ملخص: يستعرض المقال الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، مبرزًا سهولة الوصول إلى أدواته واتساع استخدامه من قبل الطلاب والمعلّمين، مع التأكيد على أن هذه السرعة تخفي فرصًا كبيرة ومخاطر حقيقية في آن واحد. فبينما يمكن للذكاء الاصطناعي، إذا وُجِّه بأهداف تربوية واضحة، أن يدعم التعلّم ويعزّز التدريس، فإن استخدامه غير المنضبط قد يؤدّي إلى «الكسل المعرفي» وإضعاف الفهم العميق والمثابرة الذهنية، خاصة عند الاعتماد على أدوات عامة لم تُصمَّم للتعليم. ويشير المقال إلى أن الأدوات المتخصّصة المبنية على أسس تربوية تُظهر نتائج أفضل، سواء في تعلّم الطلاب أو في دعم المعلّمين، لا سيما الأقل خبرة. ويخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس حلًا سحريًا، بل أداة تضخّم ما يُحسن النظام التعليمي استخدامه، ما يستدعي سياسات واعية تدعم أدوات مُقَيَّمة ومصمَّمة خصيصًا للتعلّم، بما يضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي سندًا حقيقيًا للتعليم لا بديلًا عن الجهد البشري.
دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة غير مسبوقة إلى حياتنا اليومية، ولم تكن المدارس استثناءً. فالطلاب اليوم يلجؤون إلى روبوتات المحادثة لإنجاز واجباتهم، بينما يستخدم المعلّمون تطبيقات ذكية لتصميم الدروس وبناء الأنشطة التعليمية. وكل ذلك حدث في زمن قياسي؛ فـ«تشات جي بي تي» لم يظهر إلى العلن إلا في أواخر عام 2022، لكن الآفاق الواسعة للتقنية دفعتها إلى الانتشار السريع.
ما يميّز هذه الموجة عن سابقاتها من تقنيات التعليم هو سهولة الوصول. فمعظم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحة مجانًا لأي شخص متصل بالإنترنت، ولا تحتاج إلى تدريب مسبق أو مهارات تقنية معقّدة. كما أن مرونتها تجعلها قادرة على أداء مهام متنوّعة، من كتابة النصوص إلى ابتكار خبرات تعليمية كاملة، وفي وقت قصير جدًا.
لهذا، لم يكن تبنّي هذه الأدوات على نطاق واسع في البيئات التعليمية أمرًا مفاجئًا. غير أن تقرير «آفاق التعليم الرقمي 2026» الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يلفت إلى أن الفرص الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي التوليدي ترافقها مخاطر حقيقية. فعندما يُستخدم ضمن أهداف تعليمية واضحة أو يُصمَّم خصيصًا لخدمة التعلّم، يمكنه أن يكون داعمًا فعّالًا للعملية التعليمية. أما حين يختصر على الطلاب الجهد الذهني الذي يُعد جزءًا أساسيًا من التعلّم، فقد يحققون نتائج أسرع وأفضل على المدى القصير، لكن على حساب ترسيخ الفهم العميق. ومع الوقت، قد يتراجع التركيز الطويل، والقراءة المتأنية، والقدرة على المثابرة. ومن دون توجيه تربوي واضح، قد يشجّع الذكاء الاصطناعي ما يسمّيه الباحثون «الكسل المعرفي»، أي الاعتماد المفرط على الأداة بدل التفكير.
ويشير التقرير كذلك إلى محدودية الاعتماد على أدوات ذكاء اصطناعي عامة لم تُصمَّم أساسًا للتعليم. فالدراسات تُظهر أن الطلاب الذين استخدموا هذه الأدوات قدّموا إجابات أفضل أثناء التعلّم، لكن هذا التحسّن لم ينعكس في نتائج الاختبارات، بل تراجع الأداء في بعض الحالات.
في المقابل، تبدو الأدوات المتخصّصة المصمَّمة خصيصًا للتعلّم أكثر جدوى. فهي تنطلق من أهداف تربوية واضحة، وتستند إلى فهم علمي لكيفية اكتساب المعرفة والمهارات. وتُظهر التقييمات أن هذه الأدوات غالبًا ما تقود إلى نتائج تعليمية أفضل، خاصة عندما تُستخدم كشريك إبداعي في التعلّم، أو كوسيلة للتعلّم التعاوني، أو كمساعد افتراضي في البحث والاستقصاء.
كما تكشف التجارب المبكرة عن إمكانات واعدة في مجال الدعم التعليمي. فقد أظهرت دراسات أن المعلّمين الأقل خبرة، عندما يستعينون بمساعدات تعليمية قائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، يطبّقون استراتيجيات تدريس أكثر فاعلية، ويحقّق طلابهم تحسّنًا ملحوظًا في إتقان موضوعات الرياضيات. وفي سياق آخر، ساعدت أدوات تدريب تفاعلية قائمة على المحادثة المعلّمين الجدد على ممارسة التدريس مع طلاب افتراضيين، ما عزّز جاهزيتهم وثقتهم بأنفسهم. ومع أن هذه النتائج مشجّعة، فإن الحكم النهائي على فعاليتها يتطلّب مزيدًا من البحث في سياقات تعليمية متنوّعة.
ومع التطلّع إلى المستقبل، من الواضح أن الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس حلًا سحريًا لمشكلات التعليم. فهو قادر على تضخيم أفضل الممارسات التربوية، كما يمكنه في المقابل أن يضخّم أسوأها. ولهذا، تقع على عاتق الحكومات مسؤولية ضمان استخدام هذه التقنيات بوعي وقصد، بحيث تُثري التعلّم ولا تحلّ محل الجهد الذهني، ولا تنتقص من الحكم المهني للمعلّمين. ومن الأفضل أن تدعم أنظمة التعليم الأدوات التي صُمّمت خصيصًا لخدمة التدريس والتعلّم، وطُوّرت بالشراكة مع المعلّمين والطلاب، وخضعت لتقييمات وتجارب صارمة. وبهذا النهج، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يصبح سندًا حقيقيًا للمعلّمين والطلاب حول العالم، وأن يزوّد المتعلّمين بمهارات أساسية للتعامل مع هذه التقنية، ستكون بلا شك عنصرًا مهمًا للنجاح في سوق العمل وفي الحياة عمومًا.
المصدر: OECD
