- تشير أحدث تصنيفات الجامعات العالمية إلى أننا نشهد إعادة اصطفاف تاريخية للقوة الأكاديمية من الغرب إلى الشرق، ومن المرجح أن تتسارع هذه التحولات خلال السنوات المقبلة.
- حققت الجامعات الآسيوية مستويات قياسية جديدة، مع دخول ثلاث جامعات آسيوية ضمن أفضل 15 جامعة في العالم، وتفوق جامعة تسينغهوا الصينية، للمرة الأولى، على أفضل مؤسسة جامعية في أوروبا القارية.
- سجلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أدنى مستوى على الإطلاق من حيث عدد الجامعات الممثلة ضمن أفضل 200 جامعة عالمية، في وقت بدأت فيه حالة ركود التمويل والضغوط المالية في إضعاف الهيمنة الغربية التقليدية.
لقد كنا نراقب هذه الهزات منذ سنوات. لكن النسخة الجديدة من تصنيف تايمز للتعليم العالي للجامعات العالمية تعلن اليوم عن وقوع الزلزال بالفعل: فالصفائح التكتونية للتعليم العالي العالمي تتحرك بصورة دائمة، في ظل إعادة اصطفاف تاريخية للقوة الأكاديمية والبحثية من الغرب نحو الشرق.
وتحمل مؤشرات التصنيف العالمي لعام 2027 دلالات قوية:
- للمرة الأولى في تاريخ التصنيف الممتد على مدى 23 عاماً، تدخل ثلاث جامعات آسيوية ضمن أفضل 15 جامعة في العالم، حيث انضمت جامعة سنغافورة الوطنية، التي احتلت المرتبة الخامسة عشرة، إلى جامعتي تسينغهوا وبكين الصينيتين ضمن هذه المجموعة النخبوية.
- للمرة الأولى، تحتل جامعة صينية مرتبة أعلى من جميع جامعات أوروبا القارية، إذ جاءت جامعة تسينغهوا في المرتبة الحادية عشرة، متقدمة على المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، الذي احتل المرتبة الثانية عشرة.
- سجلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أوروبا القارية أدنى عدد على الإطلاق من الجامعات ضمن أفضل 200 جامعة في العالم، في حين سجلت الصين أعلى عدد لها على الإطلاق.
- تراجعت جامعات أمريكية بارزة، مثل جامعة شيكاغو وجامعة جونز هوبكنز وجامعة ديوك، في التصنيف نتيجة صعود الجامعات الآسيوية.
لكن إلى جانب النتائج اللافتة التي تتصدر العناوين، تكشف البيانات الأساسية، المستمدة من رقم قياسي بلغ 2,297 جامعة مصنفة من 118 دولة، عن تحول أعمق وأكثر جوهرية: نحن ندخل حقبة جديدة تتغير فيها الجغرافيا العالمية للتميز الأكاديمي.
ويقيس تصنيف تايمز للتعليم العالي للجامعات العالمية، عبر 17 مؤشراً منفصلاً للأداء، الجوانب التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام لدى صانعي السياسات وقادة قطاع الجامعات، وكذلك جميع المهتمين بديناميكيات اقتصاد المعرفة العالمي. وتشمل هذه الجوانب التميز والتأثير في مجال البحث العلمي، والموارد والبيئة التعليمية، والسمعة الأكاديمية العالمية، والروابط مع قطاع الصناعة خارج أسوار المؤسسات الأكاديمية، إضافة إلى القدرة على جذب المواهب الدولية ومدى الانتشار والتأثير على المستوى العالمي.
تراجع الهيمنة الغربية عند الأطراف
لا تزال المراتب العليا جداً في التصنيف مستقرة بصورة لافتة، كما أنها لا تزال ذات طابع غربي. فقد احتلت جامعة أكسفورد المركز الأول للعام الحادي عشر على التوالي، وهو رقم قياسي، تلتها في المركز الثاني جامعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الأمريكية، في حين اقتصرت المراكز العشرة الأولى بالكامل على جامعات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
لكن عند توسيع نطاق النظرة إلى ما هو أبعد من المراكز الأولى، يتضح أن الولايات المتحدة سجلت أدنى عدد لها على الإطلاق من المؤسسات الجامعية ضمن أفضل 200 جامعة في العالم، بواقع 53 مؤسسة فقط، أي أقل بجامعتين مقارنة بالعام الماضي، وأقل من 60 جامعة كانت ضمن هذه الفئة في عام 2020. ومن بين الجامعات الأمريكية التي بقيت ضمن أفضل 200 جامعة في تصنيف عام 2027، تمكنت 33% منها من تحسين ترتيبها، بينما تراجع ترتيب 46% منها.
وتقول هيلين باكر، الصحفية المتخصصة في أخبار التعليم لدى تايمز للتعليم العالي: «تراجعت الولايات المتحدة في غالبية المؤشرات»، بما في ذلك قوة البحث العلمي، وتأثير الاستشهادات البحثية، وعدد الطلاب الدوليين.
أما بالنسبة إلى المملكة المتحدة، فقد دخلت 25 مؤسسة جامعية ضمن قائمة أفضل 200 جامعة، مقارنة بـ26 مؤسسة في العام الماضي و28 مؤسسة في عام 2020.
