القائمة الرئيسية

من أبحاثٍ على الرفوف إلى أبحاثٍ قيد الاستخدام

من أبحاثٍ على الرفوف إلى أبحاثٍ قيد الاستخدام
ملخص المقال

تخيّل أنك تحاول التنقّل في مدينة كبيرة تضم عشرات خطوط الحافلات والمترو، من دون خريطة، ولا لوحات إرشادية

ملخص: يبيّن المقال أن التحدّي الحقيقي في استخدام البحث التربوي لا يكمن في نقص الأدلة، بل في صعوبة الوصول إليها وفهمها وتوظيفها في الواقع التعليمي، إذ تبدو الأدلة المتاحة كمدينة معقّدة بلا خرائط واضحة للمعلّمين وصنّاع السياسات. ويؤكد أن تحسين هذا الوضع يتطلّب جعل البحوث أكثر ملاءمة لأسئلة الممارسة الفعلية، وتسهيل التنقّل بين مصادر الأدلة عبر معايير مشتركة، وتعزيز التعلّم الجماعي والتنسيق بين الجهات الوسيطة. كما يستعرض تحوّلات مهمّة يشهدها مجال الأدلة، من التركيز على احتياجات المستخدمين، إلى تطوير تجميعات «حيّة» مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتعزيز تعبئة المعرفة وبناء بنية تحتية عالمية مشتركة. ويخلص إلى أن الهدف النهائي ليس الإكثار من الدراسات، بل تمكين المعلّمين وقادة المدارس وصنّاع القرار من الوصول السريع والموثوق إلى أدلة مفيدة تُحدث أثرًا حقيقيًا في السياسات والتعليم داخل الفصول الدراسية.

بقلم نورا ريڤاي، قائدة مشروع «شبكة الأدلة من أجل التعليم» في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)

تخيّل أنك تحاول التنقّل في مدينة كبيرة تضم عشرات خطوط الحافلات والمترو، من دون خريطة، ولا لوحات إرشادية، ولا تطبيق على الهاتف. من الناحية التقنية، النظام موجود. لكن العثور على الطريق المناسب لرحلتك يصبح مهمة محبِطة، بطيئة، وأحيانًا مستحيلة.

بالنسبة إلى كثير من المعلّمين وقادة المدارس وصنّاع السياسات، يبدو استخدام البحث التربوي على هذا النحو تمامًا. فالأدلة المتاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لكنها مبعثرة بين المجلات العلمية وقواعد البيانات والمواقع الإلكترونية، وغالبًا ما تُكتب بلغة تقنية، من دون ربط واضح بالأسئلة التي يواجهها الناس في عملهم اليومي.

خلال السنوات القليلة الماضية، بدأت تطوّرات جديدة في ما يُعرف بـ«حركة الأدلة» في إعادة رسم هذه الخريطة. وفي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، نُطلق على مساهمتنا في هذا الجهد اسم «شبكة الأدلة من أجل التعليم» (EWE)، وهو برنامج طويل الأمد يهدف إلى تسهيل الوصول إلى البحث التربوي واستخدامه في السياسات والممارسات التعليمية.

ما الذي لا يزال ينقصنا لاستخدام الأدلة على نحو جيّد؟

لبناء أنظمة أدلة تدعم المعلّمين وصنّاع السياسات دعمًا حقيقيًا، نحتاج إلى تعزيز ثلاثة مجالات مترابطة:

الملاءمة: كثيرًا ما لا تجيب الأدلة المتاحة عن الأسئلة الفعلية التي يطرحها المستخدمون. فلا تزال مراجعات عديدة تركّز على سؤال «ما الذي ينجح؟»، بينما تقدّم معلومات أقل بكثير حول كيف ينجح، وفي أي ظروف، وبأي كلفة، وكيف يمكن تكييفه مع سياقات مختلفة. ويعكس هذا مشكلة أوسع، وهي أن مجتمع البحث لا يزال يفتقر إلى فهم عميق لاحتياجات المستخدمين.

سهولة التنقّل: الأدلة موزّعة على عدد كبير من المستودعات، يقدّم كل منها أنواعًا مختلفة من الملخّصات، ويستخدم مصطلحات وصيغًا متباينة. ومن دون معايير مشتركة توضّح قوة الأدلة وطبيعتها، يجد المستخدمون صعوبة في مقارنة المعلومات عبر المنصّات المختلفة وفهم ما يقرؤونه وكيف ينطبق على سياقهم.

التعلّم الجماعي: كثير من «وسطاء المعرفة» والجهات التي تعمل على نقل الأدلة إلى الممارسة يحتاجون إلى فرص أوسع للتعلّم من بعضهم البعض، وإلى أدوات عملية تساعدهم على تصميم استراتيجياتهم وتنفيذها وتقييمها لدعم استخدام الأدلة. غير أن المبادرات التي تطوّر البنية التحتية في هذا المجال تفتقر غالبًا إلى التنسيق والمواءمة.

