anon. “الأول والوحيد” لأنه لم يستطع أنْ يفتح عينيه في وضح النهار. إذا نظر إلى المشكلة نظرة جانبية، فإنها ليست موجودة بالكامل، وبالتالي لا يمكنها أنْ تهيمن بشكل كامل على واقعه. كان يعلم أنه جبان، لكنه نجح في التغلب على الوضع بطريقته الخاصة، أليس كذلك؟
“ألا تريد الأشياء الأخرى؟” لم يتمكن الطباخ من إخفاء غضبه.
تنهد وقال: “أريدها”
بذراعيه الممتلئتين، والقهوة تنسكب على حذائه المستعار، عاد جين لغرفة الاستعداد وجلس. أزعجته كلمات أثينا. سأل نابليون وهيريكو: “التأثير أهم من النية”، ماذا تعني هذه العبارة؟
هز نابليون كتفيه بينما كانت هيريكو تفكر وتقلب صفحات كتابها دون أنْ تنظر إليها. سألته: “هل لديك مثال؟”
“هذه هي الفكرة، ليس للتعبير أي معنى. لا يمكن أنْ يخالفني أحد الرأي. لا يمكن الجدال حول ذلك”. حدق جين بارتياب في كوب الفاكهة الفارغ الخاص به، متى أكل ما بداخله؟
سأله نابليون “هل أنت بخير يا صديقي؟” بتعاطف غير عادي، كما لو كان جين مريضًا. أو ما هو أسوأ من ذلك، مسنًّا. “هل تحدَّثْتَ معها؟”
قبل أنْ يتمكن جين من الرد، استدعاهم بيكيت ليعودوا إلى موقع التصوير. في أثناء سيرهم في الردهة، مدت هيريكو قارورتها، بمجرد الإحساس بثقلها في راحة يده، عرف جين أنها كانت نصف ممتلئة، ومن المضحك كيف تسترجع الغريزة كما لو أنها لم تغادر أبدًا. تردد للحظة، ثم شربها كلها برشفة واحدة.
رفعت هيريكو أحد حاجبيها. “تمر بأحد تلك الأيام؟”
ما لم يستطع جين تحمله هو الاستصغار. هكذا نظرت إليه أثينا، مثل بقعة ملطخة على سطح حياتها النقية. من بقايا ماضيها السابق للشهرة، لن تضطر أبدًا إلى النظر إليه مرة أخرى لأنها ببساطة تستطيع اختيار عدم القيام بذلك، لقد كان منخفضًا جدًّا، تحت خط رؤيتها.
إنه أمر لا يصدق، كيف أنها أنكرت حقيقة علاقتهما البيولوجية. بالتأكيد، لقد عبأت الأمر بمصطلحات مختلفة؛ العائلة المختارة والاستقلال الشخصي. ما كان ذلك كله إلا هراء.
طالما أعادت أثينا كتابة الواقع ليتناسب مع تفضيلاتها. على الرغم من أنَّ والدتها ماتت بسبب داء مرتكز في جيناتها -داء هنتنغتون الذي اجتاحها حتى ابتلع شخصيتها- ادعت أثينا أنَّ الداء كان سببه جين. الليلة الأخيرة التي قضاها في المستشفى، وجهت له اتهامًا تلو الآخر؛ تخلت بي-لينغ عن عائلتها وأصدقائها في تايوان لتنتقل مسافة 8000 ميل من أجله بناءً على وعود لم يكن ينوي الوفاء بها أبدًا، وعاشت حياة بائسة ومعزولة في هذا البلد الأجنبي، وأنَّ جين (الذي كان أنانيًّا ويفتقر لحس المسؤولية وكأنه مراهق) لم يتمكن من ملاحظة ذلك أبدًا.
وبعد أتلانتيك سيتي، قرر جين أنْ يبدأ من جديد، ليصبح شخصًا أفضل. لقد كان رجلًا صالحًا، ولكن ليس رجلًا مثاليًّا. لقد كان عصبيًّا عندما كان أصغر سنًّا، ويمكنه أنْ يعترف بذلك. ولم يساعد الشرب عصبيته (الاعتراف بذلك أصعب). لكنه وجد أنه من المضحك أنْ يعتقد بعض الناس أنَّ الأخطاء يمكن أنْ تنفيَ المودة، بل يمكن أنْ تنهيها بالفعل. كان والده يضربه، حتى عندما أصبح جين كبيرًا بما يكفي لمنعه من ذلك. ومع ذلك فقد كان ليسامحه (لم يكن يعلم أنَّ قبضة والده بحاجة إلى مسامحة).
