“ستيف”!
صادفها الصمت.
“ستيف”!
كان صوتها الصغير مصرًّا وغاضبًا.
“ستيف”!
لم ينظر إلى الأعلى .
هتفت: “ستيف… ستيف… ستيف”!
الوقت مبكّر؛ دائمًا ما يكون الوقت مبكرًا.
ضحكت ابنته كارتر: “أنت ستيف”!
لم يعدْ مهمًا أن اسمه هايدن، يودّ ببساطة أن يُنادى والدي، أو أبي، ولكن منذ عيد ميلادها الثالث قبل أسابيع أصبحت كارتر عنيدة، أو مصرّة بقوّة على أن تناديه “ستيف”، اعتمادًا على وجهة نظره. في البداية رفض هايدن أن يُطلق عليه اسم ستيف، إذ شعر بالرعب من مقارنته بالأحمق صاحب قناة اليوتيوب للأطفال، الذي يزداد تساقط شعره ووزنه في كلّ مقطع جديد. استسلم هايدن فور أن أدرك أن التزام كارتر ازداد بأيّ تعبير عن الإحباط يصدر عنه. وعلى أية حال لن تفكر الطفلة في الأمر على أنه تنازل يوميّ عن هويته؛ أليس كذلك؟!
تتراقص حبيبات الغبار في الضوء المتسلل عبر نافذة غرفة المعيشة، فيلوّن الأرضية الخشبية القديمة بالأشعة الذهبية. يتخيل هايدن الشمس كثقب صغير في فوّهة بعيدة. يغلق عينيه، بينما تنام زوجته هانا في الغرفة المجاورة (كلّ غرفة في شقتهم الصغيرة هي غرفة مجاورة). منذ أن كان عمر كارتر تسعة أشهر، كان هايدن هو من يستيقظ معها كل يوم، ويراقبها حتى وصول المربية. وظيفة هانا صعبة، وأكثر أهميةٍ وربحيةٍ من وظيفته. الصباح هو مناوبته، حصّته من اتفاق السلام بين الأبوين. الصباح هو اختبار لصبره، لعدم الاستسلام لعدّ الدقائق حتى انتهاء المناوبة وليحاول أن يكون حاضرًا ومركزًا مع ابنته.
“أب”! أدركت كارتر ما كانت ستقوله وتراجعت لتقول: “ستيف”! توقفت عن الكلام مؤقتًا، واتكأت للوصول إلى أسفل الأريكة وأمسكت باللعبة الجديدة التي أرسلتها خالتها منذ فترة بسيطة، لوحة رسم مضيئة يصعب تنظيفها، قائلةً: “هيا نرسم”!
“نرسم، الآن”؟! إنه متعب، “لماذا”؟
“لأن…” نطقت كلمة “because” وكأنها تقول “peecuz” – لثغة مميّزة في حديثها يعلم بأنه سيفتقدها لاحقًا. أبعدت خصلة من شعرها عن وجهها بكفِ يدها، ومدّت بيدها الأخرى قلم تحديد بلون الخوخ.
رفع نفسه ليجلس وهو نادمٌ على سؤاله: “بالطبع. ماذا نرسم”؟
“أنت ارسم شيئًا”! مررت كارتر القلم له.
أخذه من عندها، بينما بدأت هي بإطفاء ضوء الخلفية وإعادة تشغيله، في أثناء التحديق في يده. فتح القلم، ووضع طرفه على اللوحة، ثم رفعه بسرعة مرّة أخرى.
“لم لا يا ستيف”؟
حدّق في لوحة الرسم مرة أخرى. هناك خطوط ملطّخة على طول اللوحة البلاستيكية. مرةً أخرى لا يستطيع التفكير بشيء لرسمه.
على أريكة غرفة المعيشة خلال الليالي الطوال تقتصر أنشطة هايدن على تلك التي لا تتطلّب الضوء، خشية أن يصل الوهج عبر الفجوات الموجودة في ستائر كارتر المعتمة على بابها الفرنسيّ وتوقظها. لم يحدث هذا أبدًا، ولكن في حالة حدوثه -وهو أمر غير مرجح- فسيمثّل ذلك مشكلة كبيرة.
ترك ذراعه الليلة تتدلى من جانب الأريكة. شعر بشدّ عضلات صدره، وهو بمثابة تذكير بأنه يجب عليه ممارسة الرياضة، وذلك تذكير يتجاهله. فكّر في الاستماع إلى الموسيقى أو قراءة الأخبار على شاشة هاتفه الخافتة، لكنّه لم يتحمس لأيّ من الخيارين. على الأرض، تحت أصابعه، شعر بشيء ناعم يلامسه، فتبين أنه قلم من لعبة كارتر. رفعه وأداره بلطف بين أنامله ودرسه عن كثب في الظلام.
استدار ليتكئ على الوسادة، والدم يتدفق إلى رأسه، مدّ يده إلى الأسفل وهو يسحب لوحة الرسم. لن يشعل الضوء بالطبع، لكن بصره تأقلم مع الظلام. يبدو السطح نظيفًا في الظلام، رغم أنه يعلم أنه ليس كذلك، تمامًا كما تبدو الجدران الإسمنتية في المدينة أحيانًا نظيفة في الليل. عندما كان أصغر سنًا، أصغر بكثير، أحب منظر جدار الزقاق تحت ضوء القمر: الحبوب الناعمة من الإسمنت أو الملاط الخشن، ورائحة رذاذ الطلاء التي تملأ أنفه. عندما بدأ في الرسم على الجدران لأوّل مرّة، استخدم قفازات مطاطية لإخفاء آثار جريمته، وتوقف عن ذلك في النهاية، لأنه استمتع بوجود الألوان على أصابعه في صباح اليوم التالي: أحب خدشها لإزالتها. إذا أمضى وقتًا كافيًا وهو يرسم العلامة الخاصّة به على الجدران فإنه يرى في اليوم التالي بقعًا ملونة من الشعر الموجود في أنفه.
