الفصل الأول:
كانوا يقودون السيارة لساعات، وما زالت المدينة في جلبة. كانت هناك أكواخ ومتاجر متلاصقة على جانبي الطريق السريع، وأكشاك شاي على جانب الطريق ذات أسطح من الصفيح المموج، حيث يتوقف سائقو الشاحنات لإراحة أرجلهم وتمديدها. بلدات صاخبة كانت قبل بضع سنوات فقط قرى مكونةٍ من أكواخ طينية جدرانها مغطاة بروث البقر، وأكشاك تحصيل ضرائب جديدة، ومحطات بنزين، وفنادق تَعِدُ بتوفير الماء الساخن والغرف النظيفة. ولم تشعر العائلة أنها تحررت من هذه الفوضى إلا بعد أن لمحت أول غيمة فوق التلال.
أطفأ الأب مكيف الهواء وفتح نافذته. اشترى مؤخرًا سيارة ماروتي زان بيضاء اللون. كان يستخدم أطراف أصابع يده اليسرى ليقود عجلة القيادة بأقل ضغط تاركاً السيارة تنساب بسهولةٍ. كان يبلغ من العمر 39 عامًا، وقد رُقِّيَ مؤخرًا إلى مدير فرع البنك. خلال فصول الصيف الثلاثة الماضية، في الوقت الذي تزايدت فيه درجات الحرارة في المدينة، اصطحب عائلته إلى منتجعات كراون، التي تقع في مزارع الشاي في كودايكانال، وهي محطة تلٍّ تبعد حوالي 500 كيلومتر عن بنغالور.
كانت الأم تجلس بجانبه محركة أصابع يديها. وكانت النظرة الأولى للتلال تحيرها دائمًا، إذ كانت قممها مغطاة بظلال رمادية وأرجوانية. بدت النباتات على المنحدرات أغمق لونًا من الشجيرات والأشجار المنتشرة في السهول. فتساءلت بلا مبالاة وبلا منطقية عن السبب: أليست تلك أقرب إلى الشمس؟!
وفي المقعد الخلفي كانت ابنتهما تحاول القراءة. كانت تكره الرحلات بالسيارة، على الرغم من أنها كانت تتطلّع إلى أن تكون في المنتجع، فقد عرفت من زياراتها السابقة أنه سيكون هناك تنس الطاولة، ومشي لوقت طويل، وأرنب أبيض جميل في القفص. كان السلك المتشابك لسماعات جهاز ووكمان بجانبها يهتزّ مع حركة السيارة. تبلغ الابنة من العمر 11 عامًا.
بدأت تنزف للمرة الأولى في ذلك الصباح، قادتها والدتها من كتفيها إلى الحمام، حيث كانت المرآة لا تزال مغطّاة بالضباب بسبب آخر شخصٍ استحم فيه.
جعلت ابنتها تجلس على مقعد المرحاض، وأخرجت فوطةً صناعيةً من الخزانة، وشرحت لها كيفية تثبيت الفوطة السميكة على ملابسها الداخلية. وجدت الفتاة أن المشي بالفوطة غير مريح، لكنها لم تقل شيئًا. وكانت تشنجات الألم تمزق بطنها، لكنها لم ترغب في إظهار ذلك في السيارة. مسألة الفوطة الصحية، ووجودها بمفردها مع والدتها داخل الحمام، كلّ ذلك أوجد مسافة بينها وبين والدها. من حيث كانت تجلس كانت تستطيع رؤية خده الناعم وشاربه يحجب شفته العليا وأذنه اليسرى.
وفجأة ظهرت هناك منعطفات حادة، يُشار إليها بعلامات صفراء ذات أسهم سوداء منحنية. وفي كل مرّة يعبرون خلالها كان الأب يميل جانبًا بشكل تمثيلي (دراميّ)، ويصيح بهم : “تمسّكوا”! بينما كانت الأم وابنتها تجلسان صامتتين. وبعد ذلك عندما صعدوا إلى أعلى التلّ وضاقت الطرق، صمت هو أيضًا. ومن وقت لآخر كانت تمرّ بجانبهم حافلة سياحية مسرعة على المنحدر تكاد تسد الطريق بأكمله تقريبًا، وعلى الأب أن ينعطف بقوة لتجنب الاصطدام بها.
لاح التلّ على يمينهم كجدار أحمر داكن. وفجأة خطر على ذهن الابنة سيناريو ينهار فيه التلّ على السيارة ويدفنها تحت الركام، فأنزلت رأسها وكأنها تتجنب الركام الهائل.
وفي منعطف آخر شعرت بتقلبات في معدتها.
“توقف”! قالت بهدوء؛ لكن والدها كان يركز على القيادة، وكانت والدتها مغلقة عينيها، فكررت: “توقف”!
نظرت والدتها حولها. وعندما رأت وجه ابنتها، انتبهت: “أوقف السيارة”!
قال الأب: “لا أستطيع. هذا منعطف خطر”.
“قف” بكت الابنة.
ضغط الأب على الفرامل. فتحت الفتاة الباب، وانحنت للخارج، وتقيأت ما أكلته في وجبة الإفطار، كان الطعم سيئًا جدًا لدرجة أنها تقيأت مرة أخرى.
وأرادت والدتها فتح بابها.
فصرخ الأب: “لا تخرجي”!
“سأحضر زجاجة الماء من الخلف”.
“سوف تصدمكِ سيارة”.
“لا تتصرف بشكل تمثيليّ”!
“ألا ترين ضيق الطريق”؟!
“إنها تتقيأ”!
نظر إلى ابنته ويداه ما تزالان على عجلة القيادة: “صغيرتي، هل أنت بخير”؟
أومأت الابنة أنها بخير.
قال الأب للأمّ: “إنها بخير، ابقي في السيارة”. وقال لابنته: أغلقي الباب يا صغيرتي. يمكنك شرب الماء فور وصولنا إلى المنتجع”.
لم تقل الأم شيئًا. أغلقت الابنة الباب، وانطلق الأب. انزلقت السيارة قليلًا إلى الخلف، فشعر الجميع بموجة من الرعب.
ثم عاد التحكم بالإطارات، وبدأوا في التحرك صعودًا مرّة أخرى.
لمحت الأم المنتجع أولًا. وقالت: “إنه هناك”، فقد ظهرت مجموعة من المباني المصنوعة من الطوب الأحمر بين الأشجار. شعر الأب برغبة في الضرب على البوق لكنه لم يفعل، لأن ابنته كانت نائمة.
لقد ظلوا هادئين عندما ابتعدوا عن الطريق السريع عند لافتة مكتوبة بخط اليد تبين أن المنتجع يبعد 15كم. كان الطريق الترابيّ يمرّ بالقرى الصغيرة، حيث كان رجال يرتدون ستراتٍ بلا أكمام يراقبونهم من ساحات صغيرة. كما توقفت امرأة عن تعليق الغسيل وبيدها زوج من السراويل الخضراء، وكان هناك طفل صغير يرعى قطيعًا من الماعز اصطدم بعضه ببعض عند سماع صوت السيارة، وأيقظت الأجراس التي حول أعناقها الابنة.
