ملخص: يشير المقال إلى أن مشاركة الأسر في التعليم والرعاية المبكرة للأطفال تعتبر عاملًا أساسيًا لتعزيز نموهم وتعلمهم، إذ تتيح للآباء مشاركة معرفتهم باحتياجات أطفالهم وأساليب تعلمهم، وتدعم تطوير اللغة، والمهارات الاجتماعية، وتنظيم العواطف، وتقوي الثقة والشعور بالمسؤولية المشتركة بين الأسرة والمدرسة. ورغم الفوائد الكبيرة، تبقى مشاركة الآباء محدودة في كثير من الأنظمة بسبب ضيق الوقت، والاختلافات اللغوية والثقافية، وعدم توافر فرص فعلية لاتخاذ القرارات التعليمية. ومع ذلك، تمارس المدارس طرقًا بديلة للتواصل، مثل تشجيع اللعب والتعلّم في المنزل والزيارات المنزلية، والتي تعزز أثر البرامج المبكرة. وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بجعل مشاركة الأسر جزءًا أساسيًا من التعليم المبكر عبر أدوات رقمية وأساليب مرنة تراعي التنوع الثقافي، لما لها من أثر تربوي واقتصادي فعّال يخفّض الحاجة لتدخلات لاحقة مكلفة ويزيد فرص نجاح الأطفال في التعليم والحياة.
تُعد مشاركة الأسر في التعليم والرعاية المبكرة للأطفال من العوامل الأساسية التي تعزز نمو الأطفال وتعلمهم. وفي كثير من أنظمة التعليم المبكر، يُنظر إلى التعاون مع الآباء والأوصياء كهدف رئيسي، لكن طبيعة هذا التعاون ومستواه يختلفان بشكل كبير من بلد لآخر. فبينما يُعدّ إعلام الأسر بالأنشطة اليومية أمرًا شائعًا، فإن فرص المشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالفصول أو مجموعات اللعب أو المناهج محدودة، وغالبًا ما تكون مشاركة الآباء في صياغة السياسات والأنشطة المدرسية منخفضة نسبيًا.
وربما يفضل بعض الآباء أن تبقى الأمور بسيطة: يوصلون أطفالهم ويكملون يومهم دون التزامات إضافية. لكن الأدلة البحثية تؤكد أن إشراك الآباء في الروتين اليومي لرياض الأطفال يعود بالنفع على الجميع، فهو يمنح الأطفال فرصًا أفضل لتطوير اللغة، وتنظيم العواطف، والمهارات الاجتماعية، ويُشعر الآباء بأنهم مشاركون وموضع تقدير.
فالآباء والأوصياء يمتلكون معرفة دقيقة باحتياجات أطفالهم وأساليب تعلمهم وخلفياتهم الثقافية. وعندما يتعاون موظفو رياض الأطفال معهم، يُعزز ذلك الثقة المتبادلة، والاحترام، والشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه نمو الأطفال. كما أن المشاركة النشطة في المنزل من خلال القراءة، واللعب، والحوار مع الأطفال، تعزز أثر البرامج التعليمية المبكرة وتدعم التعلّم على نحو أعمق.
لكن الواقع يشير إلى أن مشاركة الأسر لا تزال محدودة في بعض الأنظمة. فوفق بيانات OECD TALIS Starting Strong، أقل من 30% من قادة مؤسسات التعليم ما قبل الابتدائي في فنلندا وإسرائيل واليابان والسويد يقولون إن الآباء لديهم فرص متكررة للمساهمة في القرارات التعليمية، بينما تتجاوز هذه النسبة 60% في الدنمارك والنرويج وتركيا.
ويرجع هذا التفاوت إلى عدة أسباب، أبرزها ضيق الوقت، حيث تتعارض الاجتماعات أو الأنشطة مع جداول عمل الآباء أو تتطلب تواجد موظفي رياض الأطفال خارج ساعات العمل الرسمية. كما يمكن أن تشكّل اللغة حاجزًا إضافيًا، خصوصًا في المجتمعات متعددة اللغات والثقافات.
ومع ذلك، فإن موظفي رياض الأطفال يتواصلون مع الأسر بطرق أخرى بشكل منتظم، مثل تشجيع الآباء على اللعب مع أطفالهم ومساعدتهم على التعلم في المنزل، وهي ممارسة شائعة جدًا في العديد من الدول، إذ تتجاوز نسبتها 90%. وفي بعض الدول، مثل المغرب وإسبانيا وتركيا، تُعد هذه الممارسة أكثر شيوعًا من مجرد إعلام الآباء بالأنشطة اليومية. كما تُستخدم الزيارات المنزلية في بعض الأنظمة لبناء روابط أقوى بين الأسرة والمدرسة، وتعزيز التعاون ودعم نمو الأطفال، لكنها تتطلب وقتًا وتدريبًا مخصصًا لضمان فاعلية المشاركة.
وتشير البيانات إلى أن غالبية قادة مؤسسات ما قبل الابتدائي في تشيلي وكولومبيا وتركيا يجرون الزيارات المنزلية أحيانًا، بينما هي نادرة في دول أخرى مثل الدنمارك والسويد، حيث يقول أكثر من 90% من القادة إن هذه الزيارات لا تتم على الإطلاق.
وعلى الرغم من هذه التحديات، توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتبني أساليب تشجع التعاون بين الأسرة والمدرسة وتشمل الجميع. ومن المهم اعتبار مشاركة الآباء جزءًا أساسيًا من التعليم المبكر، وليس مجرد نشاط إضافي. ويمكن تحقيق ذلك عبر استخدام أدوات رقمية، وأساليب تواصل مرنة، وممارسات تراعي التنوع الثقافي، بحيث تُسهّل مشاركة جميع الأسر. كما أن وضع أهداف مشتركة واتخاذ القرارات بشكل مشترك بين المدرسة والأسرة يعود بفوائد كبيرة على الأطفال.
وهناك بعد اقتصادي مهم أيضًا، فاستثمار محدود في مبادرات موجهة نحو الآباء يمكن أن يقلل الحاجة إلى تدخلات مكلفة لاحقًا. وبما أن الأطفال يقضون وقتًا طويلًا مع أسرهم في السنوات المبكرة، فإن إشراك الآباء منذ البداية يعد من أكثر الأدوات فعالية من حيث التكلفة لدعم نجاح الأطفال في التعليم والحياة.
المصدر: OECD