فتح هايدن القلم. بدأت الحروف تتدفق بسلاسة. الكلمة مألوفة أكثر حتى من توقيعه “Moat”. يتبع الخط المائل من الحرف “M” إلى “o”، ويتبع امتداد الحرف “o” ليشكل حرف “a”، ويتتبع ذيل الحرف “a” وهو يمتدّ لأعلى، ليشكل الحرف “t”، كلمة استغرق شهورًا لإتقان كتابتها بالحروف المتصلة. درس هايدن العلامة في عجب – علامته – التي لم يكتبها منذ أكثر من 20 عامًا. عندما كان مراهقًا، كان اختيار الكلمة عشوائيًا كمن جمال العلامة في كيفية ارتباط كل حرف. يعتقد أن العلامة الآن مصقولة أكثر وأكثر دقةٍ مما كانت عليه من قبل، منسقة وحيوية. تأمل بإعجاب في قدرة عقله على التذكر، في مدى قوّة الذاكرة العضلية.
نهض من الأريكة، ومشى بخطوات صامتة إلى الحمام، واضعًا اللوح تحت ذراعه، والقلم في يده. أغلق الباب بحذر. شعر ببرودة مقعد المرحاض من خلال سرواله القصير. أشعل ضوء اللوح، وتخيل لوحة إعلانية على طول الطريق السريع، مضاءة تحت سماء كثيفة، وجدار فارغ مطلي حديثًا. لقد سيطر عليه الخوف ذات مرة، الخوف من الشرطة، ومن منافسيه في الرسم على الجدران، ومن أولئك الذين لا يخافون، لكنه تذكر الآن السرعة التي كان يرسم بها تلك الحروف السوداء اللامعة على طول الجدار، أو السقف، أو صندوق البريد.
بلّل بعض المناديل الورقية، وبدأ بالخربشة والمسح، ثم الخربشة والمسح. ملأ اللوحة، ولم يختلف الأمر كثيرًا عن الطريقة التي يقضي بها أيامه، كفنان إنتاج يرسم رقميًّا ليحسن عمل الآخرين. لكن هذا كان مختلفًا، إذ أذهله مدى عدم حاجته إلى التفكير عند رسمه لعلامته، والمصطلح الفني لذلك في عالم الرسم على الجدران هو “getting up” (أيْ: النجاح). هذه العلامة تمثله، ليست الكلمة نفسها بقدر طريقة رسمها والتعبير عنها.
سمع هايدن صوتًا من خلف الباب المغلق. ظلّ ساكنًا، وأدار رأسه للاستماع للصوت. رأى ظلًا يتحرك على طول الجدار من خلال زجاج الباب البلّوري، ثم سمع طرقًا على الباب.
شعر بالذعر، وقال: “أنا هنا”.
“هل أنت بخير”؟ سمع صوت هانا المكتوم من خلف الباب.
“أنا…” – قد تتخيل أن معدته تؤلمه، لكن الجلوس في المرحاض مع لوحة الرسم الخاصة بابنته إلى حدٍّ ما أسوأ وأكثر إثارة للقلق – “لقد انتهيت تقريبًا”، قال أخيرًا، وهو يراقب شكلها الضبابي:”أحتاج إلى الحمام”.
“ثانية واحدة”. فتح هايدن الصنبور ووضع اللوح بعناية في حوض الاستحمام، سوف يخرجه من الحمام في الصباح عندما يستيقظ مع كارتر.
فتح الباب وابتسم لهانا، بقصة شعرها الجديدة الأقصر بكثير، تصل لذقنها، والأكثر جاذبيةٍ؛ بسبب استحالة ترتيبها. وبينما كان يحاول المرور مدّت يدها وأمسكت بساعده. سحبته للخلف وقبلته بلطف، وأغلق عينيه طبيعيًّا.
لقد كانوا يواجهون مشكلات في الآونة الأخيرة، خاصةً بعد الولادة.
“هايدن، أنا أحاول”.
إن جهدها يحتاج إلى التأكيد يزعجه – وأن هذا الجهد مطلوب على الإطلاق يزعجه أكثر.
وهو يعلم أن هذا ليس عادلًا، ومع ذلك فهو يبتعد عنها.
من الغرفة المجاورة يأتي ضجيج قد يدل على استيقاظ كارتر. حاول الإنصات ولم يسمع شيئًا آخرَ. نهضت هانا وذهبت إلى المطبخ المظلم لتفتح الثلاجة، وأخرجت وعاءً صغيرًا من عصير البرتقال، شربت المشروب وتلألأت شفتيها بلب البرتقال.
في الصباح كانت السماء ممطرةً. صوت المطر وهو يسقط على الجزء الخلفيّ من المكيّف مزعج وعالٍ. بطريقة ما، عندما يهطل المطر، تبدو الشقة أصغر حجمًا،. يحدّق هايدن في كارتر، وفي سرة بطنها التي تشبه الحمّص، بينما يتكئ على رجليه ويديه – تريد كارتر أن تركب على ظهره ليتجول بها في غرفة المعيشة مثل الحصان.
“ستيف، انحنِ أكثر”!
