ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمثّل الذكاء الاصطناعي الوكيلي نقطة تحوّل في مستقبل الخدمات الحكومية، عبر سد فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة من خلال تسريع الإجراءات، وأتمتة المعاملات المتكررة والمعقّدة، وتعزيز الشفافية بأسلوب «الحوكمة ذات الصندوق الزجاجي»، مع الإبقاء على الإنسان كصاحب القرار الأخلاقي النهائي، بما يتيح للموظفين العموميين التركيز على القضايا التي تتطلب حكماً بشرياً وتعاطفاً حقيقياً، وبناء دولة أكثر كفاءة وقدرة وثقة لدى مواطنيها.
- تُطالَب المؤسسات العامة اليوم بالعمل بسرعة القطاع الخاص، بينما تعجز الحكومات عن تلبية طلبات المواطنين وتوقعاتهم بالاعتماد على النماذج التقليدية.
- ومن خلال الجمع بين سرعة الذكاء الاصطناعي الوكيلي وقدرته على التوسع، وبين خبرة البشر وتعاطفهم، يمكننا بناء دولة عالية الكفاءة وتحظى بثقة مواطنيها.
- يجتمع القادة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 لاستكشاف كيف يمكن للاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة الأخرى أن يترجم إلى حلول لتحديات واقعية.
نعيش في عالم أصبحت فيه معظم الخدمات سريعة وسلسة وبديهية. يستطيع الناس التحقق من هويتهم عبر تطبيق مصرفي خلال ثوانٍ، أو طلب سيارة أجرة فوراً — وهم يتوقعون من حكوماتهم المستوى نفسه من السرعة والكفاءة. لم يعد الانتظار أياماً أو أسابيع للحصول على خدمة حكومية أساسية أمراً مقبولاً. فكل نقطة احتكاك بطيئة، أو نموذج مكرر، أو سير عمل معطّل، يبعث برسالة إلى المواطنين مفادها أن الحكومة لا تواكب مستوى الخدمة الذي يتوقعونه. وهذه الفجوة لا تُحبط الناس فحسب، بل تقوّض الثقة أيضاً.
فجوة الثقة هذه ليست نظرية. إذ تُظهر نتائج أحدث تقارير «مؤشر الثقة» فجوة كبيرة ومتنامية في الثقة العامة، وهو مؤشر واضح على أن توقعات الناس ترتفع بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على الوفاء بها.
تُطالَب المؤسسات العامة بالعمل بسرعة القطاع الخاص رغم اعتمادها على أنظمة قديمة، وبيانات مجزأة، وموارد ثابتة. وقد تضاعف حجم العمل، بينما لم تتطور الأدوات. هذا الخلل خلق مشكلة هيكلية: الحكومات ببساطة لا تستطيع تلبية الطلب وتوقعات المواطنين باستخدام النماذج التقليدية.
حجم الطلب هائل. تشير دراسات داخلية في الإدارة العامة بالمملكة المتحدة إلى أنه من أصل مليار معاملة سنوية مع المواطنين، هناك نحو 143 مليون معاملة «متكررة ومعقدة»، ويُعدّ حوالي 84% منها «قابلاً للأتمتة بدرجة عالية» عبر الذكاء الاصطناعي.
نرى بالفعل كيف يمكن للتكنولوجيا إدارة هذا الحجم. فقد نجحت سنغافورة في نشر مساعدين افتراضيين في القطاع العام. إذ تلقّى مساعد الحكومة «Ask Jamie» أكثر من 15 مليون استفسار عبر 80 موقعاً حكومياً، وتمكّن من حل نصف المشكلات التي كانت تُثقل كاهل مراكز الاتصال.
وبالمثل، اعتمدت مدينة برشلونة منصة مركزية مدعومة بتقنيات متقدمة تمنح الموظفين العموميين رؤية شاملة لتفاعلاتهم مع المواطنين. تُمكّنهم هذه المنصة من تتبع تقديم الخدمات ومشاركة المعلومات عبر الإدارات لتقديم خدمة مخصّصة لكل مواطن. ومن خلال ربط البيانات التي كانت معزولة سابقاً، تحوّل العمل البيروقراطي من نهج تفاعلي إلى خدمة استباقية، ما مكّن المجتمعات من الحصول على دعم أسرع وأكثر تخصيصاً. كما تسخّر المملكة المتحدة الذكاء الاصطناعي عبر وكيل مستقل يقدّم إجابات على مدار الساعة للأسئلة الشائعة ويساعد المواطنين على تسجيل البلاغات بأنفسهم. وفي أسبوعه الأول، تمكّن هذا الوكيل من حل 82% من الاستفسارات الواردة دون الحاجة إلى تصعيدها إلى موظف بشري.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي الوكيلي القطاع العام؟
أمام الحكومات والإدارات العامة فرصة لسد فجوة الثقة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيلي. هذه التقنية المتقدمة تُشغّل أنظمة ذكاء مستقلة أو «وكلاء» قادرين على إنجاز المهام ذاتياً، والتفكير عبر خطوات متعددة، وتكييف أفعالهم في الوقت الحقيقي لتحقيق أهداف محددة.