لقد توقف عن الشرب منذ خمس سنوات حتى شرب من قارورة هيريكو، لقد نسي أنْ يخبر أثينا ذلك في مواقف السيارات. لقد أراد بشدة أنْ يشهد فخرها به، حتى يتمكن من التأمل فيه في أي وقت يحلو له. لقد انتظر أنْ يغمره شيء يشبه الحزن الشديد، لقد ذوت رصانته التي اكتسبها بشق الأنفس في لمح البصر، ومع ذلك فإن حقيقة ما تنذر به تلك الرشفة بدت بعيدة جدًّا.
طُرِحَت النقاط من النظام، وجُمِعَت نقاط أخرى.
قرر أنه لن يفكر في الأمر بعد الآن، انتهى الأمر. طالما كان جين جيدًا في التغاضي. حدّق في ساقيه المؤلمتين بدلًا من ذلك. كان يجب عليه أنْ يرتديَ جواربه الضاغطة. أو ربما كان ما يشعر به هو الحرقة. أين حبوب نابليون عندما تحتاج إليها؟
كانوا يصورون المشهد الأخير لليوم. قبل ساعتين، أنهوا المشهد الثالث (أم كان الأول؟) وانتقلوا إلى ساعات العمل الإضافي، وهو ما يعني 24.75 دولارًا إضافيًّا في الساعة، ولكن ما هو الثمن الذي كان جين على استعداد ليدفعه لمجرد العودة إلى المنزل حينها. لقد كان من الخطأ أنْ يأتي، من الخطأ افتراض أنَّ المعرفة يمكن أنْ تحل محل نعومة عدم المعرفة وجمالها.
كان جاك يقفز للأعلى والأسفل، بطريقة ما، أكثر نشاطًا مما كان عليه في بداية اليوم. كان جين يراهن بالمال الذي كان يعيش عليه أنَّ ذلك بفضل جرعة ثابتة من المخدرات.
“في هذا المشهد، أنتم جميعًا مرهقون، حسنًا؟”
ضحك نابليون.
“لكن هذه هي اللحظة الكبيرة التي كنا نبني من أجلها، عندما يذهب __________ أخيرًا إلى ________. تذكروا أنه كان _____ في، _________، ______، كان على ما يرام حتى هذه اللحظة. إنه مشهد عاطفي، مشهد مؤثر للغاية، وأريدكم جميعًا أنْ تشعروا بذلك.
كان يجب على ممثلي الخلفية أنْ يتعثروا بشكل عشوائي حول المحطة، وهو أمر سهل، إذ يطفو الجميع في حالة من التعب بعد الساعة الثانية عشرة من التصوير.
ثبتهم جاك في مواقعهم. “لا تخافوا من الاصطدام ببعضكم البعض”. ثم أضاف بسرعة: “لا تؤذوا أنفسكم” (وهو يفكر بلا شك في الدعاوى القضائية)، “لكن تصرفوا وكأنكم لا تستطيعون رؤية إلى أين أنتم ذاهبون. واضح؟”
“إذا أفسدت هذا المعطف، فهذه ليست مشكلتي”، تمتمت هيريكو مرة أخرى. نظرت إلى جين لردة فعل، ولم يكن في مزاجٍ يسمح له بمنحها ذلك هذه المرة.
وكانت الضجة تزداد على طول موقع التصوير، إذ كان يتواجد ممثلو الخلفية ومنسق الحركات المثيرة، وتوقفت الضجة عندما ظهر الممثل الرئيسي. كان فريق تصفيف الشعر والمكياج يتبعه، بالرش والتنعيم والبودرة، بينما كان يحرص على تجنب التواصل البصري مع ممثلي الخلفية، ثم تفقد هاتفه قبل وضعه في جيبه.
قال جين ساخرًا: “لا يصدق”.
تشاورت أثينا مع الممثل الرئيسي ومنسق الحركات المثيرة، وتحدث الثلاثة بنبرة مضطربة. ثم هتف منسق الأعمال المثيرة “الرقم 2” ومشى تيان للانضمام إليهم. أبقى جين عينيه على أثينا، وأرادها أنْ تنظر إليه. لم تفعل ذلك. وبعد بضع دقائق، عاد تيان إلى موقعه الأول.
“استعدوا للتسجيل… سيبدأ التسجيل… في مواقعكم… أكشن!”