تساءل: أيُّ مصير أسوأ؟ أن يكون حصانًا أم ستيف. الجواب بالطبع لا يهم، سيكون كليهما، سيكون أيّ شيء تريده أن يكون.
يداها دافئتان على رقبته، ووزنها عزاء له. ذات مرة عندما كانت تعاني حمى شديدة، جلس معها على كرسي هزاز بينما نامت على صدره لساعات.
“انطلق”!
وبينما كانوا يقتربون من المطبخ طَرق أحدٌ ما الباب الأماميّ. أخذت كارتر نفسًا عميقًا بطريقة تمثيلية ، وتنفّس هايدن الصعداء عندما نزلت عن ظهره. سرعان ما وضع قميصها فوق رأسها، واقتربا من الباب في الردهة بحذرٍ هزليٍّ.
“بابا هايدن، كيف الحال”؟ إنه توني، جارهم في الطابق العلويّ، الذي يربط شعره الطويل الداكن في تسريحة ذيل الفرس، بشكل يتناسب مع لحيته الكثيفة. في بهو المبنى السكني يقف خلف توني ابنه ماركوس، وهو أصغر من كارتر بثلاثة أشهر، ينشغل بتقييم الدراجات المتوقفة أسفل الدرج. ركضت كارتر وهي تصرخ باسمه مرارًا.
“كيف الحال يا بابا توني”؟ استصعب هايدن هذه التحية في البداية، لكنه الآن يحبها.
“نحن ذاهبون إلى المستودع. هل تريدان الانضمام إلينا”؟
يُعدّ مستودع توني، حيث يدير شركة توصيل صغيرة، خيارًا لترفيه الأطفال في الأيام الممطرة.
“تحتاج إلى التحقّق مع الرئيس”؟ قال توني مازحًا وهو يشير بذقنه إلى شقة هايدن.
في صباح هذا السبت، ستكون هانا ممتنة لبضع ساعات إضافية من النوم. يشير الطقس على هاتف هايدن إلى هطول الأمطار طوال اليوم، “أعطني بضع دقائق لأحزم الحقيبة”.
يعرف هايدن أن اسم توني ليس توني حقًا من الملصقات الموجودة على صناديق أمازون في الردهة. يعود أصل توني إلى قيرغيزستان، ويتحدّث الإنجليزية بلكنة ثقيلة، ولكن جيّدة جدًّا. زوجة توني، وهي امرأة ألبانية، أعطته اسمًا أمريكيًا للسهولة، رغم أنها لم تفعل الشيء نفسه لاسمها.
ذهبوا إلى المستودع في شاحنة توني، والتي يشير إليها ماركوس وكارتر الآن باسم “البروم – بروم”. هايدن لا يمتلك “البروم – بروم”، وقد ذكّرته زوجته وابنه مؤخرًا بالحاجة إلى “البروم – بروم”.
“انظر يا ستيف”! تشير كارتر من النافذة.
يرى هايدن من خلال النافذة المغطاة بقطرات المطر برج المياه من بعيد. تلاحظه كارتر في كل مرّة يمرون فيها عبر الطريق السريع. عندما رأته لأول مرة، وصفته بأنه لعبة صاروخ.
قالت: “انظر إلى برج المياه يا ماركوس”! نهض ماركوس من مقعده وهو يصرخ من شدّة الحماس. أدار توني رأسه وابتسم في أثناء تدخينه سيجارته الإلكترونية.
يتسرّب الماء باردًا من زوايا أسقف المستودع، وهو مشوب بخليط من الخشب والصفائح المعدنية. أغرت جميع المواد والأجهزة الغريبة كارتر، الدعامات والمشابك اللامعة والمسامير بحجم المصابيح الكهربائية. توجد كومة شاحبة من العوارض الخشبية عرضها بوصتان وعمقها أربع بوصات بجانب أحد الرفوف، ويفكر هايدن في الزلاجة التي صنعها توني لماركوس في الشتاء الماضي، طويلة ومتينة مع مقاعد منحنية ومريحة. كان هايدن قد اصطحب ماركوس وكارتر إلى تلة بعد ظهيرة أحد أيام الدراسة الملغاة بسبب الثلج، وأوقفه آباء حسودون يحملون زلاجات أطفالهم الواهية.
على الرفِ السفليّ رأى هايدن صندوقًا صغيرًا من رذاذ الطلاء مغطّى بقماش شفاف. اتكأ ومرر إصبعه على طول العلبة، الحافة المعدنية المنحنية صدئة. كانت من مثل ماركة الطلاء الشهيرة التي استخدمها عندما كان طفلًا، والعلب التي كان يشتريها بمصروفه، بينما كان يدّعي سرقتها لأصدقائه.
اقترب منه توني قائلًا بصوته العميق والخشن: “كان علينا أن نصنع حاويات شحن مخصصة. أراد عميل ثري أن تكون شحناته في صناديق سوداء، سوداء كبيرة. كان طلاؤها برذاذ الطلاء أسهل. أمضينا أسابيعَ طويلةٍ في بنائها. هذا العميل مخلص لنا، لذلك لم أسأل عن سببه”.
وقف هايدن ببطء؛ وركاه ضعيفان.
“هل تريدهم أيها الرجل العجوز”؟ دفع توني علبة رذاذ الطلاء بطرف حذائه، “لم نستخدمها منذ ذلك الحين”. كلّما لاحظ توني أن هايدن لاحظ شيئًا ما عرضه عليه، بغض النظر عن السعر أو القيمة الظاهرة. في الماضي شمل ذلك سماعة الواقع الافتراضي وكرسيًا يعود لمنتصف القرن. يتخيل هايدن أن هذه التصرفات تتعلق بالثقافة القرغيزية بطريقة أو بأخرى، فهي تقاليد العالم القديم، وهي غير أمريكية بوضوح.
