القائمة الرئيسية

العمل الخيري 2026: قوة الجماعة، تحديات التكنولوجيا، ومستقبل الثقة

العمل الخيري 2026: قوة الجماعة، تحديات التكنولوجيا، ومستقبل الثقة
ملخص المقال

وفي المقابل، وبنبرة أكثر تفاؤلًا، يدعو قادة مثل ديمبل أبيشاندانـي (2025) إلى “عصر جديد للعمل الخيري” يعيد تصور كيفية تعبئة الثروة لتحقيق العدالة — عصر يقوم على تقاسم السلطة والشفافية والمشاركة.

[post-views]

ملخص: يناقش هذا التقرير التحولات العميقة التي يشهدها العمل الخيري اليوم، من صعود الممارسات الجماعية مثل دوائر العطاء التي تعيد توزيع السلطة وتعزز رأس المال الاجتماعي، إلى تأثير الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي التي توسّع الوصول لكنها تثير مخاطر الاستقطاب وفقدان الثقة، وصولًا إلى البحث المتزايد عن التواصل وإعادة بناء الروابط المجتمعية في ظل تراجع الثقة والعزلة الاجتماعية؛ وتطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت مؤسسات العمل الخيري قادرة على التطور لاستيعاب أشكال الكرم الجديدة، خاصة مع صعود الجيل Z وممارساته المختلفة للعطاء.

نظرة إلى الوراء لاستشراف المستقبل: عقدٌ من اتجاهات العمل الخيري

يمثل هذا العام محطة بارزة لمركز دوروثي أ. جونسون للعمل الخيري (Johnson Center) في جامعة غراند فالي الحكومية: الإصدار العاشر من تقرير 11 اتجاهًا في العمل الخيري. ما بدأ عام 2017 كملحق متواضع لتقريرنا السنوي، أصبح اليوم منشورًا واسع الانتشار والمناقشة، يصل إلى أكثر من 100 ألف قارئ سنويًا.

يتكوّن تقرير كل عام من 11 مقالة مستقلة، يتم بحثها وكتابتها ومراجعتها من قبل فرق من مؤلفي مركز جونسون. وعادةً ما تستكشف هذه المقالات تحولات جديدة أو حركات متطورة داخل مجال العمل الخيري.

لكن في هذا الإصدار العاشر، اتخذنا نهجًا مختلفًا. فبدلًا من تحديد مجموعة جديدة بالكامل من الاتجاهات الناشئة، وجّهنا اهتمامنا إلى الماضي لنتأمل الموضوعات التي شكّلت قطاعنا خلال السنوات العشر الماضية، ولنرصد التحولات المستمرة والتطورات الجديدة.

هذا المنظور التأملي ليس مجرد احتفاء بذكرى سنوية، بل اعتراف باللحظة التي نعيشها — لحظة اضطراب متسارع، تجمع بين قلق كبير بشأن وجهتنا القادمة وإمكانات عظيمة لما قد يحمله المستقبل. يبدو المستقبل أكثر غموضًا من أي وقت مضى، لكن فرصة ابتكار حلول تغيّر حياة المجتمعات وتوسيع نطاقها تبدو حاضرة كذلك.

ومن أكبر التحديات التي يواجهها العمل الخيري في التخطيط لذلك المستقبل وبنائه، أن المشهد اليومي يتغير بسرعة وفي اتجاهات متعددة. ومع صدور الأوامر التنفيذية، والنزاعات القانونية، والنقاشات التشريعية، لا نملك صورة واضحة عن حجم التمويل الفيدرالي الذي تم سحبه أو حجبه عن المنظمات غير الربحية والمجتمعات. ولا نعلم عدد المنظمات التي أغلقت أو ستغلق أبوابها، أو عدد الموظفين الذين فقدوا وظائفهم، أو عدد المجتمعات التي فقدت الوصول إلى خدمات حيوية. كما لا نعلم كم عدد المتبرعين الذين أوقفوا أو قللوا عطاياهم بسبب القلق الاقتصادي، أو كم عدد المؤسسات التي غيّرت استراتيجياتها استجابةً للظرف الراهن. البيانات غير مكتملة، والجداول الزمنية غير واضحة، والواقع على الأرض يتغير باستمرار.

في مثل هذا المناخ، أفضل طريق للمضي قدمًا ليس التنبؤ أو الجزم، بل التأمل. أن نتذكر — كما يقول شكسبير — أن “الماضي مقدمة للمستقبل”. فمهما بدا العالم مختلفًا اليوم، فإننا نحمل معنا كل ما سبق.

لذا، ندعوكم كقطاع إلى النظر معنا إلى ما تعلمناه، كي نحمل تلك الدروس إلى الأمام. أن نطرح أسئلة أفضل. أن نحتفي بنقاط قوتنا مع الاعتراف بتعقيد الأنظمة التي نسعى للتأثير فيها. أن ننسج معًا البحث والبيانات والقصص والحوار لفهم العالم الذي نعيش فيه. وكما سعى مشروع 11 اتجاهًا دائمًا، أن نقدم أفكارًا — لا إجابات نهائية — حول ما قد يأتي لاحقًا.

شكرًا لانضمامكم إلينا.


شكر وتقدير

بينما نتأمل السنوات العشر الماضية من 11 اتجاهًا في العمل الخيري، ندرك ليس فقط مدى تغير القطاع، بل أيضًا مدى نمو هذا المشروع. ما بدأ كمنشور يركز على الولايات المتحدة، أصبح حوارًا عالميًا. إلى الزملاء في سبع دول ومنطقة الكاريبي الذين كتبوا ردودهم الخاصة على تقارير الاتجاهات، وقدموا رؤى من أنظمتهم الخيرية المحلية ووسّعوا الحوار عبر الحدود، نعرب عن امتناننا العميق.

أن نرى هذا المشروع يُلهم حوارات عابرة للحدود، وأبحاثًا تعاونية، وعلاقات مهنية مستدامة، كان من أعظم ثماره.

أسس ستيفاني أندروز كاروبيبي وكايل كالدويل مفهوم 11 اتجاهًا في العمل الخيري في مركز جونسون عام 2016. ومنذ ذلك الحين، شارك أكثر من 50 من موظفي المركز وطلبة الدراسات العليا في هذا العمل — ككتاب، ومراجعين، وقراء، ونقاد. لقد جعلتم هذا المشروع أقوى وأكثر صلة وتأثيرًا، وساعدتم ممارسين حول العالم على رؤية المجال بوضوح أكبر، ودفعتمونا جميعًا إلى التفكير بعمق أكبر.

نتوجه بشكر خاص إلى كارين هوكسترا على جعل المشروع جميلًا وسهل الوصول سواء عبر الإنترنت أو في النسخ المطبوعة، وإلى بات روبنسون لدقتها الاستثنائية في البحث والتحرير، وإلى كالي باور وجو فاندورنيك لإدارتهما التحويلية للمشروع، وإلى توري مارتن لقيادتها التقرير كل عام منذ 2017.

ومع إصدارنا العاشر، نفعل ذلك بتواضع وأمل: تواضع أمام حالة عدم اليقين، وأمل في قوة التأمل والتعاون والاستقصاء المشترك. والتزام متجدد بطرح الأسئلة المهمة — حتى وإن كانت الإجابات لا تزال في الأفق.

شكرًا لكونكم جزءًا من هذا العمل.


ما بعد حسن النوايا:

على المنظمات غير الربحية أن تثبت جودة عملها لبناء الثقة

بقلم: إيميلي دوبلر، جينيفر لوسون، وبريندا فالك

في تقرير 11 اتجاهًا في العمل الخيري لعام 2021، أشارت مارتن (2021) إلى أنه رغم تمتع المنظمات غير الربحية بمستوى ثقة أعلى من مؤسسات أخرى، فإن هذا الموقع هش. وقد عرضت ثلاث طرق لتعزيز الرأي العام: زيادة الشفافية، وتعزيز مشاركة المستفيدين، والحفاظ على الالتزام بالعدالة. ورغم أن هذه التوصيات كانت غالبًا وسائل فعالة لبناء الثقة، فإن الأبحاث تشير إلى أن المعادلة أكثر تعقيدًا.

تلعب المنظمات غير الربحية دورًا أساسيًا في المجتمع. إذ تُعرف بأنها “شبكة الأمان الاجتماعي”، وغالبًا ما تقدم خدمات حيوية عندما تقصر الحكومة (Lynch, 2025). ومع ذلك، تظهر مؤشرات على تآكل الثقة العامة في القطاع (Moore, 2025).

الثقة في القطاع غير الربحي موضع تساؤل

وجدت دراسة مشتركة بين Independent Sector وEdelman Data Intelligence (2025) أن 57% فقط من الأمريكيين أفادوا بوجود ثقة عالية في المنظمات غير الربحية في عامي 2024 و2025. ورغم أن هذه النسبة تمثل أغلبية، إلا أنها ليست قوية بما يكفي.

وفي مارس 2025، أجرى مركز جونسون استطلاعًا وطنيًا لإعادة تقييم الثقة العامة في المؤسسات، مستندًا إلى بيانات سابقة من جامعة إنديانا (2022) ومجلس المؤسسات (2023). وأظهرت النتائج أن الثقة ارتفعت من 39% عام 2022 إلى 43% عام 2023، ثم 42% عام 2025. لكن عند إعادة الاستطلاع في سبتمبر 2025، انخفضت الثقة إلى 35% فقط خلال ستة أشهر.

تحدي القياس: لماذا يصعب إثبات الكفاءة؟

يقيس مقياس الثقة لإدلمان (2025) الثقة عبر بُعدين: السلوك الأخلاقي والكفاءة. ورغم أن المنظمات غير الربحية تُنظر إليها كسلوكها أخلاقي، فإن تقييم كفاءتها متوسط وأقل من المتوقع. وحدها الشركات تحظى بثقة الجمهور من حيث الأخلاق والكفاءة معًا.

تكمن المشكلة في كيفية إدراك الكفاءة؛ فقياس أثر العمل غير الربحي وإيصاله للجمهور ليس بالأمر السهل. كيف نقيس قيمة طفل لم يدخل نظام قضاء الأحداث بفضل برنامج ما بعد المدرسة؟ أو الأثر التراكمي لمبادرة صحية منعت أمراضًا مزمنة لاحقًا؟ هذه نتائج حقيقية، لكنها لا تُختزل في أرقام بسيطة.

ينشأ هنا توتر بين سرد القصص والبيانات. فكثير من المنظمات تكتفي بعدّ الأعداد — عدد الفعاليات، المستفيدين، المتطوعين، أو الأموال المجمعة — دون ربطها بالقصص الإنسانية المؤثرة خلفها. ويشعر كثير منها بالحيرة: هل الأفضل التركيز على الأرقام أم على القصص؟

يزيد الأمر تعقيدًا اختلاف مطالب الممولين؛ فبعضهم يريد تقييمًا صارمًا وبيانات مفصلة، وآخرون يتأثرون أكثر بالقصص المؤثرة. والنتيجة أن المنظمات تستنزف نفسها في تقارير متعددة دون أن تبني بالضرورة ثقة الجمهور بكفاءتها.

كما أن المشكلات الاجتماعية غالبًا ما تكون متعددة الأجيال ومتداخلة العوامل. فبرنامج لمساعدة المشردين مثلًا قد يوفر مأوى وتدريبًا وظيفيًا، لكنه لا يستطيع وحده حل أزمة السكن أو ركود الأجور. وهذا التعقيد يصعّب إثبات علاقة سببية واضحة بين الجهد والتغيير.


منظومة الثقة: ليست مسؤولية المنظمات وحدها

الثقة بالقطاع تتأثر بمنظومة أوسع. فقد تراجعت تغطية الأخبار المحلية التي كانت تُبرز إنجازات المنظمات غير الربحية، بينما تتصدر الفضائح العناوين. فيتكوّن انطباع منحاز يركز على الإخفاقات لا النجاحات.

كذلك يلعب الممولون دورًا معقدًا. فبينما يسعون للمساءلة، قد تؤدي متطلبات التقارير المتعددة والمختلفة إلى استنزاف وقت وموارد المنظمات، ما يؤثر على قدرتها في تقديم الخدمات أو التواصل بفعالية. كما أن التمويل المقيد الذي يمنع الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا يحد من قدرة المنظمات على عرض أثرها بوضوح.