تحرك جين بشكل متعرج عبر موقع التصوير، نصف أعمى دون الحاجة إلى التمثيل. كان تأثير الشراب يتوافق معه. لقد ضرب كتفه العديد من الأشخاص، بما في ذلك نابليون، الذين ألقوا نظرة حزينة في اتجاهه. كان يسير بوتيرة أسرع، وكانت وجوه الجميع ملطخة، ثم أبطأ خطواته عندما سمع صوت الممثل الرئيسي وانحرف نحوه.
أمسك الممثل الرئيسي تيان من ياقته، ثم تفوه بكلمات غاضبة عليه ودفعه. مثّل أنه يركل تيان فترة طويلة جدًّا. نظر جين إلى هيريكو، لقد خالفت البروتوكول وأغلقت عينيها. وجاء العنف المفاجئ في مكان الحادث، في المستودع، بمنزلة اقتحام فظيع. لا شيء كان يمكن أن يعدّهم لذلك، ولا حتى تفسيرات جاك الجنونية.
قال مساعد المخرج الثاني: “ما يزال التسجيل قائمًا!” هرع أحد أعضاء مساعدي الإنتاج إلى الممثل الرئيسي حاملًا زجاجة لا ملصق عليها وسكب سائلًا حليبيًّا في فمه. انحنى إلى الوراء، على وشك البصق في وجه تيان. انعصرت معدة جين.
قال تيان بصراحة: “توقف، لا أستطيع التحمل”.
أبطأ عدد قليل من ممثلي الخلفية من تحركاتهم، غير متأكدين مما إذا كان هذا سطرًا تمثيليًّا، وما إذا اُختير أخيرًا من بين مجموعة ممثلي الخلفية للتحدث.
هتفت أثينا: “أوقفوا التصوير!”. وقامت من كرسيها ومشت، وقالت بانزعاج: “ماذا تعني عندما تقول إنك لا تستطيع؟ لقد وافقت على ذلك للتو”. أرجحت يديها بشكل متكرر، وهو تصرف تقوم به عند التوتر.
عبس تيان وقال: “لا أفهم لماذا نؤذي بعضنا البعض. هذا غير منطقي”.
وخلف جين، تهامس اثنان من مساعدي الإنتاج قائلين: “_____ أعتقد أنَّ الممثل _____ كان “مثيرًا للجدل” للغاية وكانت تحركات الممثل _____ “متوقعة” للغاية”. صفّر مساعد الإنتاج الآخر. “على ما يبدو، قالت إن “الخيار الأكثر أمانًا” هو طاقم ممثلين _____ بالكامل”.
لم يستطع جين إلا أنْ يتجهم، فرؤية ابنته للمجتمع كانت سطحية إلى حد كبير. ولكن لأي سبب من الأسباب، لا بد أنها استمدت الراحة من تصغير الأمر إلى أجزاء يمكن التحكم فيها. هل كان الأمر مختلفًا تمامًا عن نظام النقاط للمكافآت الذي يعتمده؟
وتابع تيان: “أريد الاتصال بممثلي من نقابة ممثلي الشاشة”. في النهاية، تبين أنه لم يكن ممثل الخلفية المثالي.
حاول الممثل الرئيسي إخفاء ازدرائه دون جدوى.
سأل ممثل خلفية آخر أثينا: “ما الذي تحاولين تحقيقه هنا بالضبط؟”
“الإساءة ضد _____ آخذة في الارتفاع و–”
“والحل الذي لديكِ هو المزيد من الإساءة؟”
قالت أثينا بنبرة هادئة وكأنها تتحدث لنفسها: “ولكن هذا تمثيل. ليس حقيقيًّا”.
ضحك تيان وقال: “ألست حقيقيًّا؟”
ارتد صدى السؤال في أذهان حشد ممثلي الخلفية.
للحظة مخزية وخاطفة، فكر جين في الهتاف: “التأثير أهم من النية يا أثينا! أليس هذا ما تقولينه؟”
كانت بلا شك ترتدي قناع الازدراء نفسه الذي كانت ترتديه في موقف السيارات، ولكن عندما نظر إليها، كانت عليها تعابير الخوف. تسربت السلطة منها بحلول الثانية. لقد بدت صغيرة جدًّا. لقد بدت فتية جدًّا.
في أيام المدرسة الابتدائية، كانت أثينا تصوره هو وبي-لينغ بكاميرا من الورق المقوى مصنوعة من لفات ورق الحمام. إلا أنه كسرها بيديه ذات ليلة، عدائيًّا وسُكْرًا، ثم عدائيًّا لأنه كان يشعر بالسكر. لكن في اليوم التالي، اشترى لها كاميرا فيديو مستعملة من سوني براتب ذلك الأسبوع، مما جعله يضطر إلى حرمان نفسه من الطعام مرتين في اليوم، لكنها احتضنته، وكان ذلك يستحق كل لحظة شعر بها بالجوع.