أخذهم صبي لا يتجاوز عمره 12 عامًا، يرتدي زيًا أزرقَ فضفاضًا، إلى كوخهم المبني من الطوب الأحمر. كان يرتدي حذاءً أسودَ بمقاس كبير جدًا، وتعثر على الدرج. وضع الأب يده على كتفه وقال: “انتبه”!
تذكر الأب عندما وضعوا طفلته بين ذراعيه في المستشفى لأول مرّة وأخبروه أنها فتاة، عندها شعر بشيء بسيط جدًا من الإحباط. أبعد عنه هذا الشعور مذعورًا، على الرغم من أنه كان متأكدًا من أن ابنته المولودة حديثًا قد شعرت به، إذ انغلق وجهها الصغير مثل البرعم.
وعندما دخلوا الكوخ أحاط ابنته بذراعيه، فتحركت عظام الابنة تحت قميصها. بقيت ساكنة لبضع ثوانٍ، ثم تحررت من حضنه.
نظرت الأم حولها. رأت غرفة بها خزانة من الخشب الرقائقي وسرير مزدوج بأغطية بيضاء، وبجانبه كان هناك سرير إضافيّ، وكرسي مزدوج برتقالي قبيح المنظر، وطاولة قهوة منخفضة. كان باب الحمام مفتوحًا جزئيًا يكشف عن شيء من البلاط. وبجوار الحمام كانت هناك منضدة للزينة بها مرآة ضبابية، لمحت فيها أجساد ثلاثتهم يبدون بهيئات غريبة وممطوطة.
قالت وهي تبتعد: “يبدو جيدًا”!
حاول الأب أن يبدو مرحًا: “إنه كالقصر”!
بقي الصبي في الغرفة. أخرج الأب محفظته وأعطاه خمس روبيات. أخذها، وألقى نظرة سريعة على الابنة التي كانت تغسل فمها في الحمام، ثم خرج مسرعًا.
استلقت الابنة على سريرها، وأبعدت جهاز ووكمان والكتاب جانبًا، وشعرت ببرودة الأغطية على بشرتها. تمنت أن يغادر والدها الغرفة حتى تتمكن من خلع قميصها.
جلست الأم على حافة السرير المزدوج، وأمسكت بهاتف المنتجع.
سألها الأب: “ماذا تفعلين”؟
“أطلب الشاي”.
فقال: “لماذا لا نشرب الشاي في النادي؟! يمكننا أن نتجول ونرى التغييرات التي قاموا بها منذ العام الماضي”.
لكنها كانت قد اتصلت.
“خدمة الغرف؟ أتصل من الكوخ رقم…”. نظرت إلى زوجها.
“خمسة”.
قالت الأم عبر الهاتف: “الكوخ رقم خمسة. نحتاج إلى ثلاثة أكواب من الشاي، من فضلك. ليكن ساخنًا جدًا، مفهوم؟! حارٌّ جدًا لدرجة أنه يحرق لساني”.
أقفلت الخط. وقال الأب بصوت منخفض: “ثلاثة أكواب”؟ أومأ برأسه في اتجاه الابنة التي تظاهرت بعدم السماع.
هزّت الأم كتفيها: “ولم لا؟ لن تشرب الحليب إلى الأبد”.
وبينما كانوا ينتظرون ذهبت الابنة للاستحمام. وجدت جريدة ذلك الصباح بارزة من حقيبة يد والدتها فأخذتها إلى الحمام. نظرت لما بقي على الفوطة، ثم لفتها في الجريدة ورمتها بعيدًا. وفي أثناء الاستحمام احمرّ البلاط بقليل من الدم.
عندما خرجت كان إبريق الشاي قد وصل، وجلس والداها أحدهما بجانب الآخر على الكرسي. أما هي فجلست متربعة على سريرها، بينما كانت والدتها تسكب الشاي الذي يتصاعد منه البخار في ثلاثة أكواب. ثم أضافت الحليب من إبريق آخر، وملعقة من السكر لكلّ منها.
شربت الابنة الشاي. كان حلو المذاق، لكنها شعرت بلسعة آكلة في مؤخّرة حلقها، عرفت أنها من أوراق الشاي.
أمال الأب كوبه، وأبدى إعجابه بالشاي: “هذا هو الشاي الحقيقي”. لقد قال شيئًا مشابهًا العام الماضي: “ينمو هناك”، وأشار إلى صفوف الشجيرات خارج النافذة: “لا يوجد مقارنة بالأشياء التي نشربها في المدينة أبدًا”.
قالت الأمّ: “كان بإمكانهم جعل الشاي أكثر سخونةٍ”.
ارتشفت الابنة من كوبها مرة أخرى، لتقرر ما إذا كانت أحبته أم لا.
قال الأب: “أفضل من شاي ريد ليبل وليبتون. أفضل شاي في العالم. مقدم لكم من محطة تلّ كودايكانال”! قالها على هيئة أغنية. “شاي محطة التلّ! الشاي الذي سيعجبك وسيعجبني”! وكان صوته صادحًا رنّانًا.
سألت الأم ابنتها التي بدأت تبتسم لأغنية والدها: “كيف تشعرين الآن”؟ وبعد سؤال والدتها توقفت عن الابتسام: “أنا بخير”!
سأل الأب: “ماذا حدث؟ هل ما زلتِ تشعرين بالمرض”؟
قالت الابنة: “لا”.
قال: “صغيرتي المسكينة”. “أنتِ مثلي. كانت حالتي دائمًا تسوء عندما كنت طفلةً أيضًا. ولكن ليس في السيارة، فلم يكن لدى والدي سيارة قط، كنا نسافر بالحافلة. لكنهم كانوا يجعلونني دائمًا أجلس بالقرب من السائق لأخبره إذا ساءت حالتي، وكان يوقف الحافلة ليسمح لي بالخروج”. أضاف الأب: “في ذلك الوقت كان بإمكاننا القيام بمثل هذه الأمور”.
كانت الشمس على وشك الغروب، وكان القمر فوق التلال بلا حراك، وسط ضباب منجرف. بدأ الأب بارتداء حذائه من علامة نايكي (Nike) الرياضية، إذ كان قد اشتراه خصيصًا لهذه الرحلة من متاجر في مارثا هالي (Marathahalli).
سأل: من يريد الذهاب للمشي”؟
سألت الابنة: “هل يمكننا اللعب مع الأرنب”؟
نظر إلى الأمّ: “في طريق العودة”.
قالت: “أعتقد أنني سأطلب كوبًا آخرَ من الشاي”.
غادرت الابنة والأب بوابات المنتجع، وسارا عبر الممر الترابي الذي وصل إلى مفترق الطرق. قال: “أنتِ اختاري أيّ طريق نذهب”!
