ملخص: تناقش هذه المقالة أهمية دخول معاهدة أعالي البحار حيّز النفاذ بوصفه تحولاً تاريخياً في حوكمة المحيطات، إذ توفّر لأول مرة إطاراً قانونياً ملزماً لحماية التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية، وتعزيز الاستخدام المستدام لمواردها. وتبرز المقالة كيف تفتح المعاهدة المجال أمام تعاون فعّال بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع العلمي والمجتمع المدني، من خلال أدوات مثل المناطق البحرية المحمية، وتقييم الأثر البيئي، وبناء القدرات ونقل التكنولوجيا، بما يدعم تحقيق الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة ويؤسس لمستقبل إيجابي للطبيعة واقتصاد أزرق resilient يخدم الأجيال الحالية والمستقبلية.
- تُعدّ أعالي البحار عنصراً حيوياً لتنظيم المناخ، وحماية التنوع البيولوجي، وضمان الأمن الغذائي، ودعم الاقتصاد العالمي.
- ومع ذلك، ظلت هذه المساحات الشاسعة لفترة طويلة تفتقر إلى إطار حوكمة شامل ومتكامل.
- إن دخول معاهدة أعالي البحار حيّز النفاذ يمثّل محطة مفصلية في مسار التعددية، ويفتح آفاقاً جديدة لتحقيق الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالحياة تحت الماء.
يلعب أصحاب المصلحة المتعددون—بما في ذلك الحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص—أدواراً أساسية في إنجاح تنفيذ المعاهدة. فأكثر من ثلثي المحيطات تقع خارج المناطق الاقتصادية الخالصة للدول، وهي المناطق المعروفة باسم «أعالي البحار». وتمثّل هذه المساحات أحد أعظم الأنظمة البيئية على كوكب الأرض، إذ تدعم الحياة بطرق لا نزال نكتشفها حتى اليوم.
لطالما افتقرت أعالي البحار إلى إطار شامل ومتكامل يوجّه حفظها والاستخدام المستدام لمواردها. وانطلاقاً من الحاجة إلى حوكمة هذا المشاع العالمي، تم إعداد اتفاقية التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية—المعروفة اختصاراً بمعاهدة أعالي البحار—استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تُعد الإطار القانوني الأساسي للمحيطات.
بعد عشرين عاماً من المفاوضات والتوافق النهائي، أُقرّ نص المعاهدة في عام 2023، وحصل على عدد كافٍ من التصديقات بحلول سبتمبر 2025، ما أتاح دخوله حيّز النفاذ كقانون دولي في 17 يناير 2026.
يمثّل هذا الحدث بداية حقبة جديدة من حوكمة المحيطات، لها آثار مباشرة على الحكومات والمجتمع المدني والبحث العلمي والقطاع الخاص، كما تفتح فرصاً أساسية لحماية المحيطات بشكل جماعي لصالح الأجيال الحالية والمستقبلية، وفقاً للهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة: «الحياة تحت الماء».
لماذا تُعد معاهدة أعالي البحار حيوية لحماية المحيطات؟
حتى وقت قريب، كانت أعالي البحار تُدار عبر شبكة مجزأة من الهيئات والاتفاقيات الدولية، يختص كل منها بتنظيم أنشطة محددة مثل الصيد أو الشحن. وقد أدّى هذا التشتت إلى الإضرار بصحة المحيطات وتنوعها البيولوجي.
عندما تنتقل الأنواع المهاجرة—كالحيتان والسلاحف وأسماك القرش والتونة—عبر «ممراتها الزرقاء»، فإنها تعبر فسيفساء من الولايات القضائية، وتواجه ضغوطاً متداخلة طوال دورات حياتها. وتُظهر رحلاتها بين مناطق التغذية والتكاثر ومسارات الهجرة مدى الترابط العميق للمحيط، والحاجة الملحّة إلى حوكمة متماسكة قائمة على العلم لحماية التنوع البيولوجي ووظائفه البيئية.
ومع مرور الوقت، كشفت الضغوط التراكمية التي تقود إلى فقدان التنوع البيولوجي عن حدود النهج القطاعي المجزأ، ما أوجد مخاطر متسلسلة تتطلب مسؤولية جماعية وتعاوناً واسع النطاق.
إن تحقيق مستقبل إيجابي للطبيعة يستلزم معالجة أسباب تدهور المحيطات—من الصيد غير المستدام واستخراج المعادن، إلى التلوث البحري وتأثيرات تغيّر المناخ.
التحديات الأربعة التي تعالجها المعاهدة
تعالج معاهدة أعالي البحار أربعة تحديات مترابطة:
أولاً، تُقرّ بالتوزيع العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن الموارد الوراثية البحرية، مع الاعتراف بأعالي البحار بوصفها إرثاً مشتركاً، تعتمد رعايته على المشاركة الشاملة والابتكار المسؤول.
ثانياً، تتضمن أدوات لإدارة المناطق، مثل إنشاء المناطق البحرية المحمية، لتحقيق التوازن بين الحفظ والاستخدام المستدام.
ثالثاً، تُعزّز متطلبات تقييم الأثر البيئي لتحسين عملية اتخاذ القرار في أعالي البحار.
رابعاً، تدعم بناء القدرات ونقل التكنولوجيا البحرية، بما يمكّن الدول من المشاركة الفاعلة في التنفيذ والتعاون العلمي.
