القائمة الرئيسية

المؤسسات الاجتماعية في أفريقيا: مفتاح العقد المقبل للنمو الشامل وكيف ينبغي للقادة الاستجابة

المؤسسات الاجتماعية في أفريقيا: مفتاح العقد المقبل للنمو الشامل وكيف ينبغي للقادة الاستجابة
ملخص المقال

ومع إطلاق تقرير جديد بعنوان “حالة المؤسسات الاجتماعية: إطلاق النمو الشامل والوظائف والتنمية في أفريقيا”، تبرز بيانات حديثة حول واقع المؤسسات الاجتماعية في القارة، تسلط الضوء مباشرة على هذه القضايا وترسم ملامح مسار أفريقيا خلال العقد المقبل.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة الدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات الاجتماعية في رسم ملامح العقد المقبل في أفريقيا، مؤكدة أنها لم تعد مبادرات هامشية بل قوة اقتصادية تولّد مليارات الدولارات وتوفر ملايين الوظائف، خصوصًا للشباب والنساء. وتوضح أن دمج هذه المؤسسات في صلب السياسات العامة واستراتيجيات الشركات، وتعزيز التمويل والشراكات والبيانات الداعمة لها، يمثل مفتاحًا لتحقيق نمو شامل، وبناء أسواق إقليمية قوية، ومواجهة تحديات البطالة والتحول التكنولوجي، بما يجعلها شريكًا أساسيًا في مسار أفريقيا نحو تنمية مستدامة وقادرة على الصمود.

تُعدّ المؤسسات الاجتماعية بالفعل ركيزة أساسية لمستقبل أفريقيا الاقتصادي، إذ تؤدي دورًا محوريًا في توفير فرص العمل، وإدماج الشباب، وتعزيز قيادة النساء، وبناء سلاسل قيمة إقليمية مترابطة. غير أن إطلاق كامل إمكاناتها يتطلب دعمًا منهجيًا، بحيث تدمجها الحكومات والشركات والمؤسسات التنموية ضمن صميم استراتيجياتها الاقتصادية.

منذ 56 عامًا، يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي على جمع أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، إلى جانب الجيل القادم، لفهم التحديات العالمية ودفع عجلة التقدم. ومع اجتماع قادة القطاعين العام والخاص في دافوس، سويسرا، خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026، سيناقشون خمس قضايا محورية: كيفية التعاون في عالم يزداد تنافسًا، وإطلاق مصادر جديدة للنمو، والاستثمار بفعالية أكبر في البشر، ونشر الابتكار على نطاق واسع بشكل مسؤول، والحفاظ على الازدهار ضمن حدود الكوكب.

ومع إطلاق تقرير جديد بعنوان “حالة المؤسسات الاجتماعية: إطلاق النمو الشامل والوظائف والتنمية في أفريقيا”، تبرز بيانات حديثة حول واقع المؤسسات الاجتماعية في القارة، تسلط الضوء مباشرة على هذه القضايا وترسم ملامح مسار أفريقيا خلال العقد المقبل.

تُظهر الأدلة العالمية أن المؤسسات الاجتماعية لم تعد كيانات هامشية. فهناك ما يُقدّر بنحو 10 ملايين مؤسسة اجتماعية حول العالم، تحقق إيرادات سنوية تقارب 2 تريليون دولار وتوفر نحو 200 مليون وظيفة. كما أن حوالي نصفها تقوده نساء، مقارنة بنحو خُمس الشركات التقليدية فقط.

أما في أفريقيا، فتكتسب القصة أهمية مضاعفة. إذ يقدّر التقرير وجود 2.18 مليون مؤسسة اجتماعية في القارة، تمثل قرابة 20% من الإجمالي العالمي. وتولد هذه المؤسسات ما لا يقل عن 96 مليار دولار سنويًا، أي نحو 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا، وتوفر ما لا يقل عن 12 مليون وظيفة.

تتزامن هذه المعطيات مع نقاشات حول الصدمة التي قد يسببها الذكاء الاصطناعي والأتمتة في سوق العمل، حيث يُتوقع أن تؤثر على أكثر من خُمس الوظائف عالميًا. وفي الوقت نفسه، سيبلغ نحو 1.2 مليار شاب في دول الجنوب العالمي سن العمل خلال العقد المقبل، في ظل توفر حوالي 420 مليون وظيفة جديدة فقط، بينما يفتقر قرابة 800 مليون شاب إلى مسار واضح نحو سبل عيش آمنة.