وفكرت الابنة. التوجه يسارًا سيأخذهم إلى الطريق المعبد الذي وصلوا عبره. والتوجه يمينًا سيؤدّي إلى مكان بعيد عن الأنظار غير معروف. كانت ترى آثارًا متعرجة لإطارات الدراجات في التراب.
قالت الابنة: “يمين”.
“هذا الطريق يؤدّي بنا إلى القرية”. كان يأمل أن تختار الاتجاه الأيسر. لقد أراد رؤية المزرعة بأكملها من التلال مع غروب الشمس. كان هذا هو المشهد الذي تصوره أغلب الأحيان وهو جالس في مكتبه في البنك. لكنه سألها وقالت يمين.
كان الانحدار أكثر حدة مما بدا عليه. انحنى إلى الخلف ليمنع نفسه من الركض. أما الابنة فاندفعت وجرت بسرعة لمسافة قليلة، ثم توقّفت.
قال الأب: “كوني حذرة”!
قالت متجاهلة إياه: “إنني أشم رائحة الأبقار”.
قال: “هذا روث البقر”.
“لن يكون هناك روث بقر بدون أبقار”.
وصدمته العبارة لذكائها!
كانت القرية، كما يتذكر، مجموعة متنوعة من المباني، مكعبات من الطوب مطلية بألوان زاهية، وهناك: صيدلية، وصالون حلاقة، ومحلّ تموين. كان أحد المباني يحمل لافتة مرسومة مكتوبًا عليها صالون لتصفيف شعر المرأة الجميلة. كانت هناك شجرة قريبة تحتوي على سلة قمامة معدنية مثبتة على جذعها، ولكن لا تزال هناك قمامة في كلّ مكان: علب عصير ممزقة، وصحف مجعدة، وأكياس رقائق بطاطس فارغة، وبقايا خضروات.
على أحد المقاعد جلس شاب طويل القامة يرتدي اللونجي يقرأ صحيفة باللغة التاميلية، إحدى قدميه عارية ممدودة، والأخرى مثنيّة تحته. كان يعبث بالصحيفة كلّ بضع ثوان، ويستمر في النظر إليهما.
قال الأب: “مساء الخير”!
نظر الرجل إلى الأعلى ثم إلى الأسفل بسرعة، وأخفى وجهه خلف الورقة.
فقال الأب مرة أخرى: “مرحبًا”!
أنزل الشاب الصحيفة: “أأنتم ضيوف من منتجعات كراون”؟
ردّ الأب: “نعم، لكننا لسنا ضيوفًا حقًا، فنحن نتردد على هذا المكان منذ حوالي خمس سنوات أو ست”. كان يأمل ألا تصحح ابنته ما يقوله. كان يقصد فقط إثبات أنهم ليسوا غرباء عن المكان.
أومأ الرجل: “هل أخبروك عن النمر”؟
اعتقد الأب أن الرجل يعني السيرك المحلي: “أيّ نمر”؟
“وجد عمي اثنتين من عنزاته ميتتين هناك”. رفع يده وأشار: “إنه نمر ذكر كبير كالجاموس”.
انقبض بطن الابنة من شدّة الاضطراب. شعرت ببعض قطرات الدم الساخنة، وكانت مرعوبة حتى تذكرت وجود الفوطة.
سأله الأب بحدّةٍ، وقد لاحظ أن ابنته أصبحت متصلّبة: “كيف عرفت أنه نمر؟ هل رآه عمك حقًا”؟
توقّف الرجل قليلًا وضرب على صدره.
سأله الأب: “هل رأيته أنت؟ هل رأيت النمر بأم عينيك”؟!
حدّق الرجل فيه. وبعد ذلك خرج منه صوت، فضحك وهزّ ّجريدته مرّة أخرى، فلاحظ الأب فجأة أنها قديمة ومصفرة. هدأ الأب، وفهم أن الرجل ليس على ما يرام.
انحنى الأب نحو ابنته وهمس: “لا بأس، لا تخافي يا عزيزي”!
قالت: “لست خائفة”! وكان عليه الاعتراف أنها لا تبدو كذلك.
تذكّر الأب بعد ذلك موظفًا في البنك الذي يعمل فيه، وهو صبي يعاني سوء التغذية، وكانت وظيفته توزيع أكواب ورقية صغيرة من القهوة طوال اليوم. قبل بضعة أشهر جاء الصبي للعمل وهو يبكي. أخبر الجميع أنه عندما ذهب في رحلة سفاري في متنزه بانرغاتا مع عمه سحب نمر فتاةٍ صغيرةٍ من سيارة جيب، وشرع في أكلها أمام الجميع. يتذكر الأب أنه قرأ عن الحادثة في الصحيفة. ومنذ ذلك الحين كان يعطي الصبي روبية كل بضعة أيام لترتيب مكتبه أو إفراغ سلة المهملات. وفي كل مرّة يضع فيها عملة معدنية في كفه الصغير يبتسم الصبي ممتنًا.
وبّخ الأب الرجل: “اسمع، أنا لا أعرف ما بك، لكن لا ينبغي أن تحكي قصصًا كهذه أمام الأطفال الصغار”.
أرادت الابنة البقاء وسماع المزيد عن النمر، لكن والدها بدأ في سحبها بعيدًا. حررت يدها وتحركت ببطء وهي تراقبه يمشي في الطريق. كان أبوها رجلًا قصير القامة. ومن الواضح أنه غير معتاد على بذل المجهود. ولم تتناسب ملابس عمله الاعتيادية مع حذاء نايكي. وفجأة لم تعد قادرة على التحمل، وبدأت في الركض فتجاوزته بسرعة. سمعته ينادي باسمها، لكنها لم تتوقف. عندما وصلت إلى الكوخ الخامس، وهي تلهث، كانت والدتها نائمة.
في صباح اليوم التالي وضع بوفيه في الفناء. ألقت الأم نظرة واحدة على الطعام وقالت لأقرب نادل: “الشاي، اجعله ساخناً. مفهوم؟”
قال الأب: “عليكِ أن تأكلي”. لقد استيقظ قبل الجميع وتسلل إلى الخارج ليشاهد شروق الشمس فوق التلال. في البداية بدت صفوف أوراق الشاي وكأنها مغموسة في الحبر، ولكن مع ارتفاع الشمس، تلونت باللون الأخضر. لقد عاد إلى الداخل واستلقى بجانب زوجته، وكان سعيدًا إلى حدٍ ما، لأنه كان الوحيد الذي شهد ذلك المنظر.
قالت الأم: “لست جائعة”.
قال الأب: “إذا تعبت في أثناء المشي، فلا تلقي اللوم عليّ”. وضع في الطبق القليل من كلّ شيء: البوري تشانا، والفاصوليا المطبوخة، والبيض. أكل كل ما في طبقه، ثم تناول شريحتين من الخبز المحمص وطبقًا من رقائق الذرة (كورن فليكس)، وبضع قطع من البطيخ. لم تكن شهيته مفتوحة في المدينة أبدًا كما هي الآن.