وباختصار، ما زلنا نحمّل من يريد استخدام البحث أعباءً كبيرة.

ما الذي يتغيّر في عالم الأدلة؟

على الرغم من أن «مدينة الأدلة» لا تزال صعبة التنقّل، فإن تحوّلات عميقة بدأت بالفعل تغيّر طريقة إنتاج الأدلة ومشاركتها.

1. من بحوث يقودها العرض إلى أسئلة تتمحور حول المستخدم
لطالما كانت أجندات البحث تُحدَّد أساسًا وفق اهتمامات الباحثين. أمّا اليوم، فتسأل حكومات ومنظمات أكثر: ما الذي يحتاج المعلّمون وصنّاع السياسات إلى معرفته فعليًا؟ بعض الدول باتت تحصر أسئلة الوزارات والممارسين، أو تشارك المدارس في إنتاج البحوث، لضمان أن تعالج الدراسات تحدّيات واقعية حقيقية.

2. من دراسات محدودة إلى تجميعات أدلة «حيّة»
تسهم أساليب جديدة وأدوات الذكاء الاصطناعي في تسريع تجميع نتائج البحوث. وبدل انتظار سنوات لتحديث المراجعات، يمكن اليوم تحديث «المراجعات الحيّة» وخرائط الأدلة باستمرار مع صدور دراسات جديدة. وهذا يتيح لصنّاع القرار الاعتماد على صورة أكثر حداثة وشمولًا لما نعرفه — ولما لا نعرفه بعد.

وفي الوقت نفسه، نضجت الأساليب المنهجية الكامنة وراء هذه الأدلة. فبعد سنوات من الجدل حول مدى ملاءمة تجارب «ما الذي ينجح» لواقع الفصول الدراسية المعقّد، باتت البحوث تمزج بين الأساليب الكمية والنوعية، وتستخدم تصاميم جديدة تستكشف كيف ولماذا تنجح البرامج، وتحت أي ظروف، حتى عندما لا تكون التجارب الكبرى ممكنة. ورغم أن هذه الأساليب لم تنتشر بعد على نطاق واسع، فإن الأسس المنهجية للمجال أقوى بكثير مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.

3. من «دفع» المعلومات إلى دعم منظومي للاستخدام
تعلّمنا أن نشر التقارير البحثية وحده لا يكفي. فالاستخدام الجيّد للأدلة يتطلّب وقتًا ومهارات وحوافز ودعمًا تنظيميًا. وقد أدّى ذلك إلى تركيز متزايد على «تعبئة المعرفة»: أي الهياكل والأشخاص والعمليات التي تربط البحث بالممارسة والسياسات، من الوسطاء وبنوك الموارد إلى التعلّم المهني والعوامل التمكينية على مستوى النظام.

4. من مبادرات متفرّقة إلى بنية تحتية عالمية
أخيرًا، يتنامى جهد عالمي لبناء بنية تحتية مشتركة: قواعد بيانات موحّدة بتصنيفات مشتركة، ومعايير متفق عليها لتجميع الأدلة، وأدوات ذكاء اصطناعي قادرة على مسح البحوث ومراجعتها وتلخيصها عبر سياقات مختلفة. ويدعم هذا الجهد شبكات تجمع المموّلين ووسطاء الأدلة والخبراء من قطاعات متعدّدة.

مجتمعةً، يمكن لهذه التطوّرات أن تغيّر جذريًا مدى سهولة وصول صنّاع السياسات والممارسين إلى أدلة عالية الجودة.

لماذا يهمّ هذا الأمر؟

لن تؤثّر هذه التحوّلات فقط في كيفية صنع السياسات أو طريقة التدريس داخل الفصول، بل ستعيد أيضًا تشكيل جوهر عمل منظمات مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فمع تزايد قدرة البنية التحتية العالمية وأدوات الذكاء الاصطناعي على تجميع البحوث وتلخيصها بسرعة، يصبح من الضروري أن تركّز هذه المنظمات على التنسيق، ووضع المعايير، وتقديم دعم مخصّص يضمن أن تكون الأدلة موثوقة وملائمة ومفيدة فعلًا لاتخاذ القرار.

ومن خلال «شبكة الأدلة من أجل التعليم»، تسعى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تحقيق ذلك تحديدًا. فالغرض في النهاية ليس بناء «مدينة أدلة» مبهرة، بل تمكين المعلّمين وقادة المدارس وصنّاع السياسات من العثور على الطرق التي يحتاجونها — بسرعة، وبثقة، وفي الوقت المناسب لإحداث فرق حقيقي في حياة الطلبة.

المصدر: OECD

مقالات ذات صلة