جهود لتغيير السرد العام

في عام 2025، أطلقت عدة جهات حملات توعوية مثل:

  • “Nonprofits Get it Done”

  • “Giving is Here for Good”

كما أطلقت مبادرات تدريبية لتحسين لغة التواصل وبناء الثقة، وسعت بعض الجهات المانحة إلى تمويل جهود “تغيير السرد حول القطاع غير الربحي”.


أسئلة لا تزال مطروحة

رغم هذه الجهود، تبقى أسئلة جوهرية:

  • كيف نعرّف “الكفاءة” بطريقة يفهمها الجمهور دون تبسيط مخل؟

  • كيف يوازن الممولون بين المساءلة والمرونة؟

  • كيف يمكن استثمار الثقة المحلية لبناء ثقة أوسع في القطاع؟

في زمن الاضطراب الاجتماعي والسياسي، الإجابة عن هذه الأسئلة ليست خيارًا بل ضرورة. فقدرة القطاع على خدمة المجتمعات تعتمد على إيمان الجمهور بأن المنظمات غير الربحية ليست فقط حسنة النية، بل قادرة فعلًا على إحداث التغيير الذي يحتاجه المجتمع.

 

موازنة قوة الذكاء الاصطناعي مع تأثيراته

بقلم: كالي باور (M.B.A.) وإميلي برينر (M.P.A.)

خلال السنوات الثلاث التي تلت إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) على نطاق واسع للجمهور، شهدنا معدلًا استثنائيًا من النمو والتغيير.

وبالتوازي مع التقدم التكنولوجي، تسارع نمو سوق الذكاء الاصطناعي. ففي سبتمبر 2024، قدّرت شركة Bain & Company أن الحصة السوقية الإجمالية للأجهزة والبرمجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستنمو بنسبة تتراوح بين 40% و50% سنويًا، لتصل إلى ما بين 780 مليار دولار و990 مليار دولار بحلول عام 2027 (Crawford, Wang & Singh, 2024). كما أفادت Gallup في عام 2025 بأن الاستخدام المنتظم للذكاء الاصطناعي يتزايد بسرعة بين العاملين في الولايات المتحدة. ففي العامين الماضيين، تضاعفت نسبة الموظفين الأمريكيين الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي في وظائفهم عدة مرات سنويًا أو أكثر من 21% إلى 40% (Pendell, 2025).

كما أن الارتفاع المتسارع للذكاء الاصطناعي واضح في القطاع غير الربحي. فقد أشار تقرير صدر عام 2024 حول تبني المنظمات غير الربحية لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أن 58% من المشاركين في الاستطلاع العالمي أفادوا بأن منظماتهم تستخدم هذه الأدوات في العمليات اليومية. وشملت أبرز مجالات الاستخدام التسويق وإنشاء المحتوى، وجمع التبرعات، وإدارة البرامج (Google.org, 2024).

ناقش مركز جونسون ثورة الذكاء الاصطناعي وتداعياتها المحتملة على العمل الخيري في عام 2024، مشيرًا إلى أنه “مع عدم كون التكلفة العائق الأساسي للدخول، فإن المنظمات غير الربحية والمؤسسات التي تستثمر الوقت والقدرة اللازمة لاستكشاف هذه الأدوات الجديدة، وتلتزم باستخدامها بمسؤولية، ستكون الأكثر استفادة من هذه التكنولوجيا الناشئة” (Bauer, 2024). ولا تزال هذه العبارة صحيحة حتى اليوم. فمع صعوبة التنبؤ بالتداعيات المستقبلية للذكاء الاصطناعي، يمكن للعمل الخيري ويجب عليه أن يظل ملتزمًا باستخدامه بشكل مسؤول.


محدوديات الذكاء الاصطناعي

لا يمكن الشروع في الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي دون فهم محدودياته الحالية. ففي عام 2023، نشرت مجلة Scientific American مقالًا يوضح كيفية استخدام المعلومات الشخصية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. وشرحت الكاتبة لورين ليفر كيف يعتمد المطورون على المعلومات المتاحة علنًا عبر الإنترنت لبناء نماذج كبيرة. وتشمل هذه البيانات المدونات الشخصية، وملفات LinkedIn، والصور، ومقاطع الفيديو، والبيانات الشخصية من وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من المعلومات المتاحة عبر محركات البحث. كما تقوم شركات مثل OpenAI بضبط نماذجها استنادًا إلى تفاعلات المستخدمين مع روبوتات الدردشة (Leffer, 2023).

وبالتالي، فإن نتائج الذكاء الاصطناعي التوليدي تكون بقدر جودة وموثوقية البيانات المستخدمة في تدريبه. فالبيانات غير الدقيقة، والتحيزات الشخصية والمجتمعية، والمعلومات الخاصة، جميعها تؤثر في النتائج المنتَجة. ومن الأمثلة على المخاطر المرتبطة بذلك:

  • في عام 2023، أظهر Liang وآخرون في دراسة نشرت في Patterns أن ChatGPT ونماذج اللغة التوليدية المشابهة غالبًا ما تصنف كتابات غير الناطقين باللغة الإنجليزية على أنها مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

  • في عام 2024، أشارت نقابة المحامين الأمريكية (ABA) إلى شركة iTutorGroup كمثال على التمييز في التوظيف الناتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث كان برنامجها يرفض تلقائيًا طلبات النساء البالغات 55 عامًا فأكثر والرجال البالغين 60 عامًا فأكثر، ما أدى إلى تمييز قائم على العمر والجنس (Kempe, 2024).

وتسعى المؤسسات إلى تقديم إرشادات لمستخدمي الذكاء الاصطناعي، أملًا في أن تصبح الشفافية والحذر معيارين أساسيين في التعامل مع هذه التكنولوجيا.

  • تؤكد الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) أهمية الشفافية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة والبحث، موصية بتضمين النص الدقيق للأمر المستخدم (Prompt) والإشارة المرجعية التي تتضمن اسم أداة الذكاء الاصطناعي وتاريخ النسخة المستخدمة وغيرها من التفاصيل. كما تحذر من أن برامج الكشف عن الذكاء الاصطناعي غير موثوقة (Huff, 2024).

  • نشرت IBM مقالًا يوضح مخاطر الخصوصية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك جمع البيانات الحساسة دون موافقة، واستخدام البيانات دون إذن، والتحيزات (Gomstyn & Jonker, n.d.).

ومع تزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل الخيري، يجب على المنظمات توخي الحذر والإقرار بالمخاطر المحتملة في العمليات اليومية.


التأثيرات البيئية والمجتمعية

إلى جانب معالجة قضايا دقة البيانات والتحيزات والخصوصية، من المهم النظر في التأثيرات البيئية للذكاء الاصطناعي. فقد كتب مؤلفا Harvard Business Review، رين وويرمان (2024)، أن عملية تدريب نموذج ذكاء اصطناعي واحد — مثل نموذج لغوي كبير — قد تستهلك آلاف الميجاواط/ساعة من الكهرباء وتنتج مئات الأطنان من الكربون، وهو ما يعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لمئات الأسر في الولايات المتحدة.

ومن المتوقع أن يتضاعف الطلب على الطاقة المرتبط بالذكاء الاصطناعي عشر مرات بين عامي 2024 و2026، مما سيؤدي إلى زيادة تلوث الهواء والمياه، وإنتاج النفايات الصلبة، وارتفاع مستويات الأوزون والجسيمات الدقيقة (Ren & Wierman, 2024). وبالنسبة للجهات المانحة التي تركز على معالجة آثار تغير المناخ والحفاظ على النظم البيئية الصحية، فقد يتعارض استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات مع رسالتها.

كما يشير رين وويرمان إلى أن “الآثار البيئية السلبية للذكاء الاصطناعي غالبًا ما تثقل كاهل المجتمعات والمناطق الأكثر عرضة لهذه الأضرار” (2024). ومع تحول ثقافات العمل نحو اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي، ينبغي للجهات المانحة ذات الصلة المباشرة بالخدمات المجتمعية والإنسانية أن تكون واعية لهذا التناقض.

كذلك، يجب على الجهات المانحة إدراك التأثير المحتمل لاستثمارات الذكاء الاصطناعي على شركاء المنح والنظام البيئي غير الربحي. إذ تشير سارة هيرشاندَر في The Chronicle of Philanthropy إلى أن “جزءًا ضئيلًا جدًا من التمويل الخيري اليوم يذهب إلى حوكمة التكنولوجيا، رغم أن العديد من المؤسسات الكبرى تشجع الجهات المستفيدة على تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي أو حتى تبنيها” (Herschander, 2025).

وقد بدأ العديد من الممولين والمنظمات غير الربحية بالاستجابة. فقد أُنشئت مبادرة Humanity AI من قبل تحالف يضم 10 منظمات خيرية بهدف “ضمان أن يكون للأفراد والمجتمعات خارج وادي السيليكون دور في مستقبل الذكاء الاصطناعي” (Omidyar Network, 2025). والتزم التحالف باستثمار 500 مليون دولار على مدى خمس سنوات في خمسة مجالات ذات أولوية: العمل والاقتصاد، والعلوم الإنسانية، والأمن، والديمقراطية، والتعليم.


أهمية سياسات استخدام الذكاء الاصطناعي

يمكن لسياسات مدروسة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي أن تساعد بشكل كبير في معالجة هذه التحديات. وقد تشمل عناصر السياسة تحديد حالات الاستخدام المسموح بها وغير المسموح بها، والأدوات المقبولة وغير المقبولة، وكيفية الاستشهاد باستخدام الذكاء الاصطناعي، والتعامل مع الموردين والشركاء الذين لديهم سياسات مماثلة، وآليات الإفصاح في الوثائق التعاقدية.

وجدت رابطة تقنيات الجهات المانحة (TAG) في استطلاعها لعام 2024 أن 30% فقط من المؤسسات لديها سياسة خاصة بالذكاء الاصطناعي (TAG, 2024). كما تقدم TAG إطارًا مفيدًا لاعتماد الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، يتضمن اعتبارات أخلاقية وتنظيمية وتقنية (2023).

ونشرت مؤسسة ماك آرثر سياستها الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أنها تسعى إلى “تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بمسؤولية لتعزيز الإبداع والكفاءة والإنتاجية بما يخدم رسالتها، مع الاعتراف بمحدودياتها” (MacArthur Foundation, n.d.).

ومع التطلع إلى المستقبل، ستكون المنظمات الخيرية التي تضع سياسات واضحة في موقع أفضل للاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي ومنع استخدامه بشكل غير مسؤول. وكما تكتب رشيدة تشايلدرس في The Chronicle of Philanthropy: “من الضروري البدء بالقيم التنظيمية، والتركيز على القضايا الأساسية مثل الخصوصية والتحيز والشفافية، وتذكّر أن البشر — لا التكنولوجيا — يجب أن يكونوا في صميم كل عمل” (Childress, 2025).

 

الإعلام العام وغير الربحي يواجهان تهديدات وجودية

بقلم: تريش أبالو وإميلي دوبلر (M.P.P.)

التهديدات التي تواجه الصحافة في الولايات المتحدة واضحة وملموسة. فالمجال يعاني من تراجع الثقة العامة، وعدم استقرار مالي مزمن، واستمرار الاضطراب الرقمي، في وقت تجعل فيه المعلومات المضللة الحاجة إلى الأخبار الموثوقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

واليوم، يعمل نظام الإعلام العام — الذي يضم مئات محطات البث الإذاعي والتلفزيوني المدعومة من مؤسسة البث العام (CPB) إلى جانب التبرعات المؤسسية والفردية — على استعادة توازنه. ومع تصاعد التحديات واشتداد المنافسة على التمويل عقب إغلاق مؤسسة البث العام (Reuters, 2025)، برزت مؤسسات الأخبار غير الربحية (وهي منظومة مميزة لكنها مشابهة للإعلام العام) كركيزة أساسية. فقد ارتفع متوسط الإيرادات رغم تراجع عدد الشركات الناشئة الجديدة، ما يشير إلى نضج هذا المجال، وفقًا لمعهد الأخبار غير الربحية (2025). مستقبلًا، سيكون التمويل الخيري ونماذج الأخبار غير الربحية عنصرين حاسمين لبقاء الصحافة، خاصة في الجهود الرامية إلى دعم الإعلام العام.