كانت الابنة تتناول طعامها بلا شهية، فقد هاجمتها التشنجات في منتصف الليل، وظلت تتقلب لمدة ساعة قبل أن تهدأ. كان بإمكانها أن توقظ أمها وتطلب منها أقراص الكروسين، لكن في ذلك الوقت، وهي تستمع إلى هدوء التلال البعيدة، شعرت أنها يجب أن تتحمل الألم وحدها.
نظر الأب إلى كليهما، وقال: “لا أحد يأكل، لا بدّ أنكما تتبعان الحمية”.
في فترة ما بعد الظهيرة أخذوا السندويشات من مطبخ المنتجع وانطلقوا. ارتدت الابنة سروالًا قصيرًا (شورتًا) وقميصًا بلا أكمام. كانت الأم ترتدي سروالًا وقميصًا على الطراز الهندي، وأحذية كيدز قديمة، وتحمل حقيبة بها طعام وماء. علق الأب كاميرا حول رقبته. اتجهوا يسارًا عند البوابة وساروا عبر الطريق الترابيّ وفي كل مرة تمر فيها مركبة، كانوا يسيرون في صف واحد بعضهم خلف بعضٍ.
قال الأب: “أعتقد أننا يجب أن نتوقف الآن”.
المسار الذي أشار إليه ينفصل عن الطريق، وينحدر عبر الأشجار. تابعوا السير عبره لمدة 20 دقيقة، حيث ارتسم أمامهم منحنى واسع ومتعرج. ثم صاروا فجأة وسط مجموعة متشابكة من العشب البري والأشجار الهزيلة. توقّفت الأم وابنتها، أما الأب فصعد فوق غصن على شكل كلب متمدّد. قال: “من هذا الطريق”. وظهر المسار مرة أخرى، فهدأت أعصابه لأنه لم يضلّل عائلته.
“ما هذه الأشجار” سألت الابنة، وهي تنظر للأعلى. كان لها لحاء رماديّ أملس، وأغصانها رفيعة ومرتفعة جدًا.
تحدّثت الأم بعد صمت: “أشجار الشاي”.
شاهدت الابنة نظرة أمها إلى الأب.
قالت الابنة: “لا، ليست أشجار الشاي”.
سألتها والدتها: “ولم ليست كذلك؟ نحن في مزرعة الشاي، أليس كذلك؟ كلّ شيء هنا له علاقة بالشاي. اسألي والدك إذا كنت لا تصدقينني”.
لم يكن الأب يحب أن تتفوّه زوجته بتعليقات كهذه. وكثيرًا ما كان يشك في أن المقصود منها أن تنتقد شيئًا ما في شخصيته، على الرغم من أنه لم يكن بإمكانه فهم هذا الشيء. انتظر ابنته لتسأله عن الأشجار، لكنها لم تفعل.
بدأ المسار في الارتفاع. اندمجت الأسرة في المشي. ولفترة طويلة لم يكن هناك صوت سوى قطع الأغصان وتشابك الأوراق. وصلوا لنهاية المسار الذي انتهى بهم بالقرب من جدول جميل.
جلس الأب بالقرب من الضفة ورش وجهه بالماء.
قالت الابنة: “إن الأبقار تتبرز في تلك المياه”. أشارت إلى روث بقرة يبدو حديثًا على حافة الجدول، يغمره القليل من الماء.
“هذا مقرف”! وقف الأب وتراجع بسرعة.
كانت الأم قد جلست على صخرة. ذهبت الابنة وفتشت في حقيبتها بحثًا عن زجاجة ماء. وجاء الأب تجاههم.
قال: “أعطيني الزجاجة بعد أن تنتهي يا صغيرتي”!
أرجعت الابنة رأسها إلى الخلف وشربت الماء، فتدفق إلى فمها في هيئة تيار فضيّ دون أن يمس شفتيها. أعطت الزجاجة والدها الذي سكب الماء في كفه وفرك وجهه. كانت الزجاجة فارغة تقريبًا عندما انتهى.
عادت التشنجات إلى الابنة وداهمها الإرهاق. توقفت في أثناء السير، وخطر على بالها سريرها في الكوخ (5) رقم خمسة بأغطيته المشدودة مثل أوتار الكمان، والمروحة فوقها. أرادت أن تبكي.
استدارت والدتها بإدراك غريب: “هل تشعرين بالألم مجددًا”؟
أومأت برأسها.
“هل تريدين العودة”؟ كانت نبرة الأم غير مبالية ومحايدة.
توقف الأب أيضًا وسأل الأم: “هل أصبحتْ حادّة الطبع”؟
قالت الابنة: “أنا لست حادة الطبع. كلّ ما في الأمر أنني لا أشعر أنني بحالة جيدة”.
قال الأب: “لم تتناولي وجبة الإفطار. قلت لك أن تأكلي، أليس كذلك؟ هل تريدين أن تأكلي شيئاً الآن؟ هل تريدين أن نتوقف ونتناول الغداء”؟
تذمّرت الفتاة: “أريد فقط أن أستلقي”.
قالت الأم: “سأعيدها، استمر في المشي”.
وفجأة أراد الأب أن يصفع زوجته. طوال 13 عامًا من الزواج لم يرفع يده عليها أبدًا، لكنه شعر في تلك اللحظة أنه يريد أن يضربها بكل قوّته. في الأسبوع الذي سبق حفل زفافهما، والذي رُتِّب له من خلال مجموعة من الأقارب، كتب قائمة مرقمة. 1. وفر الاستقرار المالي للأسرة. 2. كن مرشدًا/ ملهمًا للأطفال. 3. احترم التفضيلات الفردية للزوجة.
قال الأب باندفاع: “لا، ابقي أنتِ. سأعيدها أنا”.
بدت الأمّ متفاجئة للحظة، ثم هزت كتفيها: “كما تريد”.
“استمري، استمري في المشي. استمتعي. لا تقلقي علينا. سنكون بخير. خذي وقتك”.
قالت الأم لابنتها: “أقراص الكروسين موجودة في الحقيبة. خذي قرصًا واحدًا، ثم نامي”!
مسحت جبين ابنتها. تعجبت الفتاة من اللمسة التي كانت لطيفة ولكنها جافة إلى حدٍّ ما. كانت سعيدة بالرحيل مع والدها. كانت أحذية نايكي الجديدة ملطخة بالأوساخ والعشب، وقفت الأم لتعتني بها، وأسندت الحقيبة بوركِها.
الفصل الثاني:
بقيت الأم بمفردها. كان هذا ما أرادته، فقد تمنّت ذلك، وكلّ ما كان يخطر على بالها منذ بدأوا المشي، ومنذ أن فتحت عينيها ذلك الصباح: “أود أن أكون وحدي. أود أن أكون وحدي”.