عندما سألته بصوتها الصغير (كانت ترعبه، حتى في ذلك الوقت) عما إذا كان لديهم ما يكفي من المال لشراء الكاميرا، كذب عليها. “مهما كان ما تريدينه، سأجلبه لكِ” كانت عبارته المفضلة، حتى عندما وبخته بي-لينغ لأنه حولها إلى شخص لا يعلم حدوده، شخص ليس لرغباته نهاية.
ولم يخبر أثينا أبدًا عن المقامرة غير القانونية التي أدت إلى سداد فواتير مستشفى والدتها، وعن الأشهر التي قضاها في معالجة الهويات المزورة في حي جاكسون هايتس كمصدر ثانٍ للدخل، وعن كيف أنه بعد أنْ سُرقت دراجته وفقد وظيفته خلال سنتها الجامعية الأولى، أمضى ستة أسابيع مهينة بلا مأوى. لقد صدقت ما أرادت أنْ تصدقه. لا، لقد صدقت ما سمح لها بتصديقه. أو ربما كلا التعبيرين صحيحين.
لقد أدرك بوضوح مفاجئ ومؤلم ما كانت تعنيه أثينا في مقابلتها. لقد جعلها الإخراج تسيطر على بيئتها لأنها عوضتها عن الفوضى التي جلبها هو إليها. عندما كبَّرت الصورة بالكاميرا وصغرتها، ربما غادرت شقتهم في أستوريا. ربما سافرت إلى مكان آخر تمامًا، إلى مكان أفضل وأكثر أمانًا.
“أنا سألعب الدور”.
دخل جين إلى قلب الضجة.
سأله نابليون وهو يضع يده على كتفه: “ماذا تفعل يا صديقي؟” أزاح جين يده.
نظر تيان إلى جين وهز رأسه قليلًا ثم خرج من موقع التصوير. كان جزء من جين يتوقع أنْ يصفق الناس له، ولكن لم يفعل أحد ذلك.
صعد جين أمام الممثل الرئيسي. عن قرب، بدت وسامته غير حقيقية.
قالت أثينا بصوت خافت: “ليس عليك القيام بذلك يا أبي”. حدق الجميع فيها.
لم تقم محاولتها لمنع جين سوى بتشجيعه. جلس على الأرض. ومن الغريب أنها لم تكن باردة كما كانت من قبل. قال للممثل الرئيسي: “اركلني، هيا، ابصق علي”.
لقد قام بالحسابات المطلوبة. هذا ما أشارت إليه النقاط.
نظر أفراد الطاقم إلى بعضهم البعض. وبعد لحظة، أعاد مسؤول الصوت رفع أعمدة مكبرات الصوت، وعاد فريق الإضاءة إلى مراكزهم، وعادت أثينا إلى كرسي المخرج.
استلقى جين ساجدًا أمام أصدقائه الذين يعملون معه بدوام جزئي وممثلي الخلفية الآخرين والطاقم، وحتى أمام ابنته التي لم يتمكن من رؤيتها بينما كانت تراقبه من خلف عدسة الكاميرا.
أُهِّلَ جين للانضمام إلى نقابة ممثلي الشاشة في ذلك اليوم، ويظهر دوره كـ “رجل آسيوي مسن” في قاعدة بيانات IMDb. كان ذلك هدية من ابنته، فوفقًا لقوانين النقابة، لم يتطلب دوره الصامت ذكرًا في شارة النهاية.
بعد إصدار الفيلم، قرأ تعليقًا تلو الآخر، على أمل التوصل إلى حكم على عمل ابنته دون متابعته، لكن المراجعات كانت مختلطة كما شعر. عندما اشترى أخيرًا تذكرة في السينما المحلية في وقت مبكر من صباح أحد الأيام، كان واحدًا من ثلاثة مشاهدين. كان يعتقد أنه سيشعر بالانفصال، وسينظر إلى نفسه وهو يتظاهر أنه شخص آخر، وسيعرف بالضبط ما هي الحيل التي استُخدِمت للتلاعب بالأشياء المزيفة حتى يمكن عدها حقيقية.
ولكن عندما شاهد جين نفسه وهو يلهث ويتشنج على رصيف مترو الأنفاق، ذراعاه ملتفتان بلا حول ولا قوة حول بطنه، وفمه عاجز عن الكلام– شعر بحزن شديد يسحقه، وتفاجأ عندما اكتشف أنَّ خدوده رطبة بماء البكاء.
