ملخص: يستعرض المقال العلاقة المعقدة بين الإبداع والفن والأمراض النفسية، مشيرًا إلى حالات شهيرة لفنانين وكتاب ومشاهير عاشوا مع اضطرابات نفسية شديدة مثل الفصام، والاضطراب الثنائي القطب، والاكتئاب، ويشير إلى أن الأسطورة التقليدية لـ«العبقري المجنون» مبسطة للغاية. ويبين أن بعض العوامل الوراثية والشخصية مثل الانفتاح على التجارب والحساسية والسعي وراء الجديد قد تربط بين الإبداع والاستعداد النفسي، كما أن البيئة المهنية للفنانين تضيف ضغوطًا تزيد من التحديات النفسية. ومع ذلك، تظهر الدراسات على نطاق واسع أن معظم المصابين بأمراض نفسية شديدة أقل احتمالًا للعمل في المهن الإبداعية، بينما قد يرتبط اضطراب ثنائي القطب ونسخ أخف من الاستعداد النفسي بالإبداع، خاصة بين الأقارب. ويخلص المقال إلى أن التركيز العلمي الأهم يجب أن يكون على الفوائد النفسية للفن والمشاركة الإبداعية، وليس ربطها بالضرورة بالمرض النفسي، مع دعم فرص آمنة وشاملة للاستمتاع بالفنون لجميع الأفراد.
يُذكر أن الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ قطع أذنه خلال نوبة ذهانية، وأن راقص الباليه فاسلاف نيجينسكي أصيب بالفصام وقضى الثلاثين سنة الأخيرة من حياته في المستشفى، وأن الكاتبة فرجينيا وولف عاشت مع اضطراب ثنائي القطب وانتحرت بعد أن شعرت بنوبة اكتئاب عميقة جديدة.
العديد من الفنانين المشهورين عاشوا مع أمراض نفسية حادة. فكاترين زيتا-جونز، ماريا كاري، ديمي لوفاتو، جان-كلود فان دام وميل غيبسون أُعلن عن إصابتهم باضطراب ثنائي القطب. بينما تحدثت يايوي كوساما، سيلفيا بلاث، كيرت كوبين وسيد باريت عن تجارب ذهانية، وهناك تكهنات حول ما إذا كانت إيمي واينهاوس، مارلين مونرو، وإرنست همنغواي قد عاشوا مع اضطراب الشخصية الحدية.
فكرة “العبقري المجنون” ليست جديدة؛ فهي تعود إلى العصور القديمة. في عصر النهضة والرومانسية، كان الفنانون أحيانًا يتبنون شخصيات غريبة لتمييز أنفسهم كأفراد استثنائيين، وكأنهم أبرموا صفقات “فَوستية” للحصول على موهبتهم.
على سبيل المثال، وصف الرسام النرويجي إدفارد مونش معاناته بأنها جزء من ذاته وفنه، وقال إن تدميرها سيدمر فنه. الشاعرة إديث سيتويل، التي عانت من الاكتئاب، كانت تُخبر أنها كانت تستلقي في نعش مفتوح لإلهام شعرها.
في دراسة عام 1995 على 1005 سير ذاتية بين 1960 و1990، اقترح الباحثون أن الأشخاص في المهن الإبداعية لديهم معدل أعلى من الأمراض النفسية الشديدة مقارنةً بالسكان عامة.
الفن والفائدة النفسية
لكن كيف يتوافق هذا مع الأدلة العلمية التي تشير إلى أن التعبير الفني مفيد للصحة النفسية؟ كما أوضحت في كتابي Art Cure: The Science of How the Arts Transform Our Health، هناك ثروة من الأبحاث التي تؤكد فوائد الفن.
بالنسبة للفنانين المحترفين، قد تكون الحياة النفسية أكثر تحديًا. فهم يواجهون ضغوطًا من الحياة المهنية غير المستقرة، والمنافسة الشديدة، والشهرة التي تجلب التوتر، وأنماط حياة صعبة، وزيادة احتمال تعاطي المخدرات، وتركيزًا مفرطًا وغير صحي على الذات. دراسة عام 1997 أظهرت أن زيادة الشهرة لدى كيرت كوبين وكول بورتر ارتبطت بارتفاع كبير في استخدام ضمائر المتكلم “أنا، لي، ملكي”، ما يعكس التوجه نحو الذات.