وها هي الآن وحدها!
واصلت الصعود للأعلى، في الاتجاه الذي كانوا يتجهون إليه سابقًا كعائلة. تغيّر الضوء على أرضية الغابة، وتسلّل عبر الأغصان العالية. وفكرت فيما قالته لابنتها عن أشجار الشاي: “اسألي والدك”. لقد لاحظت الحرج على تعابير زوجها، وشعرت الآن بالندم قليلًا على ما قالته. لكنها في ذلك الوقت لم تشعر بشيء سوى فضول بسيط بشأن رده.
فقد كانت شبه متأكدة من أن تلك الأشجار لم تكن أشجار شاي.
تضاءل حجم الغابة عندما اقتربت من سلسلة من التلال. رأت كتلة من الضوء أمامها، حيث ينتهي خط الشجرة. وصلت إلى مسامعها أصوات نساء، كأنها مقطوعات من أغنية. أسرعت في المشي، ثبّتت الحقيبة وانطلقت، وامتد التلّ إلى الأسفل، تمامًا كما ظنت أنه سيكون مغطّى بصفوف طويلة لا نهاية لها من الشاي.
أسعدها منظر دقة الصفوف، فالمسافات التي تفصل بين الصفوف ضيقة وشديدة، مثل ممر المدرسة. وتخيلت أن الحقيبة التي على كتفها مملوءة بالكتب وأقلام الرصاص. خطر على ذهنها حذاءها الأسود الذي لمعه والدها ذلك الصباح على شرفتهم، عاري الصدر، واللونغي ملتفّ حول خصره. وهناك أشياء مبعثرة حوله من صندوق خشبيّ، هناك فرشتان: واحدة للأحذية السوداء، والأخرى للأحذية البنية، وخرقة، وعلبة دهان، وأداة لبس الحذاء اللامعة. يضع يده في حذائها، ويجعله مثل القفازات، يضعه في حجره، ويلمّعه كاملًا بما في ذلك الخيط الذي يربط على الحذاء. يقوم بعمل مثاليّ في كلّ مرة.
كانت ترى النساء بوضوح على المنحدرات، بين شجيرات الشاي، يحملن سلالًا مربوطة إلى ظهورهن. كانت الأم تراهنَّ منتشرات، كأشكال صغيرة ملونة بين الصفوف، مثل قصاصات من القماش اللامع عالقة في شبكة خضراء داكنة.
لطالما شجعها زوجها على العثور على أصدقاء، فقد اقترح عليها أن تأخذ دروسًا في الطبخ، وأن تنضم إلى فريق كرة الريشة النسائي. وفي إحدى المرات أحضر إلى المنزل مضربًا ومجموعة من كرات الريشة، لكنها لم تلمسها أبدًا. وفي النهاية كانت ابنتهما من سجّلت في تدريب كرة الريشة. وذات مرة عاد إلى المنزل من العمل وأخبرها عن تخطيط زوجات زملائه لحضور معرض للحرف اليدوية في ساحات القصر، وشجعها على الانضمام إليهن وشراء سارٍ جديد لها. فقد كان لديه استقرارٌ وظيفيٌّ، ويمكنهم الترفيه عن أنفسهم بين الحين والآخر.
“دلّلي نفسكِ”. كانت تلك عبارته لها دائمًا، فقد نشأ فقيرًا، وهي كذلك.
كانت إحدى جامعات الشاي تسير نحوها. مع كلّ خطوة، كانت يدا المرأة تمتدان في كلا الاتجاهين، وتقطفان بعناية الأوراق العليا من الشجيرات وترميها في السلة التي على ظهرها، والتي لاحظت الأم أنها كانت مثبتة على رأسها، إذ يمتد حزام من القماش الأصفر على جبهتها مثل اللجام.
وعندما وصلت المرأة إلى نهاية الصف توقفت.
فقالت الأم بخجل: “مرحبًا”!
خرجت جامعة الشاي ووقفت على الطريق. كانت ترتدي قميصًا رجاليًا مزركشًا، مزررًا حتى الحلق، ولونغي ملون يصل إلى كاحليها. كان ذقنها مرفوعًا بطريقة جعلتها تبدو متعجرفة، لكن ذلك كان بسبب اضطرارها إلى تثبيت رقبتها بقوة لتحمل وزن السلة. لاحظت الأم أن جامعة الشاي كانت تملك يدين صغيرتين وأصابع ناعمة تشبه أصابع الطفل تقريبًا.
فكرت في أيدي الشاي. أيدي الشاي، وأشجار الشاي. لم لا؟
في الماضي كانت الأم بارعة في التحدّث مع النساء مثل هذه، فلمدة عام بعد التخرج من الجامعة، وقبل أن يتصل بها والدها ليخبرها أنه وجد شخصًا لها، كانت تعمل في منظمة غير حكومية. وتسافر بالقطار أو الحافلة من قرية إلى أخرى، لتقدم عروضًا تقديمية عن تنظيم الأسرة، واستخدام وسائل منع الحمل، والأمراض المنقولة جنسيًا التقت نساءً متشددات عاملات يعانين الخجل والشك حتى خرجنَ عن صمتهن في النهاية بسيل من الأسئلة. طرحن أسئلة لا نهاية لها بمجرد أن اعتبرنها جديرة بالثقة. “ماذا لو لم يغتسل زوجي أبدًا؟ هل سأصاب بالعدوى؟ لقد سمعت أنك إذا نمت بطريقة معينة في أثناء العلاقة الجنسية فسيكون طفلك ذكرًا؛ هل هذا صحيح”؟ كانت تناقش هذه الأمور بكل بساطة، وكانوا يستمعون إليها بتركيز، فأصبح هؤلاء الغرباء، إلى حد ما، أخواتها وخالاتها وبنات عمومتها وبنات إخوتها. كانوا يطعمونها ويثيرون الضجة حولها، ويصرون على بقائها طوال الليل، وكثيرًا ما كانت تفعل ذلك، إذ كانت تقبل بابتهاج السرير المصنوع من ألياف جوز الهند المقدم لها. ثم يستمر الحديث لساعات أخرى. وتنضم نساء أخريات بعد أن يطهين وينظّفن ويؤوين أسرهن، وكانت تنظر حولها بكلّ حب إلى هؤلاء النساء، اللاتي عرفن الفقر والموت والعمل البدنيّ بما يفوق أيّ شيء يمكن أن تتخيله، يضحكن ويصرخن كالفتيات.
في ذلك الصباح وقفت تنظر إلى ابنتها في الحمام المشبع بالبخار، وكان وجه الطفلة يشع بالخوف والحرج من التغيرات التي طرأت على جسدها، أما هي فلم تشعر بأيّ شيء.