وتتجلى حدة هذا التحدي في أفريقيا، حيث يدخل ما بين 10 و12 مليون شاب إلى سوق العمل سنويًا، في حين لا يتم خلق سوى نحو 3 ملايين وظيفة رسمية. كما أن ما يقرب من واحد من كل شخصين سيولد بين الآن وعام 2060 سيكون أفريقيًا، وحوالي 70% من الوافدين الجدد إلى سوق العمل عالميًا سيكونون من أفريقيا.

في ظل التغير التكنولوجي السريع، لا يقتصر السؤال على النمو فحسب، بل على نوعية الوظائف التي يتم خلقها ولمن. وتشير البيانات الجديدة إلى أن المؤسسات الاجتماعية تشكل بالفعل جزءًا من الحل. ففي العينة الأفريقية، أكثر من ثلث المؤسسات الاجتماعية يقودها أشخاص دون سن 35 عامًا، و91% منها توظف شبابًا.

وتركز هذه المؤسسات على قطاعات تحتاج بشدة إلى وظائف شاملة وتعزيز القدرة على الصمود، مثل التعليم وتنمية المهارات، والزراعة والنظم الغذائية، والصحة. كما تعتمد أنماط توظيف تدعم النساء والشباب والعاملين في المناطق الريفية وغير الرسمية.

تُعدّ المؤسسات الاجتماعية قريبة من المجتمعات المحلية، وتفهم الأسواق غير الرسمية، وقادرة على اختبار نماذج جديدة مع النساء وصغار المزارعين الشباب.

لماذا تُعدّ المؤسسات الاجتماعية مهمة؟

تهدف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية إلى إنشاء سوق موحدة تضم نحو 1.3 مليار نسمة بإجمالي ناتج محلي يبلغ 3.4 تريليونات دولار، وبناء سلاسل قيمة إقليمية ووظائف عبر 55 دولة. وتُعد من أهم الأدوات الهيكلية لدفع النمو والتكامل.

ومع ذلك، غالبًا ما تغيب المؤسسات الاجتماعية عن استراتيجيات التجارة والصناعة. ويُظهر التقرير أن نحو 17% من أصحاب العمل في أفريقيا هم مؤسسات اجتماعية، تربط بين الاقتصادين الرسمي وغير الرسمي. وكثير منها يصدّر بالفعل، ويدمج المنتجين الصغار في سلاسل التوريد الإقليمية، أو يعمل على رقمنة سلاسل القيمة.

ومع تقدم تنفيذ منطقة التجارة الحرة، خاصة في مجالات مثل بروتوكول التجارة الرقمية وبروتوكول النساء والشباب، هناك خطر في إغفال هذا المحرك الحيوي إذا ظلت المؤسسات الاجتماعية هامشية في النقاش. إن الاعتراف بها كجهات فاعلة أساسية في بناء الأسواق الإقليمية، لا سيما في قطاعات الزراعة والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية، من شأنه أن يربط بين أهداف التجارة والوظائف والإدماج على أرض الواقع.

الابتكار والإدماج على أرض الواقع

يؤكد جدول أعمال 2026 على نشر الابتكار على نطاق واسع بشكل مسؤول وربط النمو بأهداف المناخ والطبيعة.

وتجسد شركة “سوماليف” التي أسستها رائدة الأعمال الغانية كريستينا جييسون هذا التوجه، حيث تستخدم أدوات رقمية لتحويل سلسلة قيمة الشيا والزراعة الحرجية في شمال غانا. وتربط منصتها عشرات الآلاف من المزارعات صغيرات الحيازة بأسواق ذات قيمة أعلى، وبالتمويل، وبممارسات زراعية ذكية مناخيًا، مما يحافظ على سبل العيش ويكافئ حماية أشجار الشيا واستعادتها.