ثقة مرتفعة… لكن استمرارية مهددة

يُعد نمو قطاع الأخبار غير الربحية ذا أهمية خاصة نظرًا لارتباطه القوي بالصحافة المحلية، التي تحظى بثقة عامة أعلى بكثير من وسائل الإعلام الوطنية. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز Pew Research Center أن 70% من الأمريكيين يثقون بالمؤسسات الإخبارية المحلية، مقابل 56% فقط يثقون بالأخبار الوطنية (Eddy & Shearer, 2025).

غير أن هذا التوسع يحدث داخل منظومة أوسع تعاني أزمة عميقة، ما يجعل بقاء المؤسسات الإخبارية أمرًا صعبًا، كما أشار مارتن في تقارير الاتجاهات السابقة (2019، 2023). وقد قدّرت مبادرة Medill للأخبار المحلية أن أكثر من 130 صحيفة أغلقت في عام 2025، مشيرة إلى أن نحو 40% من الصحف المحلية الأمريكية توقفت عن النشر خلال العقدين الماضيين (Metzger, 2025).

كما أوضح Metzger أن العمل الخيري خصص 1.1 مليار دولار لدعم الصحافة خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن هذا التمويل يظل شديد التركّز، حيث وصل إلى أقل من 1,000 منفذ إخباري من أصل 8,000 منفذ محلي في جميع أنحاء البلاد، مع توجيه معظم المنح إلى المناطق الحضرية.


الإعلام العام في أزمة وجودية

الإعلام العام هو الأكثر عرضة للخطر في هذه الأزمة، إذ يواجه تهديدًا وجوديًا حقيقيًا. ففي يوليو 2025، ألغى الكونغرس تمويل مؤسسة البث العام (CPB)، حيث صوّت بفارق ضئيل على سحب 1.1 مليار دولار مخصصة للعامين الماليين 2026 و2027، ما أدى في النهاية إلى إغلاق المؤسسة بالكامل (Reuters, 2025).

لفهم حجم التأثير، من المهم معرفة آلية تدفق التمويل الفيدرالي. فقد كانت CPB تعمل كوسيط يتلقى الاعتمادات الفيدرالية ويوزعها على منظومة الإعلام العام. وفي السنة المالية 2025، ذهب 70% من تمويل CPB مباشرة إلى محطات NPR وPBS المحلية (Beroza, 2025). أما الجزء المتبقي فدعم المنظمات الوطنية، حيث تلقت NPR ما بين 1% و2% من ميزانيتها من CPB، بينما حصلت PBS على 15% (Folkenflik & Langfitt, 2025).

وتُعد محطات الإعلام العام جزءًا أساسيًا من منظومة الأخبار غير الربحية، إذ تعمل تحت صفة 501(c)(3) وتشترك في رسالة تقديم صحافة مجتمعية هادفة. كما تُلزمها لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) بتقديم محتوى تعليمي غير تجاري. لذلك، فإن إلغاء التمويل لا يؤثر فقط على البث العام، بل يهدد جزءًا رئيسيًا من البنية التحتية الإخبارية التي تعتمد عليها المجتمعات.

وقد بدأت الآثار بالظهور بالفعل. فعلى المستوى الوطني، أعلنت NPR عن تخفيضات بقيمة 5 ملايين دولار، بينما قلصت PBS 15% من قوتها العاملة. كما أعفت NPR محطاتها الأعضاء من رسوم البرامج، وهو إجراء يهدف إلى تخفيف العبء عنها لكنه يلغي مصدر دخل يمثل ثلث ميزانيتها (Folkenflik & Langfitt, 2025).

أما المحطات المحلية فتواجه تحديات أشد، إذ فقد كثير منها ثلث ميزانياته التشغيلية أو أكثر بين ليلة وضحاها (Kim & Epps, 2025). ووصفت منظمة Media Impact Funders هذه التخفيضات بأنها “لحظة حاسمة” لفهم دور الممولين في دعم الأخبار المجتمعية (Sachdev, 2025).


مواجهة اللحظة: استجابات متعددة

تعميق تعاون الممولين والتزاماتهم

سد فجوات التمويل أصبح أولوية ملحة، خاصة للمحطات التي تخدم المناطق الريفية والمجتمعات القبلية (Bell & Starks, 2025). فقد أبرز تحالف الإعلام العام الريفي (2022) أن المحطات المجتمعية غالبًا ما تكون المصدر الوحيد للأخبار المحلية ومعلومات الطوارئ في هذه المناطق، ما يوضح خطورة قطع التمويل عنها.

ومن أبرز المبادرات:

  • Public Media Bridge Fund: يهدف إلى جمع 100 مليون دولار خلال عامين لدعم 115 محطة من الأكثر عرضة للخطر (MacArthur Foundation, 2025).

  • مؤسسة Knight: خصصت 10 ملايين دولار لدعم مباشر لمؤسسات الإعلام العام (Fuller, 2025).

  • مؤسسة MacArthur: منحت 1.25 مليون دولار للاتحاد الوطني لمذيعي المجتمع، الذي يدعم 200 محطة إذاعية تخدم مليوني شخص أسبوعيًا (Fuller, 2025).


حملات تمويل محلية طارئة

أطلقت العديد من المحطات حملات تمويل طارئة لحشد مجتمعاتها لسد الفجوات الناتجة عن التخفيضات الفيدرالية. فقد أعلنت GBH في بوسطن عن حملة بقيمة 225 مليون دولار بعنوان “Fund the Future”. كما حققت Louisville Public Media أكبر حملة جمع تبرعات خلال 24 ساعة في تاريخها، إذ جمعت 400 ألف دولار لتغطية خسائر عام مالي واحد (Falk, 2025).


حالة ألاسكا: مثال حيوي

تمثل ألاسكا حالة خاصة، إذ كانت أكثر من ربع تمويل CPB يذهب إلى إعلامها العام، الذي يُعد شريان حياة للمجتمعات الريفية (Alaska Community Foundation, 2025).

على سبيل المثال، محطة KYUK في بيتhel — أقدم محطة إذاعية مملوكة وتُدار من السكان الأصليين وتبث بلغتين — تقدم نشرات يومية بالإنجليزية ولغة يوغتون. ويتيح أحد برامجها للمجتمع الإبلاغ عن ظروف الجليد على نهر Kuskokwim لتحذير السكان من مخاطر السفر في الوقت الحقيقي (Rosenthal & Bradley, 2025).

وقد أطلقت محطات ألاسكا وصندوق Alaska Community Foundation مبادرة “Voices Across Alaska Fund”، التي جمعت 3.5 مليون دولار خلال شهرين من 80 متبرعًا، إلا أن استدامة التمويل لا تزال غير مؤكدة (Samuels, 2025).


المناصرة والتحرك القانوني

في مؤتمر Grassroots Radio لعام 2025، انتقدت مفوضة FCC آنا غوميز الإدارة الأمريكية بسبب ممارسات اعتبرتها رقابية، شملت التهديد بسحب التراخيص والتحقيقات المكلفة ضد وسائل الإعلام الناقدة (Loving, 2025).

كما نشرت منظمة Free Press مؤشرًا يحلل استجابة أكبر 35 تكتلًا إعلاميًا أمريكيًا للضغوط السياسية. ووقّعت عشرات الصحف الجامعية مذكرة دعم قانونية ضد إجراءات استهدفت طلابًا دوليين بسبب خطاب سياسي داعم لفلسطين، بدعم من مؤسسة Foundation for Individual Rights and Expression (Church & Srivasta, 2025).

وتبرز هذه الجهود الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام غير الربحية والأكاديمية، إلى جانب التمويل الخيري، في الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير.


الاستثمار في البنية التحتية طويلة الأجل

تسهم مؤتمرات مثل News Philanthropy Summit وRadically Rural في تعزيز التعاون واستراتيجيات الاستدامة (Jewell, 2025؛ Contant, 2025). كما توفر أدوات التتبع مثل Medill Local News Watch List وSemipublic’s job loss tracker بيانات مهمة حول “الصحارى الإخبارية” وفقدان الوظائف (Curley, 2025).


نظرة إلى المستقبل

سيختبر العام المقبل صمود المؤسسات الإخبارية والمجتمعات والممولين الداعمين لها. تواجه العديد من المؤسسات قرارات صعبة — تسريح موظفين، تقليص التغطية، أو الإغلاق (Brown, 2025؛ Johnson, 2025) — في ظل توترات طويلة الأمد بين الاستدامة المالية، والاستقلال التحريري، والتمويل اللازم للتوسع، وعدالة توزيع الموارد.

إن فقدان التمويل الفيدرالي لا يخلق فجوة مالية فحسب، بل يثير أسئلة ملحة حول من يسيطر على الصحافة ومن يستفيد منها، ما يضع ضغطًا متزايدًا على العمل الخيري للمساهمة في إيجاد الإجابات.

 

حين تتراجع الحكومة: كيف يمكن للأعمال والعمل الخيري أن يتقدما معًا

بقلم: إميلي برينر (M.P.A.)، توري مارتن (M.A.)، وأناليز أور،
بمساهمات بحثية من ليزلي سلافيت (Ph.D.)

في تقريري الاتجاهات لعامي 2019 و2021 (Moody, 2019؛ Moody, 2021)، تناول مركز جونسون مسألة “تلاشي الحدود” بين القطاع غير الربحي والقطاع الربحي، مستعرضًا نمو المنظمات الهجينة، والممارسات المتقاطعة، واقتصاد الأثر الاجتماعي.

ويُعد انتقال OpenAI في أكتوبر 2025 من منظمة غير ربحية إلى شركة منفعة عامة (OpenAI Group PBC) مثالًا بارزًا على استمرار هذا الاتجاه. فقد أصبحت المنظمة غير الربحية الأصلية تُعرف الآن باسم OpenAI Foundation، وتمتلك حصة بنسبة 26% في OpenAI Group PBC. وتُقدّر قيمة هذه الحصة بـ130 مليار دولار — وهو رقم “يتجاوز الـ86 مليار دولار التي تديرها مؤسسة غيتس، ما يجعلها فورًا واحدة من أكثر المؤسسات الخيرية تمويلًا في العالم”، بحسب Inside Philanthropy (Scutari, 2025).

ومع ذلك، يظل قطاعا الأعمال والعمل الخيري مجالين متميزين. فالطريق الوسط — إدارة مشروع ربحي مع تحقيق رسالة اجتماعية في الوقت ذاته — ليس دائمًا سهلًا. ففي سبتمبر 2025، استقال جيري غرينفيلد، الشريك المؤسس لشركة Ben & Jerry’s، معلنًا أن الرسالة الاجتماعية للعلامة التجارية كانت تُكمَّم من قبل الشركة الأم Unilever. وكتب في رسالة استقالته: “لم يكن الأمر يومًا مجرد آيس كريم… بل وسيلة لنشر الحب ودعوة الآخرين للنضال من أجل العدالة والمساواة وعالم أفضل” (Greenfield, 2025).

إن التوتر بين الأهداف التجارية والاجتماعية جزء طبيعي من أي شراكة أو تداخل بين هذين المجالين. لكن مع تراجع الحكومة الفيدرالية عن الدور الذي لعبته طويلًا في تمويل الاقتصادين الأمريكي والعالمي، أصبح لدى كلٍّ من العمل الخيري وقطاع الأعمال الكثير ليخسره — والكثير ليكسبه — عبر العمل المشترك.


شراكات جديدة لاقتصاد جديد

أحد أكبر التحديات التي يواجهها القطاع الخيري اليوم هو أن العديد من أزمات المجتمع الأكثر إلحاحًا — مثل التشرد، وإصلاح العدالة الجنائية، والاستجابة للكوارث — لا تمتلك حلولًا سوقية مثبتة.