ومع تعزيز الشفافية وتبادل البيانات والتعاون العلمي، تُسهم هذه التدابير مجتمعة في تهيئة الظروف لعمل منسق بين القطاعين العام والخاص على نطاق واسع.
حقبة جديدة من حوكمة المحيطات
تعتمد صحة المحيطات على عمل منسق بين الحكومات والصناعات والمؤسسات والقطاع المالي. وللمرة الأولى، يتوفر إطار قانوني ملزم يتيح إنشاء مناطق بحرية محمية في أعالي البحار—وهي خطوة أساسية لتحقيق الهدف العالمي المتمثل في حماية 30% من المحيطات بحلول عام 2030، وفقاً للإطار العالمي للتنوع البيولوجي. ويُعد ذلك أمراً حاسماً لدعم التنوع البيولوجي والخدمات البيئية والقدرة على التكيّف مع تغيّر المناخ.
كما توفر المعاهدة إطاراً لتقييم الأثر البيئي للأنشطة البحرية، بما يعكس التزاماً عالمياً مشتركاً برعاية المحيطات.
تلعب الصناعات المرتبطة بالمحيطات دوراً محورياً في دعم أهداف المعاهدة. فالتحول نحو مستقبل إيجابي للطبيعة—بما يشمل وقف وعكس فقدان الطبيعة بحلول عام 2030—قد يفتح قيمة اقتصادية تصل إلى 10 تريليونات دولار.
وتجمع معاهدة أعالي البحار بين أطراف من القطاع الخاص—مثل الشحن والطاقة البحرية والاتصالات ومصايد الأسماك—إلى جانب الحكومات والعلماء، لتقاسم مسؤولية حفظ أعالي البحار واستعادتها.
وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن التنفيذ الفعّال للمعاهدة بالنسبة للأعمال التجارية سيعتمد على اتساق الأطر التنظيمية بين الولايات القضائية، وتحسين توافر بيانات المحيطات وشفافيتها، والانخراط المبكر والمستدام مع القطاعات المعنية.
توفر المعاهدة للشركات فرصاً واضحة لمواءمة استراتيجياتها مع صحة المحيطات على المدى الطويل، بما يعزز الميزة التنافسية ويحفّز الابتكار نحو اقتصاد أزرق مزدهر. ويتعين على الصناعات البحرية الآن التعاون مع خبراء التنوع البيولوجي لإدماج المشورة العلمية في قرارات استخدام أعالي البحار، بما يضمن ازدهار الحياة البحرية.
ويُعد قطاع الشحن مثالاً على ذلك؛ إذ يمتد نشاطه من الموانئ إلى أعماق المحيط، ويتقاطع مع نظم بيئية متنوعة تقدّم خدمات حيوية. ومن خلال الحد من التلوث والضوضاء تحت الماء وتجنب المناطق الحساسة بيئياً، يمكن لقطاع الشحن دعم صحة المحيطات وتعزيز ثقة أصحاب المصلحة والمستثمرين.
وبالمثل، تعتمد مصايد الأسماك كلياً على محيط صحي. وتُكمل أدوات المعاهدة—كالقرارات القائمة على العلم وتبادل المعلومات وتقييمات الأثر البيئي وإدارة المناطق—الأطر القائمة، بما يتيح نهجاً قائماً على النظم البيئية يحافظ على المخزونات السمكية ويحمي التنوع البيولوجي.
لماذا تُعد معاهدة أعالي البحار ضرورية للعمل من أجل المحيطات؟
يمثّل دخول معاهدة أعالي البحار حيّز النفاذ نقطة تحوّل في حماية المحيطات، لكنه ليس نهاية الطريق. فلن تتحقق وعودها إلا إذا تعاونت الحكومات والمؤسسات والصناعات والعلوم وحَمَلة المعارف التقليدية والمجتمع المدني لتحويل النصوص إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع. ويُعدّ الحوار الشفاف والتعاون الفعّال بين جميع الفاعلين البحريين أمراً أساسياً لتحقيق نتائج الحفظ والمرونة التي يحتاجها العالم على وجه السرعة.
يجب أن يصبح تنسيق الجهود بين الحكومات والهيئات الإقليمية والمنظمات القطاعية—من مصايد الأسماك إلى الشحن، ومن مؤسسات البحث إلى المجتمعات الساحلية—هو القاعدة. فالمحيط نظام مترابط ثلاثي الأبعاد، وغالباً ما لا تتوافق الحدود البشرية مع الحقائق البيئية.
ولا بد من إدارة المحيط بأكمله—داخل وخارج الولايات الوطنية—بمسؤولية لوقف فقدان التنوع البيولوجي والحفاظ على وظائف دعم الحياة التي تعتمد عليها المجتمعات والاقتصادات.
ترسل معاهدة أعالي البحار رسالة قوية مفادها أن المحيط سيظل دائماً مساحة للتعاون متعدد الأطراف والتقدم العالمي. والآن، يتعين على العالم أن يعمل معاً، وبإلحاح وطموح، لتنفيذ المعاهدة عبر حوار شفاف والتزام واضح من جميع الجهات الفاعلة البحرية بالوفاء بالتزاماتها. ولن يكون التغيير التحولي ممكناً إلا من خلال تعاون متعدد الأطراف ومسؤولية مشتركة.