“لا، أنا…”. توقّف هايدن: “كنت أرسم برذاذ الطلاء – الرسومات الجدارية – على الجدران عندما كنت أصغر سنًا”!
قال توني: “كان السوفييت يكرهون الرسم على الجدران في بلدي، كان أخي يكتب اسمه على سريره مرارًا، ودفع ذلك والديّ إلى الجنون”. تبسّم وأطرق بنظره إلى الأرض، وهزّ رأسه كما يفعل كلما تذكر شقيقه الأصغر، الذي سمّاه ماركوس على اسمه، وأضاف: “لماذا توقفت”؟
يظنّ هايدن بأن الإجابة الصادقة قد تجعل توني يسخر منه. الرسم على الجدران برذاذ الطلاء أمر محفوف بالمخاطر، بكلّ معنى الكلمة؛ تعرض الأطفال الذين عرفهم عندما كان صغيرًا للهجوم أو السجن بسبب الرسم. “أعتقد أنني كبرت فتوقفت”.
“هل تعرف بودلير، الذي قال إن العبقرية تعني استعادة الطفولة متى شئت. يجب أن تستمرّ”.
عادةً ما كان هايدن سيسخر من نصيحة توني، وسيتّهمها بالسطحية، لكنه اقتبسها من بودلير، لم يقرأ هايدن لبودلير قطّ.
صفق توني بيديه وقال: “من يريد أن يرى سحرًا”؟
رقص الأطفال في دوائر ضيقة هاتفين: “أنا، أنا، أنا”. أعطاهم توني سدادات الآذان التي تشبه حلوى الذرة، وهو يضع نظارات السلامة حول رؤوسهم الصغيرة المستديرة. حذرهم من أن يتراجعوا، طلب ذلك من هايدن أيضًا، وهو يخفض أسنان الشفرة الدائرية على قطعة من الأنابيب. انطلقت الشرارات إلى الأعلى مع تصاعد الدخان من المعدن. لمعت عينا كارتر، والشرار يمرّ بعينيها، مالت نحو الأمام، ويداها على ركبتيها.
قالت هانا: “إنه أمر منطقي، منطقيّ ماليًّا”.
لقد تأخّر الوقت – دائمًا متأخر – وقد عُرضت عليها ترقية أخرى. تجلس هي وهايدن على السرير، جنبًا إلى جنبٍ، لا يواجه أحدهما الآخر. كلاهما ينظر للحائط، كما لو كانا ينتظران أن يعرَض شيئًا ما على سطحه.
“أنا فقط أطلب منك أن تكون منفتحًا للفكرة”.
صحيحٌ أنهم سيوفرون المال إذا قلص هايدن من وقت عمله – لم يعودوا بحاجة إلى مربية راتبها عالٍ بدوام كامل، وسيمكنه ذلك من اصطحاب كارتر من الحضانة في فترة ما بعد الظهيرة.
أجاب هايدن: “لا يمكن أن يكون المال هو السبب الوحيد”.
“لماذا ارتبطتَ بعملك فجأةً”؟
ارتباطه ليس بالوظيفة نفسها، بل بما توفره من تسلية وتمضية للوقت. لم يكن من المفترض أبدًا أن يكون فنان إنتاج لهذه الفترة الطويلة؛ كان العمل في وكالة إعلانية بمثابة فترة مؤقّتة.
تساءلت: “هل تريد أن تعيش في هذا الصندوق إلى الأبد”؟
استدار نحو النافذة، متخيلًا شجرة المنغوليا على وشك الازدهار في ساحة شخص آخر. ربما لم يكن مستعدًا بعد للتفكير في الانتقال أو شراء منزل بالدرجة نفسها من الإلحاح.
“نحن بحاجة إلى مساحة أكبر”، قرّبت أصابعها منه: “وإلى جانب ذلك، تحبّ كارتر أن تقضي وقتها معك”.
“بالكاد لديّ أيّ حرية متبقية للتخلّي عنها”. شعر بالشفقة وهو يتوسل إليها:”ستفعل ذلك من أجلنا”.
تساءل إن كان أنانيًا، وتذكر عندما بدأ الذهاب إلى العمل مرّة أخرى بعد إجازة الأبوة، كيف بدأ يشعر بصباح يوم الاثنين وكأنه ليالي الجمعة، زاخر بالوعود.
“بهذه الزيادة في الراتب سنحصل على الدفعة الأولى التي نحتاج إليها للانتقال في ستة أشهر”.
إنه يخسر الجدال. يمكنه أن يشعر بذلك. لقد كان خاسرًا حتى قبل أن يفتح فمه. فركت فخذه وكأنها تعامل طفلًا صغيرًا، رغم أنه يعلم أنها تبذل قصارى جهدها.
“ستحصل على لحظة تميزك”.
“تعترفين إذن أن اللحظة ليست مواتيةً الآن”، خرج الصبر والهدوء من نبرة صوته: “لا تعلقي الأمل في مستقبل أفضل أمامي. إنه مثير للشفقة”.
فقدت لهجتها دفأها السابق: “مثير للشفقة لك أو لي”؟
تجلس كارتر على أكتاف هايدن، وساقاها الرقيقتان تتدلّيان على صدره. في أثناء مغادرتهم المبنى السكنيَّ، مدّت يدها لتمسك بعمود معدنيّّ في السقالة أعلاه. ضبط توازنه تحت حركة وزنها المتغير.