لنأخذ الصحافة مثالًا. فقد عانت وسائل الإعلام لمدة عقدين في إيجاد نموذج مستدام عبر آليات رأس المال التقليدية، دون نجاح يُذكر. ومع إلغاء 1.1 مليار دولار من تمويل مؤسسة البث العام في عام 2025 (Reuters, 2025)، يحتاج القطاع الآن إلى إيجاد هذا المبلغ للحفاظ على عملياته. ولا يستطيع العمل الخيري وحده سد هذه الفجوة — لا الآن ولا في المستقبل. فإذا أرادت الولايات المتحدة صحافة حرة، فعليها ابتكار نموذج جديد لتحقيق ذلك.

في ظل غياب التمويل الحكومي وتزايد الحاجة، سيتعين على قطاعي الأعمال والعمل الخيري التعاون لإيجاد حلول إبداعية ومستدامة لدعم الخدمات الحيوية. ولن يقتصر الأمر على التمويل المالي فقط، بل يشمل أيضًا توظيف موارد أخرى مثل وقت ومهارات الطلاب والمتقاعدين، أو الاستفادة من الموارد المجتمعية المتاحة، أو الأطر والأدلة القائمة بالفعل.

فالإنجاز المشترك هو ما يوحدنا — أكثر بكثير من الأموال وحدها.


تهديد في الأفق: العطاء المؤسسي في ظل قانون ضريبي جديد

رغم وجود أسباب للتفاؤل، فإن التعديلات على قانون الضرائب الفيدرالي التي أُقرت في يوليو 2025 قد تجعل التعاون بين الأعمال والعمل الخيري أكثر صعوبة.

بلغت تبرعات الشركات 44.4 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 6% بعد احتساب التضخم مقارنة بعام 2023 (GivingUSA, 2025). ويشمل هذا الرقم المساهمات النقدية والعينية عبر برامج العطاء المؤسسي، إضافة إلى المنح المقدمة من المؤسسات التابعة للشركات، ويمثل 7% من إجمالي العطاء الخيري.

غير أن هذا الدعم بات مهددًا. فقبل إقرار قانون “One Big Beautiful Bill Act” (OBBBA) في يونيو 2025، لم يكن يُسمح للشركات بخصم التبرعات التي تتجاوز 10% من دخلها الخاضع للضريبة، لكن كان يمكن ترحيل الفائض لخمس سنوات لاحقة (Council on Foundations, 2025).

أما القانون الجديد، فقد أدخل حدًا أدنى بنسبة 1% لخصومات التبرعات المؤسسية، ما يعني أن الشركات يجب أن تتجاوز هذه العتبة قبل الاستفادة من أي خصم ضريبي. وقد يكون تأثير هذا التغيير كبيرًا؛ إذ يقدّر مركز المواطنة المؤسسية بجامعة بوسطن أن التبرعات المؤسسية قد تنخفض بنحو 45 مليار دولار خلال عشر سنوات، مقابل تحقيق الحكومة الفيدرالية 16.6 مليار دولار كإيرادات إضافية خلال الفترة نفسها.

وتشير تقديرات أخرى إلى صورة أكثر قتامة؛ إذ يتوقع المجلس الوطني للمنظمات غير الربحية انخفاضًا قدره 81 مليار دولار في العطاء الخيري خلال العقد المقبل بسبب هذا الحد الأدنى وأحكام أخرى في القانون الجديد. ورغم أن المجلس يتوقع أن يُولد الخصم الخيري الشامل 74 مليار دولار خلال الفترة ذاتها، فإن الفجوة المتبقية تبلغ 7 مليارات دولار من الخسائر الصافية.

ويوضح مركز المواطنة المؤسسية أن هذا الحد الأدنى يمثل تحولًا جذريًا في نهج الولايات المتحدة تجاه الحوافز الضريبية للعطاء المؤسسي، مشيرًا إلى أن التجربة الدولية تُظهر أن هذا النهج غير معتاد بين الدول المتقدمة وقد يؤدي إلى تراجع التماسك الاجتماعي.

الخلاصة أن التمويل المخصص للخدمات الحيوية — والذي كان يأتي تقليديًا من الحكومة وقطاع الأعمال — بات مهددًا، وفي كثير من الحالات بدأ يختفي بالفعل.


قطاعان شقيقان

إمكانات الشراكة غير محدودة، لكن شكل هذه الشراكات وطبيعتها لا يزال غير واضح. ومن المرجح أن يضطر كلٌّ من المنظمات غير الربحية والشركات إلى تقديم تنازلات وإعادة إحياء ثقافة التسوية والتوافق.

غير أن الحاجة قد تكون أم الاختراع. فالإبداع والخيال سِمتان مشتركتان بين القطاعين. كما أن الالتزام بالرسالة والغاية كان دائمًا جوهر العمل الخيري، وشهدنا خلال العقد الماضي تبني قطاع الأعمال توجهًا أوسع نحو تحقيق المنفعة العامة (Business Roundtable, 2019).

ورغم بقاء القطاعين متميزين، فإن مهمتهما المشتركة في بناء مجتمع مستدام لا تتغير. وفي غياب شريك حكومي قوي، سيحتاج قطاع الأعمال والعمل الخيري إلى بعضهما البعض أكثر من أي وقت مضى.

 

الابتكار من أجل البقاء: القطاع الخيري يبحث عن طرق جديدة للعمل

بقلم: جيف ويليامز (Ed.D., M.B.A.)

بالنسبة للعديد من المنظمات، أدى العجز عن العمل بفعالية في البيئة الحالية إلى التراجع نحو استراتيجيات البقاء، سواء لأسباب مالية أو تشغيلية. فقد أدت تخفيضات التمويل الحكومي إلى فقدان ثلث مقدمي الخدمات غير الربحيين في الولايات المتحدة لتمويلهم في أوائل عام 2025 (Tomasko et al., 2025). واستجابة لذلك، لم تعد المنظمات تندمج فقط من أجل الكفاءة، بل أصبحت تتساءل عن جدوى وجودها من الأساس. وتشير صحيفة The Chronicle of Philanthropy (Beasley, 2025) إلى أن 46% من أكثر من 400 قائد لمنظمات غير ربحية أعربوا عن قلقهم من احتمال اضطرار منظماتهم إلى الاندماج أو الإغلاق نتيجة لهذه التخفيضات.

وبينما تنكمش بعض المنظمات، يعيد البعض الآخر ابتكار نفسه من خلال التجريب، متفرعًا إلى مسارين متميزين: كيفية تنظيم التمويل، وكيفية هيكلة العمليات.


من منظور المؤسسة أو المانح

أصبح بعض المانحين يتجاوزون نموذج المؤسسة الخاصة التقليدي لصالح أدوات توفر السرعة والخصوصية والمرونة السياسية. ويُعد صعود ما يُعرف بـ “العمل الخيري عبر شركات ذات مسؤولية محدودة (LLCs)” — كما هو الحال في مبادرة Chan Zuckerberg Initiative (CZI) ومؤسسة Emerson Collective — مثالًا واضحًا. إذ تتيح هذه الصيغة للجهات المانحة الجمع بين التبرعات الخيرية التقليدية، والاستثمار ذي الأثر، والمناصرة السياسية، دون القيود التنظيمية والإفصاحات العامة التي تفرضها صفة 501(c)(3).

وقد وثّقت تقارير الاتجاهات السابقة تحولات أخرى. فهناك ازدياد في العطاء الجماعي وتجمعات المانحين (Loson-Ceballos & Layton, 2024)، التي تُضفي طابعًا مؤسسيًا على تقاليد الكرم المجتمعي. كما تتيح المنصات الرقمية مثل GoFundMe تقديم تبرعات مباشرة وعلى نطاق محلي ضيق، متجاوزة مؤسسات المنح التقليدية بالكامل.

وفي إطار العمل التقليدي للمنح، تسعى فلسفة “العمل الخيري القائم على الثقة” (Behrens & Martin, 2020) إلى تفكيك علاقات القوة الصارمة بين المانح والمتلقي. وفي الوقت ذاته، تستمر أدوات جديدة مثل الصناديق المانحة المُوجَّهة (Donor Advised Funds) في اكتساب شعبية (Heist et al., 2025). كما اختارت بعض المؤسسات تحديد عمر زمني محدود لها بدلًا من العمل إلى أجل غير مسمى (Dale, 2025).


من منظور المنظمة التشغيلية غير الربحية

على الجانب التشغيلي، لم تعد صفة 501(c)(3) الخيار الوحيد. فقد ظهرت شركات المنفعة العامة (Public Benefit Corporations – PBCs) (Hiller, 2013) وغيرها من الهياكل الربحية المحدودة التي تتيح إعطاء الأولوية للرسالة الاجتماعية إلى جانب تحقيق الأرباح.

كما أشرنا سابقًا إلى أن “الرعاية المالية” (Fiscal Sponsorship) (Williams & Akaakar, 2024) تشهد عودة قوية، متحولة من حل إداري مؤقت إلى مقر تشغيلي دائم. فمن خلال احتضان المشاريع داخل كيان أكبر يتولى شؤون الموارد البشرية والرواتب والامتثال القانوني، يمكن لرواد الأعمال الاجتماعيين التركيز بالكامل على رسالتهم.

وتحتفظ منظمات أخرى بنفس الهياكل القانونية، لكنها تجرب هياكل داخلية جديدة، مثل نموذج الرئيسين التنفيذيين المشتركين أو نماذج القيادة الموزعة (Sharp Eizinger & Martin, 2023؛ Sharp Eizinger, Peterson, & Martin, 2022). كما عاد الاهتمام بالنموذج “المترابط” الذي يجمع بين منظمة خيرية 501(c)(3) وكيان 501(c)(4) غير مؤهل للخصم الضريبي.

ورغم أن تشغيل كيانات متعددة ليس أمرًا جديدًا، فإن هذا الهيكل يحظى اليوم باهتمام متجدد كأداة دفاعية. فبحسب The Chronicle of Philanthropy (Gose, 2025)، يستكشف بعض القادة إنشاء كيانات (c)(4) ليس فقط للمناصرة، بل لحماية الأصول وكسب الوقت في حال محاولة الحكومة الفيدرالية تجميد الأصول أو إلغاء الإعفاء الضريبي.


الحالة المعقدة لـ OpenAI

ربما يكون OpenAI أبرز مثال على التجريب الهيكلي. فقد تأسست في عام 2015 كمنظمة غير ربحية 501(c)(3)، ثم أضافت في عام 2019 شركة تابعة ربحية لجمع رأس المال اللازم لأبحاث الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق. وفي أواخر 2025، أعادت رسملة نفسها بتحويل ذراعها الربحي إلى شركة منفعة عامة (OpenAI Group PBC)، مع بقائه تحت السيطرة النهائية لمؤسسة OpenAI غير الربحية.

غير أن هذا الهيكل الفريد واجه تحديات حوكمة كبيرة. فقد أبرزت إقالة الرئيس التنفيذي سام ألتمان المفاجئة عام 2023 ثم إعادته لاحقًا التوترات بين مجلس إدارة غير ربحي يركز على الرسالة ومصالح المستثمرين الكبار. وأكدت اتفاقيات الرقابة الناتجة عن ذلك صعوبة الحفاظ على حوكمة مستقلة في الكيانات الهجينة.


تلاشي الحدود وظهور أسئلة جديدة

تشير هذه التجارب مجتمعة إلى ابتعاد عن الهياكل التقليدية الهرمية، وتثير أسئلة جديدة. فهناك مخاوف متزايدة بشأن انحراف الرسالة، وتضارب الواجبات الائتمانية، وكيفية تقييم الأصول الخيرية لضمان بقائها مخصصة لاحتياجات المجتمع.

ومع تلاشي الحدود بين العمل الخيري والتجاري، يتراجع أيضًا وضوح مفهوم الحوكمة المستقلة والفاصل بين الأنشطة الخيرية والتجارية — كما أشرنا في عام 2019 (Moody).

حل هذه التوترات لن يتحقق عبر هياكل قانونية جديدة فقط، بل يتطلب مشاركة عامة فعالة، وشفافية من القطاع الخيري، وإطارًا قانونيًا يسمح بالإبداع دون التضحية بالمساءلة.