هل هناك صلة بين الإبداع والمرض النفسي؟
ماذا عن الفنانون الذين أصيبوا بالمرض النفسي قبل الشهرة أو حتى قبل أن يصبحوا فنانين؟ أظهرت أبحاث علم الوراثة وجود بعض الجينات المشتركة التي قد تربط بين الإبداع والأمراض النفسية الشديدة. على سبيل المثال، ارتبطت طفرة في جين NRG1 بزيادة خطر الإصابة بالذهان وارتفاع مستويات التفكير الإبداعي. وهناك أيضًا ارتباطات بين جينات مستقبلات الدوبامين والذهان وبعض العمليات الإبداعية مثل البحث عن الجديد وانخفاض المكابح النفسية، رغم أن النتائج ليست دائمًا متسقة.
علاوة على الوراثة، هناك سمات شخصية قد تكون مشتركة بين الإبداع والأمراض النفسية، مثل الانفتاح على التجارب، والسعي وراء الجديد، والحساسية. هذا قد يساعد على فهم سلوكيات فناني مثل فان جوخ ونيجينسكي ووولف.
لكن الإبداع والاضطرابات النفسية يمكن أن يكونا متعارضين. ففرجينيا وولف وصفت نوبات الاكتئاب في اضطرابها الثنائي القطب بأنها “بئر مظلمة” تمنعها من القراءة أو الكتابة. أي أن بعض الأشخاص المصابين بأمراض نفسية شديدة قد ينتجون فنًا، لكن ليس دائمًا.
دراسات على مستوى السكان
عندما نبحث عن صلة بين المرض النفسي والإبداع على نطاق واسع، تصبح الصورة أقل وضوحًا. دراسة سويدية عام 2013 تابعت بيانات 1.2 مليون شخص على مدى 40 عامًا، ووجدت أن المصابين بالفصام، واضطراب الفصام العاطفي، واضطرابات القلق، والاكتئاب أحادي القطب كانوا أقل احتمالًا من المتوسط للعمل في مهن إبداعية. الاستثناء الطفيف كان اضطراب ثنائي القطب، حيث زادت فرص الانخراط في الإبداع بنسبة نحو 8%.
الأمر الأكثر إثارة للاهتمام أن الوالدين والأشقاء للأشخاص المصابين بالفصام، واضطراب الفصام العاطفي، واضطراب ثنائي القطب كانوا أكثر ميلًا للعمل في المهن الإبداعية. وهذا يفسر، على سبيل المثال، ابنة جيمس جويس وأخ ديفيد بوي غير الشقيق المصابين بالفصام.
الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي للمرض النفسي ولكن لم يتطور لديهم بشكل كامل قد يعانون من نسخ أخف، مثل الهوس الخفيف أو التفكير الانفصالي، والتي ترتبط بعمليات إبداعية مثل تقليل المكابح النفسية والانتباه المتعدد والربط العصبي بين الحواس. هذا قد يفسر سبب ميل بعض أقارب المرضى للعمل في المهن الإبداعية.
الخلاصة العلمية
العلم يشير إلى وجود بعض العمليات المشتركة بين الإبداع والأمراض النفسية الشديدة، لكنه لا يؤكد الصلة المباشرة التي يوحي بها أسطورة “العبقري المجنون”. هذه الأسطورة مبسطة للغاية وقد تعزز وصمة المرض النفسي بدلًا من الفهم.
من الأجدى التركيز على قيمة المشاركة الإبداعية في دعم الصحة النفسية، سواء للأشخاص المصابين بأمراض نفسية أو لمن يواجهون تقلبات مزاجية يومية. الأبحاث المتزايدة توضح كيف يمكن للفنون أن تُسهم بطرق ملموسة، وأن يعمل الفنانون والممارسون والمجتمعات معًا لتوفير فرص آمنة وشاملة للاستمتاع بالفنون.
المصدر: OECD