قالت وهي تلتوي مرة أخرى: “ستيف، إنه ماركوس”!
تومض شاحنة توني المتوقفة أمام سيارة أخرى أسفل المبنى بأضواء التحذير، يجلس ماركوس بمفرده داخلها يتناول حلوى الديدان، وتتدلى قدماه خارج السيارة من بابها المفتوح. وهذا يعني أن كارتر سترغب في الانضمام إليه.
سأل هايدن ماركوس: “أين أبوك”؟
“سوف يعود بعد قليل”. مدّ ماركوس دودةً نصفها أصفر ونصفها الآخر أخضر، ومدّت كارتر يدها له.
نادى توني كارتر بلطف، وهو يقترب من الشاحنة، ورحب هو وهايدن أحدهما بالآخر بتلامس قبضتيهما: “اجلس في مقعدك يا ماركوس”، قال توني ملتفتًا لهايدن: “هل تريدان الركوب في “البروم – بروم”؟”
بعد إيصال الأطفال إلى الحضانة أراد توني أن يُري هايدن شيئًا ما. عادوا إلى الشاحنة، وعرض عليه توني اصطحابه إلى وسط المدينة، إلى مكان عمله بعد ذهابهم إلى المكان الذي يريد أخذهم إليه. لاحظ هايدن الآن فقط وجود علب رذاذ الطلاء أسفل مقعد الراكب الأماميّ، ملصقاتها أكثر لمعانًا من ذي قبل. يعتقد هايدن أن توني نظّفها. رفع واحدةً وأطال النظر في الغطاء المخطط الصغير، ومرر إصبعه على المنحنى.
أمر توني هايدن بإخراج العلب معه بينما يوقف هو السيارة. تجاوزوا مستودع توني، والتفوا حول الزاوية عبر زقاق. فتح توني بابًا بلون الطين.
“أحد جيراني”. قال توني وهو يدخّن بالسيجارة الإلكترونية: “مصمم مواقع تصوير أفلام، لكنّه ترك المكان مبكرًا. سمح لي باستخدامه لمدّة شهر آخر تقريبًا. سوف ينظفون المكان بعد أن ننتهي”.
المستودع ضخم، جدرانه إسمنتية ملساء، فارغة إلا من بعض الملاحظات والقياسات المحددة بقلم الشمع.
قال توني، وهو يومئ برأسه إلى الحائط: “أرني”!
“ماذا أريك”؟
“أريد أن أرى كيف ترسم”.
“هنا”؟ اعترض هايدن: “هل أنت متأكد من أنه يمكننا فعل ذلك”؟
ضحك توني ضحكةً صاخبةً، تكاد أن تكون قاسيةً بينما يتردد صداها. اتكأ هايدن بجانب العلب، مثل لاعب غولف يستعد لضرب الكرة. رفع واحدةً منها وهزها، فتصطدم الكرة بالأطراف المعدنية داخل العلبة. أرسل الصوت القشعريرة عبر ذراعيه ورقبته. نسي مدى احتياجه إلى الوقوف بالقرب من الحائط، ليمرر كفه على الحائط، ويفرك الغبار بين أصابعه. رش خطًّا أسودَ بسرعة شديدة. الرائحة قوية وواسعة الانتشار. تذكر عندئذ أغطية الرش الخاصة التي طلبها من مجلة الرسم على الجدران عندما كان طفلًا. في الليلة التالية من وصول الفوهات الصغيرة المسطحة تسلل إلى جسر قريب كان مغلقًا للبناء. لم يدرك أنه يجب عليه العودة إلى المنزل، بعد ساعاتٍ من ملء الأعمدة الإسمنتية الضخمة للجسر، إلا عندما رأى السترة اللامعة لعمال البناء مع شروق الشمس.
التفت لينظر إلى توني، وتراجع خطوتين إلى الوراء.
سأل توني وهو يميل رأسه: “ماذا كتبت”؟
“Moat”.
“أيْ قلعة”؟
أومأ هايدن بنعم.
كتّف توني ذراعيه، وقال: “استمرّ”.
كانت الجدران شاسعة تكتسب الأسطح معنى جديدًا ما أن تصبح متاحة له. يسترجع هايدن ذاكرة التجربة. إنه مثل رؤية العالم بتردد جديد، مثل ملاحظة بُعد سري لا يستطيع الوصول إليه سوى عدد قليل جدًا من الأشخاص.
بدأ يكمل ما كان يفعله. ضغط الغطاء وحرك يده ببطء، وهو ما يسمح بتكوين القطرات، بينما حرك الغطاء بعيدًا عن الجدار من أجل كتابة أحرف سميكة ومنتشرة. تمتلك كلّ صياغة لكلمة (moat) سماتها الخاصة والمميزة وسط التوحيد الظاهريّ للنمط. بعد الرسم على صفٍ كامل أراد هايدن ملء الجدار بأكمله من الأرض إلى السقف.
حرص توني على تسهيل العملية، وخرج راكضًا ليجلب سلمًا من مستودعه. عمل هايدن عموديًا ببطء لملء الجزء العلوي من الجدار. عندما خرج توني مرةً أخرى للتحدث مع أحد سائقيه، أدرك هايدن أنه الآن تأخر عن العمل، ولا يكلف نفسه عناء إخراج هاتفه لإرسال بريد إلكترونيّ.