ومع استمرار تآكل الثقة في المؤسسات التقليدية، يبرز سؤال جوهري:
هل يمكن للعمل الخيري أن يعيد ابتكار هياكله دون أن يفقد روحه؟

 

الحركات المجتمعية تقود العمل المناخي

بقلم: تريش أبالو وإميلي دوبلر (M.P.P.)،
بمساهمات بحثية من ليزلي سلافيت (Ph.D.)

سلّط مركز جونسون الضوء لأول مرة على قضايا تغيّر المناخ والعمل الخيري في مواجهة الكوارث في تقرير اتجاهات 2020 (Behrens & Martin). وفي عام 2023، تناول لايتون وبيترسون وديتز كيف يتكيف القطاع مع واقع جديد يتمثل في كوارث أكبر وأكثر تكرارًا، من خلال تبنّي استراتيجيات ترتكز على المجتمعات المحلية وتمنحها الأولوية، والتحول من مجرد الاستجابة إلى بناء القدرة على الصمود.

ومع دخول عام 2026، يستمر هذا الزخم، حيث تواصل المنظمات غير الربحية والحركات الشعبية والجهات المانحة الداعمة لها الدفع نحو عمل مناخي مستدام. وتعمل هذه الشراكات اليوم على إحداث تغييرات وتعزيز الأنظمة والنشاط المدني في ظل تحولات كبرى في السياسات والتمويل الفيدرالي.


تزايد التكرار والحدة

وفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (2025)، كان عام 2024 الأشد حرارة على الإطلاق، وأول عام يتجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية التي حددها اتفاق باريس. ويؤكد هذا التجاوز السنوي خطورة الأزمة المناخية المتصاعدة وتأثيراتها على الصحة المجتمعية والبنية التحتية والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم (Ripple et al., 2024).

وقد أدت الفيضانات والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية إلى نزوح 45.8 مليون شخص عالميًا في عام 2024 — أي أكثر من ضعف المتوسط خلال السنوات الـ15 الماضية (International Displacement Monitoring Centre, 2025). وفي الولايات المتحدة وحدها، بلغت خسائر الكوارث المرتبطة بالمناخ 182.7 مليار دولار في العام ذاته (NOAA, 2025).

وفي المقابل، قدّر تقرير Giving USA أن إجمالي العطاء الخيري في 2024 بلغ 592.5 مليار دولار. ولو كان على العمل الخيري وحده تمويل التعافي من الكوارث، لاحتاج إلى تخصيص نحو 31% من إجمالي العطاء الأمريكي لهذا الغرض.


الحلول المجتمعية تقود الطريق

مع تسارع الكوارث المناخية وتراجع الدعم الفيدرالي، تتزايد الضغوط على العمل الخيري للقيام بدور أكبر. وتتصدر الحركات الشعبية المشهد عبر حلول مجتمعية شاملة ومنهجية (Gersigny, 2025؛ Greenberg et al., 2025).

تعتمد هذه المجموعات نهجًا شموليًا يدمج العدالة الاجتماعية والتفكير طويل الأمد في استراتيجياتها، مع التركيز على جميع المراحل — الاستعداد والوقاية وإعادة البناء — ومراعاة الفوارق الاجتماعية والجغرافية، والسعي لتحقيق توازن بين الاحتياجات الفورية وبناء مستقبل عادل ومزدهر.

فعلى سبيل المثال، طوّرت مجتمعات محلية معارف وحلولًا لتغيير الأنظمة، بالتنسيق بين استراتيجيات محلية وولائية ووطنية. وقد أبرز تقرير “Changing the Game” 15 حالة لاستراتيجيات مجتمعية، منها جهود مركز Acadia في ولاية مين، التي ساعدت في جعل الولاية الأسرع اعتمادًا لمضخات الحرارة كبديل أنظف للوقود الأحفوري. وأسهمت هذه المبادرات في خفض الانبعاثات وتعزيز الديمقراطية والصحة والعدالة.


الجنوب الأمريكي وأبالاشيا

تُظهر الشبكات المجتمعية كيف تسهم العلاقات المتجذرة في تحقيق استجابة عادلة للكوارث المناخية. فقد تمكّنت دائرة العطاء CoThinkk في نورث كارولاينا من التحرك بسرعة خلال إعصار هيلين بفضل عقود من الثقة مع السكان.

كما أطلقت شبكة ممولي أبالاشيا أداة “Appalachian Helene Impact Explorer” في أكتوبر 2025 لرصد فجوات توزيع الموارد بشكل عادل، بعد إخفاق وعود FEMA ووكالات فيدرالية أخرى. واستُخدمت الأداة لتعزيز جهود التمويل للتعافي طويل الأمد.


توظيف المعرفة الأصلية

تعزز المنظمات المعرفة والقيادة والسيادة الأصلية كحلول مناخية. فالمجتمعات الأصلية ليست فقط حاملة للمعرفة التقليدية، بل في طليعة الدفاع المناخي، إذ تواجه آثارًا جسيمة وتقود استجابات منهجية (Chiblow et al., 2025).

في متحف العلوم ببوسطن، عرض قادة قبائل وامبانواغ وشينيكوك وكلاماث وغيرهم كيف تُسهم المعرفة البيئية التقليدية في الحد من حرائق الغابات عبر ممارسات “الحرق الثقافي” التي تعيد تأهيل النظم البيئية.

وفي القطب الشمالي، يتعاون مرصد ألاسكا القطبي مع مراقبين من شعب إينوبياك لرصد فقدان الجليد وتغيرات الحياة البرية (Glenn, 2023)، مما يعزز التخطيط القبلي والأمن الغذائي.

وقد التزم الممولون بدعم حقوق الأراضي الأصلية، حيث تم الوفاء بتعهد بقيمة 1.7 مليار دولار قبل موعده بعام، وتجديد التعهد بمبلغ 1.8 مليار دولار حتى عام 2030. ومع ذلك، لا يزال وصول التمويل مباشرة إلى المجتمعات الأصلية محدودًا، إذ لم يتجاوز 7.6% في 2024.


دروس من إعصار كاترينا

بعد عشرين عامًا من إعصار كاترينا، لا يزال التعافي غير مكتمل، وأثبتت التجربة أن الكوارث تضاعف أوجه عدم المساواة. وفي أغسطس 2025، نظمت منظمة Project South تجمعًا شعبيًا لإحياء الدروس وربطها بجهود المناخ الحالية.


العمل بقيادة الشباب

تسهم الحركات الشبابية في ترسيخ سوابق قانونية لحماية المناخ. فقد حقق دعاة شباب، بدعم من منظمة Our Children’s Trust، أحكامًا تاريخية في قضيتي Held v. Montana وNavahine v. Hawaii أكدت الحق الدستوري في مناخ صالح للعيش.


مشهد تمويلي شديد التركّز

رغم تزايد الكوارث، لم تمثل جهود المناخ سوى 1.4% من إجمالي عطاء المؤسسات الخاصة والمجتمعية في 2022 (Center for Disaster Philanthropy, 2024).

كما كشف مشروع Just Returns أن 3% فقط من أصل 2.7 مليار دولار من تمويل 50 جهة مانحة رئيسية وصل إلى المنظمات الشعبية. وذهب 40% من التمويل إلى خمس مؤسسات فقط، بينما تلقت الحركات الشبابية أقل من 1% من المنح بين 2022 و2024، رغم دورها التشريعي الحاسم.

ورغم أن مقاومة الشعوب الأصلية لمشاريع الوقود الأحفوري منعت انبعاثات تعادل ربع الانبعاثات السنوية للولايات المتحدة وكندا، فإنها تتلقى أقل من 1% من التمويل الخيري الأمريكي.


تحولات في الأفق

في 2024، خصصت رابطة ممولي البيئة 805 ملايين دولار للمناصرة وبناء الحركات. كما تُعد مبادرات مثل Fund for Frontline Power وSeventh Generation Fund نماذج لدعم القيادة المجتمعية.

ومن الأمثلة أيضًا مؤسسة Swift، التي ستُنهي عملها بحلول 2028 لإعادة توزيع وقفها لصالح حماة الأراضي والمعرفة الأصلية.

ورغم تقليص بيل غيتس لفريق Breakthrough Energy هذا العام، شهد مؤتمر COP30 تعهدات جديدة، منها 300 مليون دولار من مجموعة Climate and Health Funders، إضافة إلى التزامات من Bloomberg Philanthropies لمعالجة انبعاثات الميثان.


تحولات جذرية في المشهد الفيدرالي

شهد عام 2025 تغييرات واسعة في السياسة المناخية الأمريكية:

  • أمر الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من اتفاق باريس في أول يوم له.

  • جمدت وكالة حماية البيئة 29 مليار دولار من المنح المناخية.

  • شهد قانون المياه النظيفة تراجعًا في الرقابة التنظيمية.

  • تم تقليص ميزانيات وهيئات مثل FEMA وNOAA، ما يؤثر على الاستعداد للكوارث.

وتؤكد هذه التراجعات العبء المتزايد على العمل الخيري، والتداعيات القادمة على المجتمعات.


خاتمة

في مقال 2020، حددت تيري بيرينز وتوري مارتن أربعة مجالات لعمل القطاع المناخي: الاستجابة للكوارث، دمج آثار المناخ في الاستراتيجيات القائمة، الابتكار في الوقاية، والمناصرة السياسية. ويؤكد تحليل 2026 أن هذه الفئات لا تزال قائمة، بل أصبحت أكثر تداخلًا وإلحاحًا مع تراجع البنية التحتية الفيدرالية.

وكما قال الدكتور روبرت بولارد، “نحن نتحدث عن بناء شيء يدوم”.
وهذا هو جوهر العمل المناخي المجتمعي — أثر دائم متجذر في التجربة الحية ويقوده الأكثر تأثرًا بالأزمة.

 

شركاء لم يعودوا كذلك؟

الحكومة والعمل الخيري يتنقلان في علاقة متصدعة
بقلم: جيل روف (M.P.A.) وجيف ويليامز (Ed.D., M.B.A.)

على مرّ السنوات، وثّق مركز جونسون العلاقة بين العمل الخيري والحكومة، والأثر المستمر للسياسة والتمويل الحكومي على القطاع المستقل. ولطالما نظرنا إلى الحكومة والعمل الخيري كشريكين: قد تكون العلاقة بينهما متوترة أحيانًا، لكنها متفقة في الغاية. ورغم أن تطور هذه العلاقة كان موضوعًا متكررًا في تقارير الاتجاهات، فإن أحدًا لم يتوقع حجم الاضطراب الذي شهده عام 2025، مما يشير إلى أن هذين الشريكين التاريخيين قد يتحولان إلى خصمين.


مستقبل تعديل جونسون

في عام 2018، ناقشنا كيف يمكن لمحاولات إلغاء “تعديل جونسون” — الذي يمنع المنظمات غير الربحية المصنفة 501(c)(3) من تأييد أو معارضة مرشحين لمناصب عامة — أن تغيّر قواعد اللعبة للقطاع غير الربحي (Caldwell & Downey). آنذاك، افترضنا أن أي تغيير سيأتي عبر تشريع. ورغم فشل تلك المحاولة، ظل صوت المنظمات غير الربحية في السياسة الانتخابية غير مستقر.

لكن ما لم يكن متوقعًا هو أن يتغير المشهد مجددًا بحلول 2024 — هذه المرة عبر مسار قضائي محتمل.

ففي أغسطس 2024، رُفعت دعوى أمام محكمة فيدرالية في تكساس تدعي أن شرط الحياد الوارد في تعديل جونسون ينتهك حرية التعبير. وفي النصف الثاني من عام 2025، اتفقت مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS) والكنيستان المدعيتان على حكم بالتراضي يمنع تطبيق التعديل عليهما إذا تم اعتماده (Aprill, 2025).

وبغض النظر عن النتيجة، فإن هذا الحكم لن يغيّر فورًا كيفية تطبيق مصلحة الضرائب للتعديل على جهات أخرى، إذ لم يكن التطبيق صارمًا عمليًا على التصريحات السياسية الصادرة من المنابر الدينية (Hauser & Duniway, 2025). ومع ذلك، فإن أي حكم سلبي قد يفتح بابًا واسعًا لعدم اليقين بشأن مدى انطباق مبدأ الحياد السياسي على الكنائس والمنظمات غير الربحية والمؤسسات.