لا تكتفي الجهات المختصة بإعطاء الوكيل «طلباً» بسيطاً، بل تحدد له هدفاً مثل: «إتمام تجديد هذا التصريح». ويتمتع الوكيل المدعوم بالذكاء الاصطناعي بالاستقلالية لتخطيط الخطوات، والوصول إلى قواعد البيانات اللازمة، والتحقق من المعلومات وفق اللوائح، وتنفيذ المعاملة.
على سبيل المثال، تُجري إستونيا تجربة «Bürokratt»، وهي شبكة من الوكلاء القابلين للتشغيل البيني عبر الجهات المختلفة. يستطيع المواطن طلب تجديد جواز السفر، فينسّق الوكيل مباشرة مع الجهات المعنية لتنفيذ المهمة. وتعمل الحكومة حينها كوحدة متماسكة واحدة بدلاً من مجموعة إدارات مجزأة.
ومن الواضح أن المواطنين مستعدون لهذا التحول. إذ أظهر استطلاع حديث أن 90% من المشاركين عالمياً على استعداد لاستخدام وكيل ذكاء اصطناعي للتفاعل مع القطاع العام. وتُعدّ دول مثل البرازيل وإسبانيا وسنغافورة وإيطاليا من الأكثر حماساً، لكن الإقبال عالمي. وفي الولايات المتحدة وألمانيا، يقول 20% من المشاركين إنهم «مرجّحون جداً» لاستخدام وكيل ذكاء اصطناعي للمساعدة في مهام معقدة مثل تقديم الإقرارات الضريبية. الجمهور جاهز لطريقة جديدة في التفاعل مع الحكومات.
ما هي الحوكمة ذات «الصندوق الزجاجي»؟
يمكن للتحول إلى الوكلاء الذكيين أن يفتح أيضاً باباً لمزيد من الشفافية، ناقلاً الإدارات من «حوكمة الصندوق الأسود» إلى «حوكمة الصندوق الزجاجي». لكن هذه الشفافية تعتمد على مبدأ أساسي: أن يظل الإنسان هو المعماري.
من خلال إنشاء سجل تدقيق كامل لكل قاعدة اتُّبعت وكل إجراء نُفّذ، يمكّن الذكاء الاصطناعي الوكيلي الموظفَ العام من رؤية مطلقة لسير تقديم الخدمة. ويمنح ذلك الموظفين الأدوات اللازمة لمراجعة النتائج والتحقق منها بوضوح، معزّزاً دورهم كأمناء أخلاقيين موثوقين على النظام. يضمن «الصندوق الزجاجي» أنه بينما ينفّذ الذكاء الاصطناعي العمل المعاملاتي، يحتفظ الإنسان بالتحكم الكامل في الأخلاقيات والضوابط والنتائج النهائية.
ومن خلال نشر وكلاء قادرين على التنقل ذاتياً عبر سير العمل المعقد، تستطيع الحكومات أخيراً الانتقال من مجرد الإجابة عن أسئلة المواطنين إلى حل مشكلاتهم فعلياً.
ما هو التعاون بين الإنسان والوكيل الذكي؟
رؤية المرحلة المقبلة من العمل الحكومي لا تقوم على استبدال الموظفين العموميين، بل على تمكينهم عبر قوة عاملة هجينة.
لقد بلغنا حدود ما يمكن للبيروقراطيات المعتمدة على البشر فقط معالجته. يكمن مستقبل الخدمة العامة في نموذج «الإنسان + الذكاء الاصطناعي». فعندما يتولى الذكاء الاصطناعي الوكيلي أعمال «الفرز» الروتينية — مثل ترتيب النماذج، والتحقق من الالتزام، وتوجيه الطلبات — فإنه لا يزيل التراكم فحسب، بل يفسح المجال للتواصل الإنساني. ويُتاح للموظفين العموميين التركيز على الحالات المعقدة والعاطفية وعالية المخاطر التي تتطلب تعاطفاً وحكماً بشرياً حقيقياً، وهي صفات لا يمكن لأي خوارزمية أن تحل محلها.
الفرصة اليوم هي توسيع نطاق ما نجح بالفعل في القطاع الخاص ليشمل الحكومة. الهدف هو الثقة والمسؤولية والكفاءة، دون الحاجة إلى إعادة اختراع العجلة. ومن خلال الجمع بين سرعة الذكاء الاصطناعي الوكيلي وقدرته على التوسع، وبين خبرة البشر وتعاطفهم، يمكننا بناء دولة حسنة النية، عالية الكفاءة، وتحظى بثقة مواطنيها.