كان ينبغي أن يكون الأمر معكوسًا، إذ كان يجب أن تظهر أمام النساء بشيءٍ من المهنية، وأن تبدي لابنتها مشاعر الحب والأمومة. ولكن لم يكن الأمر كذلك. كلّ ما استطاعت فعله أنها ساعدتها عندما أخذت علبة الفوط الصحية من الخزانة، وقالت: “خذي…، هكذا تستخدمينها”.
قالت جامعة الشاي فجأة: “نقطة مشاهدة المكان”؟
“عفوًا”؟
“نقطة مشاهدة المكان”. وأشارت جامعة الشاي بإصبعها النحيل: “اذهبي في هذا الاتجاه، وسترين لوحة. يذهب جميع ضيوف المنتجع إلى هناك. إنه مكان مرتفع يطلّ على منظر جميل”.
قالت الأم: “آه، شكرًا لك”!
أومأت جامعة الشاي برأسها ثم عادت إلى الصف التالي. راقبتها الأم وهي تبتعد، ولاحظت الطريقة التي ترتعش بها الشجيرات بعد أن لمستها.
وكما قالت جامعة الشاي كان هناك لوحة، حروف بيضاء متداعية على قطعة من الخشب، وسهم يشير إلى الأعلى مباشرة. كان المسار عاليًا جدًا، أشبه بالسلالم، صعود شبه عمودي مع انخفاضات في التراب، حيث يمكنها تثبيت قدميها. رفعت الحقيبة وهي تشعر بأن محتوياتها تتحرك. قد تكون قادرة على تدبر الأمر، لكن التسلق سيكون أسهل بدون هذا العبء.
أخرجت شطيرة ووضعتها في جيبها، ونظرت حولها بحثًا عن مكان لوضع الحقيبة. ثم تذكرت أنها مرت بشجرة اخترقت جذورها التراب. عادت إلى الوراء بسرعة قاصدةٍ فعل شيء ما. كان اثنان من الجذور قد انضما ليشكلا غرفة متقشرة، فركعت ودفعت الحقيبة في عمقها.
عادت إلى اللافتة وبدأت في التسلق. متكئة على المنحدر، حاولت أن تبقى متماسكة قدر الإمكان قريبة من الأرض. فدائمًا ما كان جسدها يعرف تلك المبادئ القديمة للجاذبية والتوازن، حتى لو لم يكن عقلها على دراية بهم. كان والدها في الشرفة ينظر لأوراقها في مادّتي الفيزياء والرياضيات، إذ دائمًا ما كانت تحصل على درجات متدنية، وكان أبوها يتعجب عند كل إجابة غير صحيحة، ولهذا اختارت تخصص الاقتصاد المنزلي. خسائر الخضار ومكاسبها، والعائد الجزئي من الأعمال المنزلية. ثم الجامعة، سنة في منظمة غير حكومية، ثم الزواج.
أذهلتها قدرة جسدها، فلم يتعثر. وصلت إلى الأعلى، وهي تلهث. كان زوجها سيصر على الصعود أولًا لاختبار الطريق. لو كان هناك في الأعلى، لكان عليها أن تتسلق ووجهه يحدّق بها بتشجيع قلق، ويده ممدودة متوسلة. نظرت إلى الأسفل، كانت المسافة عشرين قدمًا على الأقل، ولو سقطت لن يمسكها أحد. قد تصابُ بالتواء في الكاحل، أو يُكسَر إصبعُها، أو يُخلعُ كتفُها. كانت ستشق طريقها بالرغم من ذلك، سواء كانت تعرج أو تزحف. قد تصادف امرأتين من جامعات الشاي ويعيدانها إلى منزلهم. قد تتكئ على كتف إحدى النساء، وتسير بخطوات متعرّجة، وجسدها متهالك من الآلام، شاعرة بيد جامعة الشاي القوية النحيلة تلك الملفوفة حول خصرها.
كانت نقطة المشاهدة حاجزًا من التراب يطلّ على الوادي، وسياجًا معدنيًا منخفضًا لا يمتد بالكامل إلى أيّ من الجانبين. كان هناك مقعد خشبي، مقشر ومتشقق بحيث لا يمكن استخدامه. كانت هناك سيارة بيضاء متوقفة بجانبها، وظنت للحظة أن زوجها جاء ليجدها، ثم رأت زوجين شابين يقفان معًا عند السياج.
توقفت الأم، أرادت البقاء بمفردها والاختباء عن الأنظار، لكن الرجل لمحها، وقال: “مرحبًا، أليس المنظر رائعًا”؟!
رأتها المرأة أيضًا، ولوحت لها. قالت بمرح: “كانت السماء ملبدة بالغيوم عندما وصلنا إلى هنا، لكنها أصبحت صافية الآن”. كلاهما كانا يتحدثان بلهجة أشخاص ولدوا في أمريكا.
كانا بالطول نفسه متناسقين بوركين نحيلين وأكتاف قصيرة. كانا يتحدثان بحماس، كما لو كانا ينتظرانها. لكن، كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ فهي نفسها لم تكن تتوقع أن تكون هنا.
سأل الرجل: “من أين أتيت؟ تبدين وكأنك ظهرت فجأة. اعتقدت مينا أنه حيوان بري”.
قالت الأم وهي تشير: “لقد جئت من هناك. هناك طريق”.
ضحكت الشابة: “أنا متوترة بعض الشيء. التقينا برجل بالقرب من منتجعنا كان مجنونًا أو في حالة سكر. لا أعلم ما به. على أية حال، تحدّث مليًا عن هذا النمر الذي قتل طفلًا في مكان ما هنا”.
قالت الأم: “طفل”؟
قالت المرأة: “عفوًا ليس طفلًا. كنت أقصد طفل الماعز. آسفة”. ضحكت: “على أية حال، لقد سألنا في المنتجع، وكل هذا هراء. من الواضح أنه كان يروي القصة نفسها لسنوات”.
قال الرجل: “غير مستقر عقليًا”.
قالت المرأة: “مجنون”!
جاءت الأم ووقفت بجانبهما. بعد لحظة من النظرات المتبادلة نظر ثلاثتهم إلى الوادي. وكانت التلال ملبّدة بالغيوم، والبحيرة متلألئة في الأسفل والرياح قادمة.
كانت تشعر بفضولهما حولها، امرأة تمشي وحيدة في التلال، بلا عائلة، ولا تفسير. كانت لغزًا لهما، كانت قصة يرويانها عندما يعودان إلى المنزل: التقينا بامرأة غريبة، تمشي وحدها. وشعرت بالفخر فجأةً لهذه الفكرة.
قال الرجل: “هل يمكنك التقاط صورة لنا”؟
كانت الكاميرا التي مدّها لها صغيرة وفضيّة، ولا تشبه كاميرا “نيكون” (Nikon) الضخمة الخاصة بزوجها. كان يمسك بها بخفة كإمساك أوراق اللعب. أومأت برأسها، وابتسما.
وقف الزوجان أمام السياج الذي وصل إلى ارتفاع ساقيهما فقط.