توقف وحرك السلم جانبًا، وسار إلى الخلف نحو الجدار المقابل لينظر إلى إنتاجه. تحرك نحو مركز المكان، مركزًا على عمله. جعلته الرائحة يشعر بالدوار لفترة وجيزة. نظر للأسفل إلى جانبه، ويداه مغطّيتان باللون الأسود.
قالت: “لا أستطيع أن أبقيهم ينتظرون إجابتي”.
يعرف هايدن أنه بالغ في إصدار قراره: “حسنًا”.
“حسنًا؟ ماذا تعني حسنًا”؟
مررت هانا يدها عبر شعر كارتر، التي أدارت لوحة الرسم إلى الجانب الأيمن لدراسة رسمتها الأخيرة. يجلس الثلاثة في غرفة المعيشة؛ وهو ما يضفي على المحادثة طابع الاجتماع العائليّ..
أجابها: “وافقي، سوف أقلل من وقت عملي. يبدو الأمر معقولًا”.
“إذن لماذا تبدو محبطًا”؟
“أجبت بالموافقة”!
“لا أريد أن يكون “حسنًا”، أريدك أن تكون سعيدًا! لي على الأقلّ”.
أدارت كارتر رأسها قليلًا لتنظر إلى هايدن، ثم عادت للتركيز في لوحة الرسم. لقد كان يتوقع دائمًا أن تغيره الأبوة، وقد حدث ذلك حقًّا، لكنها لم تتمكن أبدًا من التغلب على ذواته الأخرى.
تابعت هانا: “أعلم أنك تعتقد أن هذا يتعلق بمسيرتي المهنية فقط، لكن الأمر ليس كذلك. لقد فكرت مليًا فيما يعنيه هذا لنا. فكر في عيشنا في منزل، يمكنك الحصول على مساحة لأستوديو خاص بك، وأن تفعل فيه ما تريد”.
أومأ برأسه. ليس أسوأ شيء يمكنه تخيله.
“فكر في مدى روعة الأمر لكارتر على المدى القصير. ستكون سعيدة جدًا”.
نظرت كارتر إلى هايدن من طرف عينها قبل أن تخرج لسانها وتبتسم.
تنام هانا وهي تحتضن البطانية المخططة بين ساقيها، شخير خفيف يصدر من أنفها. نظر هايدن إلى فمها المتشقق والمبتسم قليلًا، وشعر بالثقة في قراره. لقد بكت هانا بعد أن تحدثا مرّة أخرى، وبعد أن نامت كارتر خفت دموعها بسبب الامتنان الذي عبرت عنه، ويعتقد أن هذا يستحق شيئًا ما.
لا يستطيع هايدن أن يتذكر آخر مرّة ظلّ فيها مستيقظًا في حالة من الترقب الحقيقي، والاستعداد. رذاذ الطلاء موجود في خزانة الصالة، وتحت المعاطف، وخلف الحوض البلاستيكيّ الذي فيه مواد التنظيف. نهض ومشى بحذر على الأرضية الخشبية القديمة، حتى وصل إلى الخزانة وسحب علبة منها. بعد ذلك فتح الباب الأماميّ بسهولة، وأخرج حذاءه وسترته إلى الردهة، ووضعهما على المقعد بجوار صناديق البريد. يُصدر المكيّف صوت هسهسة وهو يسحب قبعته الرمادية من جيبه.
الظلام حالك في الخارج، والهواء بارد. أكتافه مشدودة، حيث يُخَزَّن التوتر، إحدى فوائد تقليص أوقات عمله هي أنه لن يظلّ منحنيًا لساعات كلّ يوم.
على بعد مبنى واحد قاعة السينما التي جُدِّدت، والتي يرتفع جدارها الكبير المكشوف فوق سطح المباني المجاورة. مشى عبر الشارع حتى وصل إلى مدخل الزقاق. مرّت به سيارتان، يتصاعد الدخان من نافذة الراكب في إحداهما.
لقد درس نقاط الدخول والخروج المختلفة عندما خرج مع كارتر، يجب عليه أن يسحب نفسه إلى حافة نافذة منخفضة، ويتسلق مخرج الحريق من هناك. ندم على عدم إحضاره القفازات عندما تقشر طلاء السلم، ولكنه شق طريقه صاعدًا على الدرج المعدنيّ إلى حافة السطح دون كثير من المتاعب. أشعره منظر الشارع بعدم الثبات فأغمض عينيه، بينما هبت الريح على جفنيه.
نظر إلى الحائط. في آخر الشارع هناك ضوء خافت مضاء في شقة توني، في الطابق أعلى شقته. تمنى هايدن أن يرسل له إشارة من نوع ما، تمنى أن يكون توني شاهدًا له. من السلم خطا فوق حافة السقف، ثمّ إلى رقعة داكنة، ليرى لوحة مفككة بين العديد من الألواح المتناثرة على سطح السقف. كانت الأرض تحت قدميه أكثر ليونة ممّا كان يتصور.
مشى هايدن بضعة أمتار، وأخرج العلبة من جيب معطفه، ثم اتخذ خطوة واسعة إلى الوراء ليختبر الرذاذ على السطح. تعثر واصطدمت قدمه بحافة أحد الألواح، وعندما سقط على سطح السقف بدا له ضجيج وقوع العلبة على السطح عاليًا جدًا، وظلّ مستلقيًا على ظهره ليبقى بعيدًا عن الأنظار. شعر بألم حاد في مرفقه، وبعض التشنجات الناجمة عن الأعصاب على طول ساعده. وبعد دقيقة انقلب وزحف ليمسك بالعلبة ويضع يديه عليها، ثمّ وضع رأسه على يديه. لم يسمع الكثير من الضوضاء المحيطة إلّا الرياح والأشجار المتلألئة. نهض ليواجه الحائط، ورش الطلاء بسرعة، ثم ركض عائدًا إلى مخرج الحريق.
