القائمة الرئيسية

كيف نُوسِّع الحوسبة الكمّية بأعلى كفاءة طاقية ممكنة؟

كيف نُوسِّع الحوسبة الكمّية بأعلى كفاءة طاقية ممكنة؟
ملخص المقال

غالبًا ما يُشار إلى الحوسبة الكمّية كجزء من الإجابة، لما تعد به من قدرة حاسوبية أكبر بكثير وبكلفة طاقية أقل بكثير. لكن نادرًا ما نوضح لماذا يحدث ذلك، وفي أي الحالات، أو نقارن بين المنصّات الكمّية المختلفة من حيث مقدار الحوسبة التي تقدّمها مقابل كل كيلوواط-ساعة، رغم الفوارق الكبيرة بينها.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن للحوسبة الكمّية أن تشكّل مسارًا حاسمًا لتوسيع القدرات الحاسوبية عالميًا دون مضاعفة استهلاك الطاقة، في وقت يضغط فيه الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية على الحدود الفيزيائية للطاقة. وتوضح أن التفوق الكمّي لا يكمن في السرعة فقط، بل في الكفاءة الطاقية الناتجة عن خوارزميات قابلة للعكس ومنصّات عتاد تختلف جذريًا في استهلاكها للطاقة، مع إبراز أهمية اختيار التقنيات القابلة للتوسع بكفاءة. كما تستعرض دور الحوسبة الكمّية في خفض استهلاك الطاقة عبر تحسين أنظمة الطاقة، والنقل، وتطوير مواد أكثر كفاءة، مؤكدة أن دمج الكفاءة الطاقية في قرارات البحث والاستثمار اليوم هو مفتاح بناء مستقبل رقمي مستدام.

  • تستهلك تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) والبنية التحتية المصاحبة لها كميات هائلة من الطاقة، ومع ذلك فإن نطاق استخدامها لا يتوقف عن التوسع.
  • ويمكن للحوسبة الكمّية أن توفّر مزايا طاقية مهمّة تبعًا للمنصّة التقنية التي تقوم عليها، ما يضع صانعي السياسات وقطاع الصناعة أمام مهمة اختيار تقنيات كمّية بعينها لتوسيعها بأفضل استخدام للطاقة.
  • وعندما ترتبط تقنيات ناضجة مثل الذكاء الاصطناعي بمجالات ناشئة كالحوسبة الكمّية، تنتقل الأفكار بسرعة أكبر من المختبر إلى السوق، فتشكّل مسارات نمو الصناعات وتفتح آفاقًا جديدة لتحسين العالم من حولنا.

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العالم الرقمي بوتيرة مذهلة، مدفوعًا بمراكز بيانات ضخمة، وشبكات فائقة السرعة، وعناقيد حوسبة متزايدة الكثافة. ومع كل جيل جديد من نماذج الذكاء الاصطناعي، ترتفع متطلبات القدرة الحاسوبية بشكل ملحوظ. غير أن البنية التحتية الرقمية العالمية تقترب بالفعل من حدودها الفيزيائية والطاقية.

فاليوم، قد يستهلك شريحة ذكاء اصطناعي واحدة من الطراز المتقدم قدرًا من الكهرباء يعادل استهلاك منزل كامل، بينما قد تستهلك عمليات تدريب ضخمة طاقة توازي استهلاك مدينة بأكملها. ولهذا تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالميًا تقريبًا بحلول عام 2030.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكننا توسيع قدرات الحوسبة من دون توسيع استهلاك الطاقة؟

غالبًا ما يُشار إلى الحوسبة الكمّية كجزء من الإجابة، لما تعد به من قدرة حاسوبية أكبر بكثير وبكلفة طاقية أقل بكثير. لكن نادرًا ما نوضح لماذا يحدث ذلك، وفي أي الحالات، أو نقارن بين المنصّات الكمّية المختلفة من حيث مقدار الحوسبة التي تقدّمها مقابل كل كيلوواط-ساعة، رغم الفوارق الكبيرة بينها.

وفي المرحلة الراهنة، يتعيّن على الحكومات وقطاع الصناعة أن يقرّروا أي البُنى المعمارية ليست قابلة للتوسع فحسب، بل قابلة للتوسع بكفاءة طاقية أيضًا: أي تلك التي توفّر أعلى قدرة حاسوبية بأقل استهلاك للطاقة.