قال الرجل: “انظري إذا كان بإمكانك إظهار هذا التلّ المرتفع في الخلفية”.
قالت المرأة: “دعها تلتقط الصورة فقط يا عكاش. يتحكم دائمًا في كلّ شيء”.
ضحك الرجل، لكن الأم لاحظت حرجه. أرادت أن تخبرهم أن هذه الإهانات الصغيرة ستصبح هدف حياتهم. الملاحظة المرتجلة، والإطراء المهمل، والشيء المنسي، والتذكرة الخاطئة، والوصول المتأخر؛ ستكون هي الأشياء التي سيهتمون بها، ولن يكون هناك وقت لأيّ شيء آخر.
رفعت الكاميرا. قالت: “تراجعوا إلى الخلف قليلًا”.
أبقوا ذراعيهما حول خصر أحدهما للآخر، بينما كانوا يتراجعون. فكرت الأم “وكأنني أحمل مسدسًا”. قالت: “أكثر قليلًا”.
وقاموا بذلك.
قالت: “لا أستطيع أن أظهر إلا وجهيكما. هل يمكنكما العودة أكثر من ذلك بقليل”؟
كانت أرجلهما الآن تلامس السياج. شعرت الأم بزر الكاميرا متيبسًا تحت إصبعها. قالت: “أكثر قليلًا”.
قالت المرأة بضحكة عصبية: “سوف نسقط”.
“لماذا لا تتراجعين أنت إلى الخلف”؟ تحدّث الرجل بعدوانية طفيفة: “ثم يمكنك إظهار الخلفية”.
بالطبع. الحلّ الواضح. حدقت الأم في الزوجين. كان قلبها ينبض بسرعة لا يمكن تفسيرها. تراجعت وظهر الوادي بأكمله في شاشة الكاميرا، وضغطت على الزرّ.
قال الرجل: “شكرًا لك”! تقدّم وأخذ الكاميرا منها.
أصبحت المرأة ودية مرة أخرى، وابتسمت.
وقالت: “الوضع هادئ هنا. أتمنى لو نتمكن من البقاء لفترة أطول، ولكن علينا أن نرى أقاربي في ولاية كيرلا. عكاش ليس لديه سوى بضعة أسابيع من الإجازة.
قال الرجل: “نقيم في منتجعات كراون. ماذا عنك”؟
وفكّرت الأم في كيفية الرد. قالت أخيرًا: “لا”.
“لا”؟ شعر الرجل بشيء غريب في المرأة. “اعتقدت أن هذا هو المنتجع الوحيد هنا. أين تقيمين”؟
توقفت للحظة. ثم قالت: “في قرية. لدي أقارب أيضًا”.
بدا في حيرة بعض الشيء، ولكن يبدو أنهما صدّقاها. استدارت مينا، وحدّقت في المنظر مرة أخرى، وقالت: “جميل! ثم يجب أن نعود”.
“نعم” وافق الرجل. وقال للأمّ: “وداعًا”!
وأضافت المرأة: “سيكون غروب الشمس رائعًا”!
قالت الأمّ: “نعم. جئت لمشاهدة غروب الشمس”.
كان هذا كلّ ما يتطلبه الأمر، بيان بسيط للهدف. بدت عليهما علامات الارتياح، فقد بدت الآن أقل غموضًا لهما، مجرد امرأة أتت لمشاهدة غروب الشمس. تمنت لو أنها لم تقل شيئًا لتتركهما يتساءلان في حيرة.
ركبا سيارتهما البيضاء. عاد الرجل إلى الخلف، ثم انطلق باتجاه المنتجع. وشعرت بأنهما أخذا وقتًا طويلًا قبل أن يختفيا تمامًا عن الأنظار.
كانت الشابة مخطئة، فلم يكن غروب الشمس رائعًا. لم يكن هناك اللون الوردي الناري والبرتقالي، لم يكن هناك سوى توهّج غير مشوق حتى غربت الشمس خلف التلال.
أدارت الأم ساقيها فوق السياج، وجلست على الحافة. أخرجت الشطيرة من جيبها، التي كانت معدّة من الخبز والجبن دون شكل واضح. فكّت الغلاف البلاستيكيّ الرقيق، ثم أخرجت الشطيرة من الزاوية. فكرت في المنتجع، في غرفة الطعام، حيث توجد قائمة طعام ونادل، وزوج وابنة، وآلاف من الاصطدامات التي يجب الاستعداد لها. مضغت الخبز ببطء. كان الجبن لاذعًا وأدى إلى ألم في أسنانها. ابتلعت وتمنت أن يكون لديها بعض الماء لتشربه بعدها. لا يهمّ، إذ امتلأ فمها ببطء باللعاب، فقد كان جسدها يعرف دائمًا ما يجب فعله.
فكّرت: “يجب أن أعود. يجب أن أعود”. لكنها بقيت حيث كانت.
الفصل الثالث:
بعد ساعتين استيقظت الابنة في الكوخ الخامس. حلّ الظلام، وكانت أغطية السرير مبللة، وملابسها كذلك مبللة. هل تبولت؟ ثم تذكرت دورتها الشهرية. قفزت من السرير وهي تلهث، وانتزعت الغطاء الذي كانت به بقعة كبيرة داكنة تشبه فمًا يصرخ. سحبت الغطاء إلى الحمام، وأغلقت الباب. ملأت دلوًا بالماء الساخن، ووضعت فيه الغطاء الملطخ بالدماء، وانتزعت سراويلها القصيرة وملابسها، ووضعتها في الدلو أيضًا. جلست القرفصاء على البلاط البارد، ترتعش، حتى استعادت عافيتها، ثم خرجت على أطراف أصابعها لتجلب ملابس جديدة وفوطة جديدة، على أمل ألّا يدخل أحد.
وبعد أن نظّفت البقعة قدر ما استطاعت، ذهبت للعثور على والدها. كان يجلس في المطعم يشاهد التلفاز المثبت على الحائط. كان أمامه كأسٌ فارغٌ، وطبقٌ به بقايا الفول السوداني والبصل المبشور.
قال: “لقد استيقظتِ. هل تشعرين بتحسن”؟
سألت الابنة: “أين أمي”؟
سأل: “هل تريدين بيبسي”؟
سألت مرة أخرى: “لا. أين أمي”؟
قال والدها: “تمشي”. بدا متعبًا جدًا: “إنها لا تزال تمشي”.
قالت بسرعة: “أبي، ماذا عن النمر”؟
رمش والدها.
وكررت: “النمر. أخبرنا ذلك الرجل عنه، أتذكر؟ ماذا لو أن أمي…”.
قطعت كلامها، غير قادرة على التفوه بباقي الجملة.
تغير وجه والدها من شدة الخوف لبرهة، ثم رجع لطبيعته: “لا تتفوهي بالترهات يا صغيرتي. ذلك الرجل لم يعِ ما يقوله. ليس هنالك أي نمر”.