وعلى الرغم من أن عدداً من الجامعات البريطانية الأعلى تصنيفاً حقق تحسناً هذا العام، مستفيداً بدرجة كبيرة من السمعة الدولية القوية، فإن الصورة العامة لا تزال تثير القلق.
وتوضح باكر قائلة: «تعاني المملكة المتحدة بصورة خاصة من التحديات المالية التي تضغط على جزء كبير من قطاع التعليم العالي، إذ تراجعت جميع مؤشرات الدخل، بما في ذلك دخل المؤسسات، ودخل الأبحاث، والدخل المتأتي من قطاع الصناعة، مقارنة ببقية العالم، كما انخفضت قوة البحث العلمي والإنتاجية البحثية بشكل ملحوظ».
وبصورة عامة، تحذر باكر من أن الضغوط الإضافية على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على وجه الخصوص مرشحة للاستمرار، وتقول: «تبدو سيطرة الجامعات الغربية على أعلى مراتب الأوساط الأكاديمية العالمية أقل استقراراً بصورة متزايدة، إذ تعتمد المؤسسات التقليدية الكبرى على استمرار قوة سمعتها من أجل تعويض تراجع أدائها البحثي».
الصعود الكاسح لشرق آسيا والتقدم الأوسع في المنطقة
في المقابل، رفعت الصين عدد جامعاتها ضمن أفضل 200 جامعة عالمية إلى مستوى قياسي بلغ 17 جامعة، مقارنة بـ13 جامعة فقط في العام الماضي، وسبع جامعات فقط في عام 2020.
ومع إضافة خمس جامعات أخرى ضمن أفضل 200 جامعة من هونغ كونغ، وجامعة أخرى من ماكاو، وصل إجمالي عدد جامعات منطقة الصين الكبرى ضمن أفضل 200 جامعة إلى 23 جامعة. وبهذا تجاوزت هذه المجموعة ألمانيا، التي لديها 19 جامعة، للمرة الأولى من حيث التمثيل ضمن مجموعة الجامعات النخبوية التي تحتل المراكز الـ200 الأولى.
وفي حين تقف منطقة شرق آسيا في مقدمة التحول في القوة الأكاديمية من الغرب إلى الشرق، تحقق بقية أنحاء القارة الآسيوية أيضاً تقدماً ملحوظاً.
ففي جنوب شرق آسيا، وإضافة إلى المستوى القياسي الذي حققته جامعة سنغافورة الوطنية باحتلالها المرتبة الخامسة عشرة، حققت جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة أيضاً أعلى ترتيب لها على الإطلاق، بعدما قفزت هذا العام من المرتبة الحادية والثلاثين مكرر إلى المرتبة الثامنة والعشرين.
كما شهد أحدث تصنيف أول دخول على الإطلاق لماليزيا ضمن أفضل 200 جامعة، مع احتلال جامعة مالايا المرتبة 194 مكرر، في حين حققت جامعة إندونيسيا أعلى ترتيب لها وفق المنهجية الحالية، وأصبحت الآن ضمن أفضل 700 جامعة في العالم.
وفي تايلاند، تقدمت جامعة شولالونغكورن، الأعلى تصنيفاً في البلاد، لتدخل ضمن أفضل 550 جامعة في العالم، بينما دخلت جامعة ماهيدول ضمن أفضل 600 جامعة.
وفي آسيا الوسطى، نجحت جامعة نزارباييف، الجامعة الوطنية الرائدة في كازاخستان والتي تأسست عام 2010، في دخول قائمة أفضل 400 جامعة في العالم للمرة الأولى، وذلك بعدما كانت قد دخلت التصنيف لأول مرة حديثاً نسبياً في عام 2024، حين جاءت ضمن الفئة بين المرتبتين 501 و600.
وفي غرب آسيا، تحقق جامعة أخرى حديثة التأسيس أداءً لافتاً. فقد دخلت جامعة حمد بن خليفة، المدعومة من مؤسسة قطر والتي يبلغ عمرها 16 عاماً فقط، التصنيف للمرة الأولى في المرتبة 126 مكرر، لتصبح الجامعة الأولى الجديدة في العالم العربي.
وجاءت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في السعودية في ثاني أعلى مرتبة بالمنطقة، بعدما حصلت على المرتبة 176 مكرر، مقارنة بالمرتبة 184 مكرر في العام الماضي.
تتبع مسار التمويل
بالنسبة إلى سايمون مارجنسون، أستاذ التعليم العالي في جامعة بريستول، فإن المحرك الأساسي وراء هذا التحول في موازين القوة بسيط إلى حد كبير.
وقال لتايمز للتعليم العالي: «القاعدة الحديدية في التعليم العالي، وخاصة في مجال البحث العلمي، هي أن الأداء الاستثنائي لا يمكن الحفاظ عليه بصورة مستدامة إلا من خلال التمويل، وبصورة خاصة التمويل العام. فجميع أنظمة التعليم العالي الصاعدة مدفوعة بزيادات سنوية في التمويل الحكومي».
ومن الواضح أن زخم هذا التحول يواصل التحرك أكثر فأكثر نحو الشرق.