كيف تستخدم الحواسيب الطاقة؟

1. الحوسبة التقليدية

نقطة الانطلاق هي الفيزياء. فأي حاسوب هو نظام فيزيائي يخضع لقوانين الديناميكا الحرارية، ما يعني أن معالجة المعلومات لا يمكن أن تكون بلا تكلفة طاقية. وفي صميم ذلك يكمن مبدأ لانداور، الذي ينص على أن محو المعلومات يستلزم حدًا أدنى من الطاقة المفقودة على شكل حرارة، وهو حد لا يمكن لأي تقنية تجاوزه.

يساعد هذا الحدّ الأساسي على التمييز بين الحواسيب التقليدية والكمّية. ففي الحوسبة اليومية، تطغى أوجه القصور الهندسية على هذا الحد، فلا نشعر به كثيرًا. لكن مع ازدياد تعقيد المشكلات، تضطر الخوارزميات التقليدية إلى محو عدد متزايد بسرعة من البتّات الوسيطة، ما يعني أن الحد الأدنى النظري لاستهلاك الطاقة يمكن أن ينمو نموًا أُسّيًا.

2. الحوسبة الكمّية

تتعامل الخوارزميات الكمّية مع المعلومات بطريقة مختلفة جذريًا. فعملياتها المنطقية قابلة للعكس، ما يسمح «بإلغاء» الحالات الوسيطة بدل محوها. وهذا يمكّن الحاسوب الكمّي من فحص عدد كبير من الحلول المحتملة في الوقت نفسه قبل استخراج نتيجة نهائية صغيرة.

وفي المشكلات المعقّدة نفسها، تشير النظرية إلى أن الحد الأدنى من الطاقة اللازمة لخوارزميات كمّية مصمّمة جيدًا ينمو بوتيرة أبطأ بكثير. وفي هذه المجالات، لا تكون الحواسيب الكمّية أسرع فحسب، بل قد تكون أيضًا أكثر كفاءة طاقية بدرجات أُسّية.


لماذا يهم اختيار منصّة العتاد في الحوسبة الكمّية؟

لا تتحقق هذه المزايا الثرموديناميكية إلا إذا حافظ العتاد على تكلفة طاقية قريبة من الحدّ النظري. فالمعالجات الكمّية تعمل ضمن أنظمة فيزيائية معقّدة، تشمل التبريد وإلكترونيات التحكّم، وغالبًا ما يهيمن استهلاك هذه البنية الداعمة على إجمالي الطاقة المستخدمة.

وسيكون لاعتماد منصّات تتطلب ثلاجات تخفيفية ضخمة أو تعمل عند درجة حرارة الغرفة تقريبًا أثر حاسم على البصمة الطاقية طويلة الأمد. لذا فإن تقييم الكفاءة الطاقية يستدعي مقارنة العتاد نفسه، لا الخوارزميات فقط.

1. الحواسيب الكمّية فائقة التوصيل

تعتمد هذه الحواسيب على دوائر لا تعمل إلا عند درجات حرارة قريبة جدًا من الصفر المطلق، ولذلك توضع داخل ثلاجات تخفيفية متعددة المراحل.

وفي الأنظمة السحابية الحالية، يبلغ الاستهلاك الكلي للطاقة عادةً نحو 25 كيلوواط، يذهب معظمها إلى التبريد والمعدات المساندة لا إلى الكيوبتات نفسها.

2. الحواسيب الكمّية ذات الذرّات المتعادلة

تعمل هذه الحواسيب بطريقة مختلفة، إذ تستخدم ذرّات فردية ككيوبتات، تُحجز في مصفوفات من الحزم الليزرية داخل فراغ فائق، وتُتحكَّم بها عبر نبضات ضوئية. وهي تعمل عند درجة حرارة الغرفة أو قريبة منها، ولا تحتاج إلى تبريد عند أجزاء من الألف من الدرجة فوق الصفر المطلق.

وتشير تقارير لأجهزة قائمة تضم بضع مئات من الكيوبتات إلى أن الاستهلاك الكلي للنظام يقل عن 10 كيلوواط. وحتى عند المقاييس المتواضعة الحالية، يمكن لحاسوبين كمّيين متقاربين في حجم المعالج أن يختلفا في استهلاك الطاقة بنحو ثلاثة أضعاف تبعًا لاعتمادهما على التبريد الشديد من عدمه.

ومع التطلع إلى مقاييس أكبر والتشغيل المتحمّل للأخطاء (القدرة على العمل رغم الاضطرابات والأخطاء)، تشير خرائط الطريق التقنية إلى أن الطلب الكهربائي للحواسيب الكمّية واسعة النطاق قد يختلف بما يصل إلى مرتبتين عشريتين بين البنى المعمارية المختلفة.