“ولكن ماذا لو…”؟!
قال بطريقة متذمرة: “يجب أن تستمتعي. هذا هو الغرض من هذه العطلة. لماذا لا تذهبين وتلعبين تنس الطاولة؟ أو اذهبي وابحثي عن الأرنب”؟
“لكن يا أبي، ماذا لو…”؟
وفجأة ترنح واقفًا على قدميه: “حسنًا. هل تريدين مني أن أذهب للبحث عنها؟ هل هذا ما تريدينه؟ هل تريدين مني أن أعيدها؟ حسنًا، سأذهب”!
“ليس لديها حتى مصباح” همست الابنة، وبدأت تشعر بالخجل من اندفاعها. وتخيلت والدتها في كوخهم لاحقًا، وهي تحتسي كوبًا من الشاي الساخن، وتستمع إلى الحكاية الطويلة، وتقول: “كنتِ خائفة من أن أتعرض لهجوم من قبل نمر، وكنتِ تعتقدين أن والدك سيكون قادرًا على إنقاذي، كيف سيفعل ذلك؟ سيحارب النمر بيدين خاليتين”؟!
قال والدها بطريقة غير منطقية: “لا يهمّ. بمصباح أو دون مصباح، سأجدها”.
شقّوا طريقهم إلى بوابات المنتجع.
وأمرها: “ابقي هنا، لا أريدك أن تمرضي مرّة أخرى”.
مشى بعيدًا في الطريق بثبات إلى حدٍ ما. عند مفترق الطرق، رأته الابنة يتوقف. أدار رأسه في اتجاه واحد، ثم في الاتجاه الآخر.
لم تكن تعرف ماذا تفعل، فتوجهت إلى النادي. في غرفة تنس الطاولة كانت الشبكة ممزّقة، والمضربان ملتصقان بعضهما على بعض بسطحهما المطاطي المقشر. لم تكن هناك كرات. كان جوّ الغرفة يشبه جو قاعة ولائم بعد انتهاء مأدبة. مشت إلى الجانب الآخر محدقة في الجدران الإسمنتية غير المطلية.
ثم سمعت صوتًا واستدارت لترى الصبي الذي يرتدي الزي الأزرق، وهو الصبي نفسه الذي قادهم إلى كوخهم. كان يحمل مضربًا في كل يد، وكان ينظر إليها.
سألها: “أتريدين أن تلعبي”؟
“إنها متقشرة”، أشارت إلى المضربين: “ولا توجد كرة”.
“حسنًا”. أسقط المضربين على الطاولة محدثًا صوتًا قويًا أفزعها. وسألها: “ماذا تفعلين هنا إذا كنتِ لا تريدين اللعب”؟
هزت كتفيها: “لا شيء. ما الذي تفعله أنت هنا”؟
قال: “أنا في وقت استراحتي من العمل”. أثارت هذه العبارة إعجابها بتأثيرها فسألها: “أين أمكِ وأبوكِ”؟
قالت بسرعة: “في الكوخ”. رغم صغر سنها، كانت تعرف كيف تكون متكتّمة. ثم غيّرت الموضوع، وقالت: “هل لا يزال الأرنب هنا”؟
أجاب الصبيّ بسرعة: “نعم، هل تريدين الذهاب واللعب معه”؟
كان هدفها إلهاءه فقط، لكنها اكتشفت فجأة أنها تريد رؤية الأرنب. أرادت أن تضم جسده الناعم، لتداعب أذنيه الطويلتين.
فغادرا النادي، وعبرا الحديقة إلى القفص، الذي كان مجرد سياج كبير مربع من الأسلاك بأرضية من القشّ.
أطلت الابنة، وكان هناك شيء أبيض ملقى على الأرض.
“هل هو نفسه الذي كان هنا العام الماضي”؟
قال الصبي: “نعم، لماذا”؟
“يبدو مختلفًا”.
“هذا هو نفسه”. وفتح البوابة: “لنذهب إلى الداخل”.
أرادت أن ترفض، ولكن بعد فوات الأوان. تبعته إلى القفص، فاصطدمت قدمها بوعاء ماء معدني طفت فيه عدة حشرات ميتة. وسقطت عليها بعض قطرات الماء، واضطرت إلى كتم صرخة الاشمئزاز.
وقفا هناك معًا ونظرا إلى الأسفل.
سألها الصبي: “ألن تأخذيه”؟
“ماذا”؟
“الأرنب. أردت أن تلعبي معه. ألن تأخذيه”؟
كان يراقبها، وبدت معترضة. ولم تكن هناك طريقة لتجنب ذلك. شعرت بموجة من الغضب الشديد، حتّى أنها كانت متأكدة من أنها تستطيع قتله، لو كان معها سلاح.
بدا لها الأرنب غير الذي تعرفه، فقد بدا قبيحًا.
انحنت ووضعت يديها تحت جسد الأرنب: “اشش”، قالت وهي تحاول أن تبدو قادرة على حمله بارتياح. رفعته، وأبعدت وجهها عن رائحة فرائه الساخنة.
وكأن الأرنب شعر بعدم رغبتها في حمله، فبدأ يتلوى بجسده.
“ماذا تفعلين”؟ خطا الصبي خطوة نحوها: “أنت تحملينه خطأً”.
قالت: “لا، أعرف ما الذي عليّ فعله، لا بأس”!
بدا وكأنه يريد أن يعارض ما قالته، لكنه توقف حيث كان.
قالت الابنة للأرنب: “اشش، لا تقلق، اشش، لا بأس”!
لكنّ الحيوان ظلّ يتلوى ويخربش، وارتعاشات الخوف امتدت عبر فرائه. أحكمت ذراعيها حول قفصه الصدريّ؛ وهو ما زاد من استياء الأرنب.
كرر الصبي: “أنت تؤلمينه”. خطا خطوة أخرى، وهذه المرة بدا غاضبًا.
وصرخت في وجهه: “لا، لا بأس. ابقَ هناك”.
ولكنه استمر في التقدم كما لو أنه لم يسمع ما تقول.
عندها فقط، كان الألم شائكًا في يدها. نظرت إلى الأسفل بذهول لتجد بقعة صغيرة من الدم غرست فيها أسنان الأرنب.
كان الصبيُّ قريبًا جدًا منها. في أي لحظة، ستلمس أصابعه بشرتها.
لذلك فعلت الشيء الوحيد الذي يمكنها التفكير فيه، والذي كان في الحقيقة كلّ ما أرادت فعله منذ البداية. تراجعت خطوة إلى الوراء، وألقت الأرنب بكلّ قوتها عليه. للحظة وقفت هناك، غير مصدقة، تراقبه وهو يطير، وتراقب الصبي وهو يرفع ذراعيه، على الرغم من أنها لم تستطع معرفة ما إذا كان سينقذ الحيوان أم ينقذ نفسه.
ثم ركضت.