“ستيف”؟ نادى صوتها الصغير: “انظر”!
خلعت كارتر سروالها للمرّة الثالثة، وكان هايدن على وشك الاستسلام.
إنه متعب. وكلما تذكّر سبب أرقه تشتَّت انتباهه للحظات عن تعبه: “هيّا، سوف نتأخر”!
بقيت كارتر صامتة في البداية، ثم قالت: “حسنًا”، تنطق كلمة “fine” وكأنها تقول “foyne”. سوف يفتقد هذا لاحقًا أيضًا.
تفاجأ هايدن بسماع هانا تتحرّك في غرفة نومهم، وقال: “هيّا يا كارتر، لنذهب”!
فستان كارتر مثبت في الجزء الخلفي من سروالها، وقدماها حافيتان. أخرج زوجًا من الجوارب من خزانة ملابسها ووضعهما في جيبه، ورفع حقيبة ظهرها من المسمار المثبت بجانب باب المطبخ، يده ملطّخة باللون الأسود.
فتحت هانا باب غرفة النوم، ونظرت إليه بعينين مرهقتين. قالت: “تعال هنا للحظة”!
أعطاها كارتر جواربها بيده النظيفة، مدرِكاً أنه سيتعين عليه تعديلها لاحقًا.
“إلى أين ذهبت الليلة الماضية؟ لقد خرجتُ من الغرفة ولم أرَكَ على الأريكة”.
“ربما كنت في الحمام”؟ التفت إلى كارتر: “هل عرفتِ كيف ترتدين الجوارب يا عزيزتي”؟
“عندما عدت إلى السرير، كانت رائحتك غريبة… رائحة، لا أعرف حتى ما كانت. مثل الطلاء”.
أخفى هايدن يده خلف حقيبة ظهر كارتر ذات اللون الأزرق السماويّ: “طلاء”؟ قال: “ماذا تقصدين”؟
قاطعت كارتر الحديث قائلةً: “أريد أن أرسم”!
بدت هانا مرتبكة ومحبطة عندما قالت: “هل يتعلق هذا بموضوع عملي”؟
“هل تعتقدين أنني أدخن أو شيئًا من هذا؟ لا أفهم ما تقصدين”!
راقبته عن كثب، وقالت: “الالتزام بالصدق مهما كان، هل تتذكر”؟
مشت كارتر أمامهم قائلةً: “وداعًا يا أمي”!
قبلت هانا شعرها، وفركت إبهامها على جبهتها، وابتسمت خلف شعرها المتدلي، قبل أن تتجه نحو هايدن: “مهما كان ما يحدث معك…”.
قاطعها قائلًا: “لا تقلقي، خذي قسطًا من النوم”! قبل أن يغادر قبّل رأس أصبع السبابة وسدّده إليها على شكل رصاصة مسدّس، معبّرًا بذلك عن قبلة عابرة لهاّ.
رأى علامته كصورة رمزية صارخة في ضوء الصباح. لا تبدو مثيرة للإعجاب كما كان يأمل، لكنها موجودة. تستطيع كارتر، وهي جالسة على كتفيه، أن تراها بصورة مثالية. مشوا إلى الزاوية، وتأخر هايدن وهو يتظاهر بالبحث عن شيء ما داخل سترته. مرفقه يؤلمه.
“تحرك. تحرك”! قفزت على كتفيه: “الضوء أخضر”!
وقف مستقبلًا ووجهها نحو المسرح، لكن كارتر لم تلاحظ علامته بعد. في المدرسة اتّكأ ليعلق حقيبة الظهر على كتفيها، وشدّت بدورها الأشرطة بقوة، بينما فتحت السيدة أدريان الباب.
قال عندما دخلت كارتر: “لقد نسيتِ شيئًا ما”! اعتادا لعب هذه اللعبة. عادت إلى الخارجواحتضنته ووضعت رأسها على كتفه.
“هل رسمتم”؟ سألت السيدة أدريان، وهي تشير ليده.
“أين ستذهب الليلة يا Moat”؟ سأل توني.
“أنت وأنا سنذهب لنشرب معًا”.
في الشاحنة يشاهد هايدن الرسومات الجدارية على الطريق السريع، تظهر على اللوحات الإعلانية البعيدة والأنفاق المظللة، تبدو المساحات واسعة.
قال توني: “لم أكن أعتقد أنك ستوافق”.
لا يحاول هايدن فهم المزيد من التعليق. أعاد وضع حقيبته عند قدميه. وافق بعد كلّ شيء.
خرجوا من منحدر، ودخلوا المنطقة الصناعية. يميل توني رأسه فوق عجلة القيادة، وينظر من خلال الزجاج الأماميّ، يحدّق في قمم المباني.
شعر هايدن بالتوتر فجأةً.
أعلن توني: “لقد وصلنا تقريبًا”.
اتجهوا نحو مبنى طويل من المستودعات، وضوء الشارع عند الزاوية يضيء ويطفأ. فكر هايدن في هانا وهي نائمة، وفي كارتر، لكنّه أبعد الصور بسرعة عن عقله.
قال توني: “أنت هادئ اليوم”.
أجاب مازحًا: “الاستعداد العقليّ”.
أوقف توني الشاحنة، تنهدت للحظة ثم صمتت.
“إنه هناك”! أشار توني إلى واجهة إسمنتية طويلة: “برج المياه في الأعلى”.