أين يمكن للحوسبة الكمّية أن تُقلّل استهلاك الطاقة؟

تتجلّى أهمية العتاد الكمّي عالي الكفاءة خصوصًا في المجالات التي تؤدي فيها الحلول الأفضل مباشرةً إلى خفض استهلاك الطاقة في العالم الحقيقي. والفائدة الأولى هي حسابية: فبعض المهام يمكن حلّها بطاقة أقل بكثير مقارنةً بالحواسيب التقليدية.

والأهم من ذلك أن الحوسبة الكمّية يمكن أن تساعد في تصميم وإدارة مستقبل أكثر خضرة واستدامة، خاصة في أنظمة الطاقة والتنقّل، حيث تنتشر تحديات التحسين، من تخطيط مزارع الرياح والتنبؤ بإنتاج الطاقة المتجددة إلى تخطيط النقل وإدارة حركة المرور.

في هذه الحالات، تكون الكهرباء اللازمة لتشغيل الخوارزميات الكمّية ضئيلة مقارنةً بالوفورات المحتملة على مستوى النظام ككل، بحيث يمكن لمكاسب متواضعة أن تفضي إلى تخفيضات كبيرة في الموارد والانبعاثات.

كما يقدّم علم المواد والكيمياء مسارًا واعدًا آخر: تطوير بطاريات أفضل، ومحفّزات أكثر كفاءة، وأغشية أقل فقدًا للطاقة في التخزين والهيدروجين والعمليات الصناعية. غير أن العديد من هذه المحاكاة لا يزال يتجاوز قدرات الحواسيب التقليدية.

فالعديد من مواد البطاريات والمواد الصناعية معقّدة للغاية بحيث لا يمكن محاكاتها بدقة اليوم. ويمكن للحوسبة الكمّية أن تنمذجها بصورة أكثر واقعية، ما يسرّع تطوير بطاريات أفضل ومحفّزات أكفأ وأغشية أقل خسارة للطاقة، ويؤدي في النهاية إلى خفض الطلب الكلي على الطاقة.

وتغذّي هذه التقدّمات الذكاء الاصطناعي بدورها. فالتدريب والتشغيل لنماذج كبيرة يعتمد على خيارات متشابكة في العتاد والبرمجيات والهندسة المعمارية، ويواصل استهلاك الطاقة الارتفاع.

ويجري استكشاف أساليب تحسين مستوحاة من الكمّ أو قائمة عليه، بهدف تمكين الأنظمة المستقبلية من تقديم أداء مماثل أو أفضل بعدد عمليات أقل وطاقة أقل لكل مهمة.

ولا يزال ما إذا كانت الحواسيب الكمّية ستسرّع تدريب نماذج الطليعة بشكل كبير سؤالًا مفتوحًا، لكن استخدام أدوات كمّية لتبسيط سير عمل الذكاء الاصطناعي يُعد اتجاهًا واعدًا بالفعل.


الحوسبة الكمّية كمسار ضروري

مع تسارع الطلب العالمي على الحوسبة، ينبغي النظر إلى الحوسبة الكمّية لا كمسعى بحثي هامشي، بل كمسار ضروري للحفاظ على التقدم الرقمي دون زيادة استهلاك الطاقة.

ويتطلّب تحقيق هذا الوعد جهودًا منسّقة واسعة عبر البحث والصناعة والقطاع العام، إضافةً إلى استثمارات عامة وخاصة مستدامة لمعالجة التحديات التقنية الرئيسية، مثل تصحيح الأخطاء على نطاق واسع.

وإلى جانب الكفاءة، توفّر المعالجة الكمّية طريقة جديدة للتعامل مع التعقيد، وقد تعيد تعريف بنية الاقتصاد الرقمي. ويبقى السؤال: هل سيكون هذا المستقبل قابلًا للاستدامة البيئية؟ الإجابة تعتمد على القرارات التي نتخذها اليوم.

فعلى الحكومات وقطاع الصناعة أن يتساءلوا: أي التقنيات يمكن توسيعها دون أن ترسّخ عالمًا رقميًا عالي الطلب على الطاقة؟

وإذا كانت الكفاءة الطاقية ستصبح أولوية استراتيجية، فيجب ترسيخها كمبدأ تصميم أساسي عبر المنظومة الكمّية بأكملها، من تمويل البحث إلى تخطيط البنية التحتية. عندها فقط يمكن للحوسبة الكمّية أن تنمو جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي، مع إبقاء مستقبلنا الرقمي ضمن حدود العالم الفيزيائي.

المصدر

مقالات ذات صلة