كما يمثل “يلوودز”، وهو مجموعة استثمارية جنوب أفريقية تقودها نيكولا جالومبيك، نموذجًا آخر، حيث تستخدم استثماراتها في الخدمات المالية والمطاعم والسياحة البيئية لتعزيز الإدماج والاستدامة. وقد احتضنت مشاريع اجتماعية مثل “هارامبي لتسريع توظيف الشباب”، وبنت شراكات متعددة القطاعات في مجالات المهارات الرقمية وتوظيف الشباب والتمويل الشامل، ما يمكّن الشركات الكبرى من العمل مع مبتكرين اجتماعيين لتوسيع حلول للأسواق غير المخدومة.

كيف يمكن للشركات العمل مع المؤسسات الاجتماعية؟

تشير هذه التجارب إلى نموذج مختلف لممارسة الأعمال في أفريقيا. فالمؤسسات الاجتماعية قريبة من المجتمعات وتفهم الأسواق غير الرسمية وقادرة على اختبار نماذج جديدة، بينما تمتلك الشركات الكبرى رأس المال والبنية التحتية وأدوات إدارة المخاطر وانتشار العلامة التجارية.

وعند الجمع بين هذه القدرات، مثل تطوير حلول تمويلية وتسويقية للمزارعين، يمكن للشركات بناء أسواق مستدامة حول فئات غالبًا ما تُعامل كمستفيدين من المساعدات فقط. ويتطلب ذلك تحولًا في العقلية، بحيث تُعامل المؤسسات الاجتماعية كشركاء استراتيجيين في تصميم المنتجات والتوزيع والتوريد واستراتيجيات القوى العاملة.

إعادة التفكير في السياسات العامة

تحتاج السياسات العامة إلى تحول مماثل، من خلال الاعتراف بالمؤسسات الاجتماعية كجزء من العمود الفقري الاقتصادي للتنمية. وتشير استراتيجية الاتحاد الأفريقي لعشر سنوات بشأن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى أن هذه المؤسسات والتعاونيات فاعل أساسي في بناء اقتصادات شاملة وقادرة على الصمود.

وتتمثل الأولوية الآن في التنفيذ، عبر إدماج هذه الجهات في خطط التنمية الوطنية واستراتيجيات الصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة وسياسات التوظيف وخطط المناخ والطبيعة، مدعومة بأنظمة بيانات تتبع الوظائف والإيرادات والأثر.

كما أن رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين رفعت هذا الملف إلى الواجهة، وأدرجت فاعلي الاقتصاد الاجتماعي والتأثيري ضمن قمة اجتماعية جديدة، ما يتيح استمرار الاهتمام بهذا الموضوع على مستوى مجموعة العشرين.

في ظل أزمة تمويل تواجهها مؤسسات التنمية الدولية عام 2026، بينما تواصل المؤسسات الاجتماعية توفير سبل العيش والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود، يصبح من الضروري دمجها ضمن الاستراتيجيات الوطنية رسميًا، من خلال الاعتراف القانوني والتنظيمي وإدراجها في سياسات المشتريات العامة، كما تفعل دول مثل المغرب والسنغال وتونس والكاميرون وجيبوتي والرأس الأخضر.

خمس أولويات للعمل في 2026

  1. بناء أنظمة داعمة عبر تعزيز السياسات والاعتراف القانوني والبنية التحتية المادية والرقمية.

  2. تعبئة رأس المال على نطاق واسع من خلال سد فجوات التمويل بآليات تمويل مبتكرة ومختلطة.

  3. الاستثمار في البشر والمهارات عبر دعم ريادة الأعمال والتدريب والشمول الرقمي.

  4. تعزيز الشراكات للتوسع باستخدام شراكات القطاعين العام والخاص والتعاون الإقليمي.

  5. تقوية البيانات والأدلة عبر تطوير أنظمة موحدة للرصد والتقييم.

الأرقام الرئيسية لافتة، لكن التحولات الكامنة وراءها هي ما يكشف حجم الرهان الحقيقي. فالمستقبل سيتحدد بناءً على ما إذا كان الفاعلون في المنظومة سيواصلون التعامل مع المؤسسات الاجتماعية كمشاريع هامشية، أم سيعترفون بها كشركاء مركزيين في الفصل المقبل من النمو الشامل والتنمية المستدامة في أفريقيا.

المصدر

مقالات ذات صلة