وتتباين الآراء حول ما قد يحدث لاحقًا. فالمجلس الوطني للمنظمات غير الربحية (2025) والعديد من المؤسسات — بما فيها دور العبادة — يرون أن إلغاء التعديل قد يؤدي إلى تسييس العمل الخيري وتعميق الانقسامات الوطنية (Leddy, 2025). بينما يرى آخرون أن استثناء المؤسسات الدينية فقط قد يُطعن فيه باعتباره تفضيلًا غير دستوري لها على المؤسسات العلمانية (Hauser & Duniway, 2025).

وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، لا يزال الحكم قيد النظر، ما يضع المنظمات والمؤسسات والمتبرعين في حالة انتظار وسط أسئلة جوهرية بلا إجابة.


التمويل الحكومي في العمل الخيري

بعيدًا عن السياسة الانتخابية، تستمر سياسات الضرائب وتغييرات التمويل الحكومي في التأثير على إيرادات المنظمات غير الربحية بطرق يصعب التنبؤ بها أو التخطيط لها، كما ناقشنا في تقارير 2019 و2025.

غير أن ما ميّز عام 2025 لم يكن مجرد تغييرات في السياسات، بل غياب استقرار التدفقات النقدية. فبسبب اضطرابات التمويل على مدار العام، وإغلاق الحكومة الفيدرالية في أكتوبر 2025 (Wessel, 2025)، اكتشفت المنظمات والمجتمعات أن تأخير التمويل وأوامر وقف العمل قد تكون مدمرة بقدر التخفيضات المباشرة.

أفاد تقرير لمعهد Urban Institute (Tomasko et al., 2025) أن ثلث المنظمات غير الربحية واجهت اضطرابات في التمويل الحكومي الفيدرالي أو الولائي أو المحلي خلال عام 2025. كما كانت هذه المنظمات أكثر عرضة لتقليص الموظفين والبرامج والتوظيف لاحقًا. وحتى المنظمات التي لم تتأثر مباشرة، أشارت إلى أن هذه الاضطرابات غيّرت مشهد التمويل وزادت صعوبة جمع التبرعات.

وأكدت أبحاث مركز جونسون (Williams, 2025) أن القطاع غير الربحي لا يمكنه أن يحل محل الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية أو تعزيز الصالح العام. ففي عام 2024، بلغت النفقات الفيدرالية 6.75 تريليون دولار، في حين بلغت أصول المؤسسات الخاصة والمجتمعية 1.466 تريليون دولار فقط.

ومع مطالبة المنظمات بالقيام بالمزيد بموارد أقل، يجب الانتباه إلى التحديات والحدود غير الواضحة والتوقعات غير الواقعية التي تنشأ عندما يبدأ العمل الخيري في استبدال أو حتى إقصاء الدور التقليدي للحكومة — كما حذّر كالدوييل (2018) ومارتن (2021).

وبسبب تقلب البرامج والدعم الحكومي، أدرك القطاع غير الربحي أنه إذا كان ملتزمًا بإحداث تغيير منهجي واسع، فعليه الانخراط مع “الأنظمة وصانعيها” أنفسهم عبر المناصرة والضغط السياسي (Martin, 2025).


بصيص أمل

بدأت مؤشرات على تزايد الانخراط بالظهور. ففي أبريل 2025، أُطلقت حملة “Unite in Advance” لدعم حرية العمل الخيري (Allen et al., 2025). وبعدها بنحو ستة أشهر، وقّع قادة أكثر من 100 مؤسسة رسالة مفتوحة دفاعًا عن حرية التعبير بعد انتقادات البيت الأبيض لبعض المؤسسات التقدمية (Daniels, 2025b).

كما أعاد النائبان داني ديفيس (ديمقراطي – إلينوي) وبليك مور (جمهوري – يوتا) إطلاق “التجمع البرلماني للعمل الخيري” في ديسمبر 2025. ويهدف هذا التجمع إلى تعزيز فهم الكونغرس لدور القطاع، ودعم سياسات تحفّز العطاء وتحمي الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

ووفقًا لتقارير The Chronicle of Philanthropy، ساهم هذا التجمع في تحقيق إنجازات مهمة، منها اعتماد الخصم الخيري الشامل في صيف 2025 وإحباط مقترحات تعديل ضرائب المؤسسات (Daniels, 2025a). كما كان للمناصرة المباشرة من United Philanthropy Forum دور في إعادة تشكيل هذا التجمع، ما يعكس إدراك القطاع لأهمية التفاعل المباشر مع صانعي السياسات.


أين نقف اليوم؟

يواصل العمل الخيري اليوم التعامل مع تغييرات في البرامج والخدمات والتمويل الحكومي، بل وحتى في المفردات المقبولة لوصف العمل. وكما كتب أمير باسيك ويوجين تمبل (2023)، لا يمكن تجاهل هشاشة القطاع المستقل أمام سلوك الحكومة، لأن “قطاعًا مستقلًا نابضًا وحكومة عادلة تحمي الحقوق والحريات هما صورتان متقابلتان في المرآة”.

تظل الحكومة والعمل الخيري مترابطين ومعتمدين على بعضهما البعض. لكن أحداث عام 2025 تطرح سؤالًا جوهريًا:

هل ندخل حقبةً يُضطر فيها العمل الخيري إلى العمل رغم الحكومة، بدلًا من العمل معها؟

 

نحتاج إلى البيانات… ونحتاج إلى السياق. وكلاهما في خطر.

بقلم: جو فان دورنيك (M.S.A., PMP) وكالي باور (M.B.A.)،
بمساهمات بحثية من كريزول بيليز وجيسون إنتينغ

في عام 2021، شبّه مركز جونسون البيانات بالهواء — شيء موجود في كل مكان، حيوي، ومتاح بحرية (Williams, 2021). لكن كما يمكن تقييد الهواء أو حجبه، نتعلم اليوم أن البيانات يمكن أن تُقيَّد أيضًا.

فاليوم، تتوفر مجموعات بيانات فيدرالية أقل للباحثين مقارنةً بالعام الماضي. كما أن تآكل الثقة في البيانات والمؤسسات أوجد عوائق جديدة أمام جمع البيانات ونشرها. وإضافة إلى ذلك، لا يزال الذكاء الاصطناعي مصدرًا لقوة كبيرة ومخاطر كبيرة في آنٍ واحد.

أصبح مستقبل مشهد البيانات في العمل الخيري يعتمد على تطوير مسارات جديدة لجمع البيانات وإشراك المجتمعات، والدفاع عن الحفاظ على إتاحة مجموعات البيانات العامة، وتعزيز إنتاج “قصص بيانات” مسؤولة تدعم اتخاذ القرار.


اختفاء النظام البيئي الوطني للبيانات

خلال عام 2025، قامت وكالات حكومية فيدرالية أمريكية بإزالة أو محاولة إزالة أو إيقاف نشر مجموعات بيانات عامة، من بينها:

  • يناير: أزالت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بيانات حول النوع الاجتماعي والميول الجنسية، بما في ذلك مسح سلوكيات المخاطر لدى الشباب (YRBS) (Steenhuysen & Hesson, 2025). وأُعيدت البيانات بأمر قضائي في 11 فبراير (Stone, 2025).

  • فبراير: أعلنت الرابطة الأمريكية لأبحاث التعليم (AERA) ومجلس الجمعيات المهنية للإحصاءات الفيدرالية (COPAFS) إلغاء 169 عقدًا مع المركز الوطني لإحصاءات التعليم (NCES)، كانت تتعلق بجمع بيانات حول التمويل الجامعي، ونقص المعلمين، والتغيب المزمن، ونتائج التعليم العالي (Levine, 2025).

  • مايو: أوقفت المراكز الوطنية لمعلومات البيئة (NCEI)، التابعة للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، تقرير “كوارث الطقس والمناخ بمليار دولار” (2025).

  • سبتمبر: أعلنت وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) إنهاء تقارير الأمن الغذائي الأسري المستقبلية (USDA, 2025).

لا يمكن التقليل من أهمية الوصول إلى البيانات الفيدرالية. فهي تمكّن المؤسسات والمنظمات غير الربحية من تحديد الاحتياجات، وقياس النتائج، واتخاذ قرارات استثمارية مستنيرة. وكما قالت ليزلي بواسير من مؤسسة Annie E. Casey: “عندما تضعف البيانات، نصبح جميعًا نعمل في الظلام” (Stiffman, 2025).

استجابةً لذلك، بدأ القطاع الخيري في تنظيم وتمويل جهود “إنقاذ البيانات”. فقد أُطلق مشروع Data Rescue في فبراير 2025 للحفاظ على مجموعات البيانات الفيدرالية قبل اختفائها المحتمل. كما اقترحت مؤسسة David and Lucile Packard إطارًا لحماية وإعادة بناء أنظمة البيانات العامة. وخصصت مؤسسة Robert Wood Johnson مبلغ 30 مليون دولار للحفاظ على بيانات الصحة العامة والمناخ، ودعم الدراسات المحلية المعتمدة على البيانات.


الجهود المستمرة لتعظيم قيمة البيانات

قبل دخول عام 2025، كانت أولويات القطاع في مجال البيانات تشمل:

  • زيادة الوصول والشفافية،

  • ضمان ممارسات مسؤولة في الجمع والتحليل،

  • دعم الثقافة الرقمية لدى الممارسين.

ورغم استمرار هذه الأهداف، فإن التحديات تتزايد.

البيانات الشخصية والثقة العامة

هناك أسباب عديدة تعيق وصول المنظمات إلى البيانات، منها تأخر نشر البيانات من مصلحة الضرائب ووكالات أخرى، وضعف القدرات التقنية، ونقص الموارد (Bauer, 2022).

لكن عاملًا جديدًا يزيد الأمر تعقيدًا: تراجع الثقة. فقد أظهر استطلاع وطني أجراه مركز جونسون في 2025 (Doebler & Williams, 2026) أن نسبة كبيرة من المشاركين لا يثقون في قدرة المنظمات غير الربحية على حماية بياناتهم الشخصية. إذ أفاد 38% بعدم ثقتهم في قدرة منظمات محلية مثل بنوك الطعام على حفظ بياناتهم بأمان، مقابل 31% فقط يشعرون بالثقة. وكانت الثقة أقل تجاه الجهات المانحة.


الذكاء الاصطناعي

يزداد هذا القلق مع احتمال وجود تحيزات في تحليلات البيانات عبر أدوات الذكاء الاصطناعي. فبينما أحدثت هذه الأدوات ثورة في التحليل، فإنها قد تنتج تحيزات أو أخطاء. لذلك، يجب استخدام الذكاء الاصطناعي بحذر وشفافية لمنع مزيد من تآكل الثقة.

اليوم أكثر من أي وقت مضى، يتعين على المنظمات تعزيز الثقة وضمان وضوح كيفية استخدام بيانات المشاركين.


خرائط العدالة وسياق المجتمع

في تقرير اتجاهات 2020، أشار باور وبوراشكو إلى انتشار أدوات “خرائط العدالة” التي تحوّل كميات ضخمة من البيانات إلى مؤشرات مرئية تساعد المجتمعات على فهم الفوارق والفرص.

لكن البيانات دون سياق قد تكون مضللة. وكما كتب دورمان (2022)، فإن الأرقام وحدها قد توحي بإجابات بسيطة لعالم معقد، ما قد يؤدي إلى تبسيط مخل أو سوء استخدام.

ولهذا، تتجه العديد من المؤسسات إلى سرد القصص بالبيانات — أي استخدام التصورات التفاعلية لدعم روايات تضيف سياقًا ومعنى للأرقام. فقد أصدرت PEAK Grantmaking خمس استراتيجيات لسرد البيانات، كما حدد مركز Nonprofit Leadership Center عناصر أساسية لإتقان هذا النهج. وتبرز مبادرة DATA4Philanthropy كمجموعة تعلّم تشجع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا ودمج التجارب الحياتية.


ما القادم؟

رغم تحديات تراجع الوصول إلى البيانات، يمكن للقطاع تطوير أطر جديدة تضمن الديمومة والعدالة والشفافية.