أدرك هايدن أنه لم يرَ ذلك البرج إلا من بعيد، من داخل السيارة.
قال توني: “هناك بعض السقالات التي تحجب الرؤية جزئيًا من الطريق السريع. فور اكتمال البناء سترى جميع السيارات المنظر”.
يبدو الأمر حقيقيًا الآن بأكمله. سحب هايدن حقيبته إلى حجره، ونظر كلاهما إلى المناطق المحيطة: “عندما تكون هناك تأكّد من أن السلم قوي، قبل أن تتسلق”.
أمسك بزوج من القفازات وأعطاه لهايدن. ثم توقّف فجأة، وتوقف هايدن كذلك. استمع كلاهما إلى صوت صفارات الإنذار البعيد.
نظر توني إلى هايدن، وأمسك بحلقة المفاتيح، التي لا تزال في وضع التشغيل، دون إدارتها. ارتفع صوت صفارات الإنذار قبل أن يتوقّف. سحب توني يده بعيدًا وجلس ساكنًا. تشتعل الأضواء خافتةً من الشارع المجاور.
شغّل الشاحنة وأدارها ببطء. عند الزاوية انعطف يمنيًا ثم انعطف يمنيًا آخرَ ، ومرّ عبر الشارع حيث توقفت سيارتان للشرطة بجانب مرآب. يستطيع هايدن رؤية ضابط واحد فقط متكئًا على بابه المفتوح.
سأل هايدن بهدوء: “ماذا علينا أن نفعل”؟
“نفعل”؟! أخرج توني سيجارته الإلكترونية من حامل الأكواب: “نذهب للمنزل”.
“لن يكون رجال الشرطة هنا طوال الليل”.
نظر توني إليه بنظرة متفاجئة، وقال: “ستكون هناك ليال أخرى”.
“ألا يمكننا القيادة أو الذهاب لتناول الطعام والعودة؟ ما فرصة عودتهم إلى هذا المكان تحديدًا”؟
“الشرطة ليست كالبرق. هناك احتمالية كبيرة”!
“فكّر في الأمر، ربما يكون الأمر أكثر أمانًا لنا”.
“قد يكون هناك المزيد من المراقبة والضباط الاحتياطيين. من يدري ما الذي يحدث داخل هذا المرآب”؟
مهما كان الأمر يفشل توني في التنافس مع الأدرينالين الذي يتدفق في دم هايدن، وفي تأخير الاندفاع يعني تهديده بالكامل. مال إلى الخلف على مسند الرأس.
“بابا هايدن”، مدّ توني يده وضغط على كتف هايدن، الذي أبعد يده من شدة الألم، قائلًا: “لا يجب أن ترسم الليلة”.
أغلق هايدن عينيه وضغط على فكّه، ووضع يده على مقبض الباب:”ستتاح لك الفرصة مجددًا”.
أجابه: “فقط دعني أخرج، تحرك للأمام قليلًا”.
“ماذا؟ لن أفعل ذلك. هذا مستحيل”!
“افعل ذلك”!
حدّق توني به كما لو كان ينتظر أن يقول شيئًا آخرَ: “ستعود إلى المنزل معي”.
لم يجب هايدن.
“لا تكن مجنونًا. فكر في كارتر”!
عند الإشارة الضوئية توقّفت السيارة، أمسك هايدن بحقيبته، وقفز من مقعد الراكب، وأغلق الباب خلفه. فتح توني نافذة السيارة وصرخ مناديًا، لكن هايدن لم ينظر إلى الوراء. ركض في الشارع، منتظرًا أن تبتعد الشاحنة، وهو ما حدث في النهاية.
إنه يشعر بالبرد الآن، وغير متأكد من المكان الذي يتجه إليه وهو يترك برج المياه خلفه. سحب أحزمة حقيبة ظهره. سيكون التمرين مفيدًا إذا قرّر المشي مسافة ثلاثة أميال أو ربما أربعة إلى المنزل. على مسافة بعيدة، تمرّ عربة كبيرة وتختفي تدريجيًا على الطريق السريع. سحب قبعته للأسفل. تهتزّ حقيبة ظهره بلطف في أثناء سيره، ويستطيع سماع صوت اصطدام العلب بعضها ببعض.
على بعد بنايات قليلة لاحظ هايدن شاحنة تتجه نحوه ببطء. أخذ نفسًا عميقًا قبل أن ينظر في وجه توني، الذي أومأ برأسه وأوقف الشاحنة.
كان الشارع مظلمًا، والسيارة الأخرى الوحيدة متوقفة على الجانب الآخر منه. سار هايدن بجوار السيارة الصغيرة الزرقاء التي تبدو وكأنها كانت موقفة هناك منذ سنوات.
مدّ توني يده وقال: “أريد علبة”.
تبسّم هايدن، وفتح حقيبته وأعطى توني علبة ليضعها في حزام سرواله.
ستكون هناك العديد من الأسطح التي يمكن الرسم عليها، أقلّ تأثيرًا من برج المياه المرتفع، ولكن لا تزال مؤثرة. أدخل هايدن يده في جيبه ليتحسس الأغطية المسطّحة التي طلبها، لرسم الخطوط السميكة والرفيعة، وليسحبها للخارج. فتح كفه ورأى عملة معدنية من لعبة آلة النقود الخاصة بكارتر بشكل الأغطية ووزنها نفسهما تقريبًا. من المرجح أن ابنته في عالم الأحلام الآن. لن يواجه مشكلة في العودة إلى المنزل قبل وقت استيقاظها.