من بين المسارات الممكنة:

  • تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص ومصادر بيانات مستقلة لسد الفجوات (Axelrod et al., 2025).

  • دمج البيانات النوعية مع الكمية لإضفاء سياق إنساني على الأرقام (Kirvan et al., 2024).

  • وضع سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.

  • مواصلة الدفاع عن إتاحة البيانات العامة.

ولكي يزدهر القطاع في هذا المشهد الجديد، يجب أن يكون مرنًا ويقظًا ويتحمل مسؤولية جماعية.

في النهاية، البيانات وحدها لا تكفي.
نحن بحاجة إلى البيانات — ونحتاج إلى السياق — والأهم من ذلك، نحتاج إلى الثقة التي تربط بينهما.

 

رفاه الموظفين في خطر في زمن الاضطراب المفرط

بقلم: جيل روف (M.P.A.)، أناليز أور، وماندي شارب إيزينغر (M.S.)

تواجه المنظمات غير الربحية، التي تقدم خدمات حيوية لمجتمعاتها، عوائق تمويلية وتحديات متعددة عند محاولة الاستثمار في رفاه أثمن مواردها: موظفيها. ففي العام الماضي فقط، حدد مركز جونسون أزمة القوى العاملة في القطاع غير الربحي كأحد الاتجاهات البارزة (Sharp Eizinger & Roof, 2025)، نظرًا للتهديدات المتزايدة للصحة النفسية والعاطفية والجسدية للعاملين. وفي نهاية المطاف، لا تهدد هذه الضغوط الموظفين فحسب، بل البرامج غير الربحية والأشخاص الذين يعتمدون عليها أيضًا.

يوفر العاملون في القطاع غير الربحي خدمات وبرامج أساسية للأفراد والأسر المحتاجة. ومع ذلك، أظهر تقرير 2024 الصادر عن Independent Sector وUnited for ALICE أن 22% من موظفي القطاع في عام 2022 كانوا يعيشون في أسر غير قادرة على تحمل تكاليف الاحتياجات الأساسية. وقد تفاقمت هذه الأزمة بفعل التغيرات السياسية وتخفيضات الميزانيات التي حدّت من قدرة القطاع على العمل. ووفقًا لمعهد Urban Institute (Tomasko, 2025)، خلقت الأوامر التنفيذية الأخيرة وتخفيضات التمويل الفيدرالي حالة من عدم اليقين الخطير للممارسين في القطاع.


الاحتراق الوظيفي بين القادة والموظفين

أفاد تقرير Center for Effective Philanthropy لعام 2025 (Smith Arrillaga et al., 2025) بأن قادة المنظمات غير الربحية يواجهون صعوبة في تنفيذ رسالتهم بفعالية وسط تحديات كبيرة تؤثر على قدرتهم التشغيلية.

وليس من المستغرب أن 86% من القادة أعربوا عن قلقهم بشأن احتراقهم الوظيفي، بينما قال 89% إن الاحتراق يؤثر على موظفيهم. كما أشارت تقارير The Chronicle of Philanthropy إلى أن إغلاق الحكومة في أواخر 2025 زاد الضغط على قطاع يعاني أصلًا من إرهاق شديد، حيث وُصف هذا الغموض بأنه عبء نفسي وعاطفي على أشخاص يسعون ببساطة إلى مساعدة جيرانهم وتحسين حياتهم.


البقاء على قيد العمل: البرامج والأرواح على المحك

يدرك القادة أهمية رفاه الموظفين. ومنذ عام 2020، نشر مركز جونسون أربعة مقالات ضمن تقارير الاتجاهات حول دمج العافية في ثقافة المؤسسات، عبر نماذج القيادة المشتركة، وإجازات التفرغ، وبرامج مخصصة لدعم رفاه الموظفين.

لكن الانقسامات السياسية، والتشكيك في شرعية البرامج ولغتها، والاضطرابات التمويلية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الخدمات، خلقت أزمة جديدة للقطاع وللعاملين فيه.

تشير بيانات Nonprofit Finance Fund (2025) إلى أن 32% من المنظمات تعتبر “توفير رفاه الموظفين” تحديًا رئيسيًا أو ثانويًا. كما قامت منظمات مثل Minnesota Council of Nonprofits بنشر موارد للتعامل مع حالة عدم اليقين، تشمل التخطيط للسيناريوهات، والامتثال القانوني، والنمذجة المالية، ودعم مجالس الإدارة.

بين يناير ويونيو 2025، تم تسريح ما لا يقل عن 23,000 موظف في القطاع غير الربحي (Straus et al., 2025). وتشير استطلاعات أُجريت أواخر 2025 إلى أن الأزمة تشمل:

  • عدم استقرار مؤسسي يؤدي إلى تسريحات واسعة،

  • مفارقة الخبرة حيث تصبح الخبرة عائقًا بدلًا من ميزة،

  • نزيف الكفاءات من القطاع،

  • عمليات توظيف غير إنسانية،

  • آثار شخصية مدمرة تتجاوز فقدان الوظيفة.

ولا يزال من الصعب تحديد العدد الكامل للمتضررين أو معرفة من وجدوا وظائف جديدة، لكن من المرجح أن تتفاقم الأزمة.

كما أفاد Urban Institute في أكتوبر 2025 بأن:

  • 21% من المنظمات فقدت جزءًا من التمويل الحكومي،

  • 27% واجهت تأخيرًا أو تجميدًا للتمويل،

  • 6% تلقت أوامر بوقف العمل.

ويضاف إلى ذلك مغادرة 211,000 موظف فيدرالي وظائفهم في 2025، كثير منهم قد يتجهون إلى القطاع الاجتماعي بحثًا عن الاستمرار في خدمة المجتمعات، ما يزيد الضغط على سوق عمل مضطرب أصلًا.


التأثيرات تتجاوز الجانب الفلسفي

المنظمات غير الربحية اليوم تركز على البقاء. فالوظائف وسبل العيش مهددة، ومع إغلاق البرامج أو إلغاء تمويلها، قد تكون حياة المستفيدين على المحك أيضًا.

تشير دراسة في مجلة The Lancet (Medeiros Cavalcanti et al., 2025) إلى أن تخفيضات تمويل USAID قد تؤدي إلى 14 مليون وفاة بحلول 2030. وكما توضح هرمية ماسلو للاحتياجات، من الصعب التركيز على الاحتياجات العليا مثل الأمان النفسي والانتماء عندما تكون الاحتياجات الأساسية للبقاء غير مضمونة.


وعي متزايد بأهمية رفاه الموظفين

الجانب الإيجابي هو أن عددًا متزايدًا من الممولين بدأوا يدركون هذه الأزمة. فقد وجد تقرير CEP لعام 2024 أن نصف قادة المؤسسات يقولون إنهم يتبنون ممارسات لدعم رفاه موظفي الجهات التي يمولونها.

لكن التغيرات السياسية وتراجع التمويل الحكومي أثرا على الموارد المتاحة، في وقت تتزايد فيه احتياجات المجتمعات. وبالنسبة لقطاع يقوم على “حب الإنسانية” — وهو المعنى الحرفي لكلمة العمل الخيري — فإن الأزمات المجتمعية المستمرة تترك أثرًا نفسيًا إضافيًا على العاملين فيه.


ماذا بعد؟

يقف القطاع غير الربحي عند مفترق طرق حاسم، ومستقبله يبدو أكثر غموضًا من أي وقت مضى. لكن دروس الأزمات السابقة واضحة: العاملون في الخطوط الأمامية بحاجة إلى الراحة والرعاية والموارد.

خلال العقد الماضي، واجه القطاع أحداثًا غيرت العالم. وربما لن نعود إلى نمط العمل السابق للجائحة، لكن ما سيأتي لم يُبنَ بعد. ومن خلال وضع رفاه القوى العاملة في صميم الاستراتيجيات، واحتضان الابتكار الهيكلي، والاستجابة الذكية للاتجاهات الوطنية، يمكن للمنظمات بناء مستقبل أكثر مرونة وفعالية.

إن الرهانات مرتفعة — ليس فقط للموظفين، بل للمجتمعات والأرواح التي يعملون من أجل تحسينها.

 

المانحون يواجهون مخاطر جديدة وسط تصاعد العنف السياسي والهجمات على المؤسسات الخيرية

بقلم: إليزابيث ج. ديل (Ph.D.) وبريندا فالك (M.H.R.)

يواجه القطاع الخيري اليوم نوعًا جديدًا من المخاطر.

تناولت مقالات سابقة في تقارير الاتجاهات المخاطر التي قد تواجهها المنظمات غير الربحية والجمهور نتيجة التأثير المحتمل للأموال المشبوهة (Moody & Pratt, 2020) أو المانحين المجهولين (Martin & Layton, 2024) على العمل الخيري. كما وثّق مقال منفصل نشره مركز جونسون (Moody, 2022) — ولا يزال يحظى باهتمام واسع — الأشكال المختلفة من الأذى الذي قد يُلحقه العمل الخيري دون قصد.

لكن ما لم يكن متوقعًا هو بروز خطر جديد يطال المانحين أنفسهم، والتأثير المُثبِّط الذي يمكن أن تُحدثه أعمال العنف السياسي الأخيرة والأوامر التنفيذية على قطاع أصبح أكثر حذرًا.


تقليد وطني للحياة الجمعوية

يُعد وجود مجتمع مدني نابض ومستقل — شبكة المنظمات والجمعيات والمجموعات المجتمعية المحيطة بالمجال العام — سمة مميزة للمجتمع الأمريكي منذ القرن الثامن عشر. فقد شكّلت التجمعات الدينية، والدوريات الرياضية المحلية، وبنوك الطعام، وجمعيات دعم المهاجرين، والمستشفيات، والنوادي المدنية وجمعيات المساعدة المتبادلة، أساس ما وصفه ألكسيس دو توكفيل في كتابه الديمقراطية في أمريكا عندما قال:
“الأمريكيون، من جميع الأعمار والطبقات والميول، دائمًا ما يُنشئون جمعيات” (Tocqueville, 1838).

ويكمن في هذه الفكرة تقدير للتعددية التي يقوم عليها القطاع الخيري والهوية الوطنية.

ورغم توثيق تزايد محاولات الحد من المشاركة في المجتمع المدني عالميًا (Kleinfeld, 2024)، يواصل المانحون ابتكار أساليب جديدة للعطاء، مثل دعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص (Lam, 2023) أو تقديم تبرعات “رهانات كبرى” تحولية (Buteau et al., 2023).

ووفقًا لتقرير Giving USA لعام 2025، نما إجمالي العطاء بنسبة 3.3% بعد احتساب التضخم في عام 2024، وارتفع العطاء الفردي ليشكل ثلثي إجمالي التبرعات.

كما أشار أمير باسيك (2025):
“نرى قوة ومرونة العطاء الخيري في عام مثل 2024، حيث عاد النمو في إجمالي العطاء. ولا يمكن التقليل من دور المانحين الأفراد، الذين يمثلون أكبر حصة من التبرعات ويستمرون في لعب دور مركزي في قطاعنا الخيري.”


هل العطاء فعل سياسي؟

يعرّف روبرت بايتون (1988) العمل الخيري بأنه “فعل طوعي من أجل الصالح العام”. ويفرق قانون الضرائب الأمريكي بين منظمات 501(c)(3)، التي لا يُسمح لها بالمشاركة المباشرة في الحملات الانتخابية، ومنظمات 501(c)(4)، التي يُسمح لها بذلك.

من الناحية النظرية، يفترض أن يعمل الصالح العام المدعوم من سخاء الأفراد خارج المجال السياسي المباشر.

لكن الباحثة لوسي برنهولز تقدم رؤية مختلفة:
“العطاء سياسي لأنه يعبر عن قيم، ويُبنى حوله مجتمع، ويمنح المجتمعات قوة. وهو سياسي أيضًا لأننا نضع قوانين تمنح امتيازات لسلوكيات معينة” (Bernholz, 2021).

فالحوافز الضريبية الخيرية، على سبيل المثال، تمنح ميزة لعدد محدود من الأثرياء الذين يفصلون ضرائبهم، ما يجعل العطاء ليس ديمقراطيًا بالكامل ولا منفصلًا تمامًا عن السياسات العامة.

ومع ذلك، تميز برنهولز بين ما ينبغي اعتباره نشاطًا سياسيًا وبين ما يجب أن يُحمى بموجب التعديل الأول للدستور. فبينما نطالب بالشفافية في التبرعات السياسية لمعرفة من يؤثر في صانعي القرار، نسمح بإخفاء هوية المتبرعين الخيريين لحماية الحياة الجمعوية من التدخل.


الأثر المُثبِّط على المجتمع المدني

في سبتمبر 2025، أصدرت مبادرة Unite In Advance — التي تضم نحو 200 مؤسسة وصندوق — بيانًا ردًا على تحولات مقلقة في المجال العام، جاء فيه:
“يجب ألا تُهاجم المنظمات بسبب تنفيذ رسالتها أو التعبير عن قيمها دعمًا للمجتمعات التي تخدمها. نرفض محاولات استغلال العنف السياسي لتشويه عملنا أو تقييد حرياتنا الأساسية، مثل حرية التعبير وحرية العطاء.”

فقد استهدفت سلسلة من الأوامر التنفيذية مجالات رئيسية للعمل الخيري، مثل العدالة العرقية والنوع الاجتماعي وتغير المناخ والهجرة، ومنظمات بارزة مثل مؤسسة فورد ومؤسسات المجتمع المفتوح.

كما شهد عام 2025 تصاعدًا في العنف السياسي، بما في ذلك اغتيال ومحاولة اغتيال مشرعين في ولاية مينيسوتا، واغتيال الناشط تشارلي كيرك.

دفعت هذه التطورات المانحين الأفراد والعائليين والمؤسسيين إلى إعادة النظر في الطبيعة السياسية للعطاء، بل وحتى في مدى أمانه. وتشير تقارير إلى أن بعض المنظمات بدأت اتخاذ تدابير لحماية موظفيها، مثل توظيف خبراء خصوصية رقمية، وتعديل ترتيبات الفعاليات، والاستعانة بحماية أمنية.


حالة من الشلل… ومناشدات للاستمرار

قضى بعض من أثرى المانحين عام 2025 في حالة من الشلل، غارقين في حالة عدم يقين بشأن أين وكيف يمكن أن يكون عطاؤهم أكثر فاعلية. وقد يسعى البعض إلى مزيد من الخصوصية والسرية لتجنب تسليط الضوء عليهم، خاصة عند دعم قضايا مثار جدل.

وفي المقابل، تناشد المنظمات غير الربحية المانحين إعادة تأكيد التزاماتهم، من خلال:

  • الاستمرار في العطاء،

  • تسديد التعهدات متعددة السنوات مبكرًا،

  • تقديم دعم غير مقيّد،

  • توفير مساعدات تقنية أو تعبئة داعمين آخرين.

كل ذلك يساعد المنظمات على تجاوز الأزمة ومواصلة أداء رسالتها.


إلى أين نتجه؟

من غير المتوقع أن يتغير هذا السياق سريعًا. وسيتعين على المانحين والمنظمات غير الربحية على حد سواء موازنة المخاطر، وتقييم الاعتبارات الأخلاقية، ومواصلة العمل القائم على القيم.

قد يبدو هذا المستوى من التدقيق والتدخل السياسي جديدًا للبعض، لكن العطاء كان دائمًا يحمل بعدًا سياسيًا.

السؤال الآن هو:
هل سيواصل المانحون تمويل المنظمات التي تستجيب للاحتياجات الملحة والحقيقية لمجتمعاتنا، عندما يكون ذلك أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

 

المشهد المتطور للعمل الخيري: الممارسات الجماعية، الأدوات الرقمية، والبحث عن التواصل

بقلم: مايكل د. لايتون (Ph.D.)،
بمساهمات بحثية من كريزول بيليز

في عام 2020، لاحظ مودي ومارتن:
“اذهب إلى أي مؤتمر للعمل الخيري اليوم، ومن المرجح أن يكون أحد المتحدثين الرئيسيين مؤلف كتاب عن ‘مسرحية النخبة لتغيير العالم’ (Giridharadas, 2019)، أو عن ‘لماذا يفشل العمل الخيري في خدمة الديمقراطية’ (Reich, 2018)، أو عن الحاجة إلى ‘تفكيك الإرث الاستعماري’ و‘الشفاء’ (Villanueva, 2018) في قطاع خيري انحرف عن مساره.”
ولا يزال هذا الوصف يبدو صحيحًا اليوم.

وفي المقابل، وبنبرة أكثر تفاؤلًا، يدعو قادة مثل ديمبل أبيشاندانـي (2025) إلى “عصر جديد للعمل الخيري” يعيد تصور كيفية تعبئة الثروة لتحقيق العدالة — عصر يقوم على تقاسم السلطة والشفافية والمشاركة.

هذا العام، نتتبع كيف وثّقت الاتجاهات المتعاقبة تطور هذه الرؤية، ورسمت ملامح مشهد ناشئ يتسم بالممارسات الجماعية، والأدوات الرقمية، والبحث المتجدد عن التواصل الذي يعيد تشكيل العمل الخيري.


الممارسات الجماعية: القوة في الأعداد

رصدت تقارير الاتجاهات المبكرة من مركز جونسون بدايات هذا التحول. ففي الإصدار الأول، وصف جيسون فرانكلين حركة عالمية تقوم على تجميع التبرعات الصغيرة لإحداث أثر جماعي كبير (2017). وفي العام التالي، تناول كيف تبني دوائر العطاء مجتمعًا وقدرة عبر تجميع الموارد واتخاذ القرارات بشكل جماعي (Franklin, 2018).

وبحلول عام 2025، أكدت مقالتان أن ما بدأ كممارسة هامشية أصبح سمة راسخة في المشهد الخيري (Layton؛ Couturier & Martin). ويتجلى هذا التحول أيضًا في خطاب سارة لوملين في TED عام 2022، وكتاب هالي لي عام 2025 The Big We، اللذين يبرزان قوة دوائر العطاء في تعزيز الكرم والمجتمع.

وتظهر الأبحاث أن العطاء الجماعي يتحدى الهياكل الهرمية التقليدية عبر توزيع سلطة اتخاذ القرار (Loson-Ceballos & Layton, 2024)، كما يبني رأس المال الاجتماعي من خلال التشاور والعمل المشترك. وكما أشار لايتون (2021)، فإن هذه المساحات تعمق الشعور بالانتماء والمشاركة المدنية.

وتبرز هذه الديناميكيات بشكل خاص في مجتمعات الملوّنين، حيث تسبق تقاليد العطاء الجماعي النماذج الحديثة. وقد سلطت مقالات الاتجاهات الضوء على هذا العمل في مقالات مثل “المانحون من ذوي الأصول الملونة يتحركون لخدمة مجتمعاتهم” (Spicer, 2022) و“مجتمعات الأمريكيين الآسيويين وجزر المحيط الهادئ تقود موجة جديدة في العمل الخيري” (Abalo & Sharp Eizinger, 2024).

مجتمعةً، تشير هذه التطورات إلى أن العمل الخيري الجماعي أصبح قوة رئيسية في مشهد العطاء المتطور.


الأدوات الرقمية: الوعد والمخاطر

أسهمت التكنولوجيا في ظهور ممارسات جديدة للعطاء. وكما أشارت لجنة الكرم (The Generosity Commission, 2024)، فإن “تعدد أنماط العطاء” سيظل سمة دائمة في المشهد الأمريكي.

في البداية، أُنظر إلى التمويل الجماعي باعتباره قوة ديمقراطية. لكن مع اعتماد المنظمات غير الربحية المتزايد على منصات الشركات، برزت الهشاشة. ففي تقرير 2022، أوضحت إميلي برينر وكارين هوكسترا كيف يمكن لتغييرات مفاجئة في الخوارزميات أن تعطل التواصل وجمع التبرعات.

وفي 2024، تناولت كالي باور دور أدوات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل تفاعل المانحين واتخاذ القرار، مع إمكانية تضخيم الوصول — وأيضًا عدم المساواة. كما ناقشت برينر ومارتن كيف يحشد المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي المتابعين حول قضايا مختلفة، في توازن بين الأصالة والظهور.

لكن المشاركة الرقمية تأتي بثمن: فالبنية التحتية التي تمكّنها مملوكة للقطاع الخاص، وتديرها خوارزميات تعطي الأولوية للتفاعل — والربح — فوق أي شيء آخر.

وينشأ هنا توتر بين طموح العمل الخيري لتحقيق الصالح العام، وبين ميل وسائل التواصل الاجتماعي إلى تضخيم الاستقطاب والمعلومات المضللة. وكما حذر مركز التكنولوجيا الإنسانية (2023)، فإن هذه الأنظمة صُممت لجذب الانتباه لا لتعزيز التواصل.

المفارقة أن الأدوات القادرة على تعزيز الكرم غالبًا ما تعمل بقوى تُعمق الانقسام والعزلة.


البحث عن التواصل: إعادة نسج النسيج الاجتماعي

يتمثل أحد أكبر تحديات عصرنا في تصاعد العزلة الاجتماعية، التي صنفها الجراح العام الأمريكي كأزمة صحة عامة (U.S. Department of Health and Human Services, 2023). كما أفاد مركز بيو للأبحاث أن نحو ثلث الأمريكيين فقط يثقون بمعظم الناس — وهو تراجع حاد عن العقود السابقة (Silver et al., 2025).

ويضعف تآكل الثقة هذا الحياة المدنية والعطاء اليومي المعتمد على روابط اجتماعية قوية.

أظهرت أبحاث ديتز (2024) أن الترابط الاجتماعي يعزز التطوع والعطاء، ما يجعل إعادة بناء الروابط المجتمعية أمرًا أساسيًا لإحياء العمل الخيري. لكن الأجيال الشابة تبني علاقاتها بطرق مختلفة؛ فالكثير منهم يشكل مجتمعه عبر TikTok وYouTube وGoFundMe بدلًا من الجمعيات التقليدية (Chatterjee & Ochieng, 2025).

تتيح هذه المساحات الرقمية أشكالًا جديدة من المشاركة والدعم المتبادل، لكنها تثير تساؤلات حول مدى قدرتها على بناء العمق الاجتماعي اللازم لاستدامة الكرم.

تشير لجنة الكرم (2024) إلى تراجع طويل الأمد في العطاء اليومي، لكنها تحدد مسارات واعدة للتجديد، منها إشراك الشباب والعطاء الجماعي، مع إمكانية أن تلعب المؤسسات المجتمعية دورًا محفزًا في هذا السياق.

كما أكدت مقالات الاتجاهات في 2021 و2025 أن إعادة بناء الثقة في المؤسسات الديمقراطية تتطلب إعادة نسج الروابط الاجتماعية نفسها التي توحد المجتمعات.

وبالتالي، لا يقتصر دور العمل الخيري على تمويل البرامج، بل يشمل دعم الممارسات والبنية التحتية التي تعزز مرونة الديمقراطية ذاتها.


السؤال المفتوح

توثق هذه الاتجاهات والتحليلات الحديثة تحول العمل الخيري من نموذج مؤسسي نخبوي إلى نموذج تشاركي شبكي. فالأدوات الرقمية توسع الوصول، والممارسات الجماعية تعيد توزيع السلطة، والبحث عن التواصل يعكس رغبة في إعادة بناء النسيج الاجتماعي.

سيتشكل مستقبل العمل الخيري إلى حد كبير بعلاقة الجيل Z بالمؤسسات، وبكيفية ممارسته للكرم عبر “الخمسة Ts”: الوقت، والموهبة، والمال، والشهادة، والروابط (Laramore, 2024).

حتى في ظل الضغوط المالية، يواصل الجيل Z الانخراط في العمل الخيري عبر المنصات الرقمية والشبكات النظيرة، سعيًا إلى المجتمع والانتماء.

السؤال ليس ما إذا كان العمل الخيري يتغير، بل:
هل تستطيع مؤسساتنا التطور لاستيعاب هذه الأشكال الجديدة من الكرم ورفع الجيل القادم كفاعلين في العمل الخيري؟

الكثير يعتمد على الإجابة.

المصدر

مقالات ذات صلة