القائمة الرئيسية

شلل التعددية يهدد الصحة العالمية… و«المينيلاتيرالية» التي تتبناها غافي قد تعيدنا إلى المسار الصحيح

شلل التعددية يهدد الصحة العالمية… و«المينيلاتيرالية» التي تتبناها غافي قد تعيدنا إلى المسار الصحيح
ملخص المقال

لكن الأخطار تبلغ ذروتها حين تستغل هذه الأمراض الانقسام والانفصال: الانفصال بين الأنظمة الصحية والمجتمعات، والانقسامات داخل الحكومات، والأهم من ذلك، الانقسامات بين الحكومات نفسها.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف أن تراجع التعددية الدولية والانقسامات السياسية باتا يشكلان تهديداً مباشراً للصحة العالمية، ويقوضان القدرة على مواجهة الأوبئة وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتطرح تجربة تحالف اللقاحات «غافي» كنموذج عملي بديل يقوم على «المينيلاتيرالية»؛ أي تحالفات محدودة وهادفة قادرة على تحقيق نتائج ملموسة، خصوصاً في دول الجنوب العالمي، من خلال تمكين الدول من تعزيز سيادتها الصحية، وتسريع الوصول إلى اللقاحات، والتركيز على حلول «الميل الأخير» التي تُحدث فرقاً حقيقياً بين الحياة والموت في عالم يتزايد فيه التفكك وعدم اليقين.

  • إن تراجع التعددية الدولية يؤدي إلى قطع الروابط بين الأنظمة والمجتمعات والحكومات، وهي الروابط الضرورية لمواجهة التحديات الصحية العالمية.
  • وتقدّم تجربة تحالف اللقاحات «غافي» في بناء حلول جماعية عبر تحالفات محدودة وهادفة، تُعرف بـ«المينيلاتيرالية»، نموذجاً بديلاً عملياً للمضي قدماً.
  • كما أن التعاون في تقديم الحلول الصحية في «الميل الأخير» للفئات الأكثر هشاشة في دول الجنوب العالمي لا يقل أهمية عن إصلاح البنية العامة لحوكمة الصحة العالمية.

هناك مفارقة في صميم كل وباء من الأمراض المعدية. فمن تفشي الحصبة والكوليرا في مخيمات اللاجئين، إلى الالتهابات التنفسية التي تنتشر في المكاتب والمدارس والتجمعات حول العالم، تستغل مسببات الأمراض المعدية الروابط بين البشر.

لكن الأخطار تبلغ ذروتها حين تستغل هذه الأمراض الانقسام والانفصال: الانفصال بين الأنظمة الصحية والمجتمعات، والانقسامات داخل الحكومات، والأهم من ذلك، الانقسامات بين الحكومات نفسها.

وهذا يجب أن يقرع ناقوس الخطر لدى كل من اطّلع على تقرير المخاطر العالمية لهذا العام، حيث يتكرر فيه التحذير من تراجع التعددية، وتصاعد الانقسامات، وتفكك النظام القائم على القواعد الذي وحّد ما نسميه بالمجتمع الدولي لما يقارب قرناً من الزمن.

إن الروابط الحيوية تُقطع اليوم. وفي عالم يشهد تصاعداً في المواجهات الجيو-اقتصادية المعقّدة والمربكة، قد يكون من الأدق الحديث عن «مجتمعات دولية» متعددة بدلاً من مجتمع دولي واحد. والسؤال المطروح أمام من يسعون إلى حلول مشتركة للتحديات التي تواجه البشرية — من الوقاية من الأوبئة إلى التصدي لتغير المناخ — هو: كيف نفعّل العمل الجماعي في عالم متعدد الأقطاب؟

هنا تبرز تجربة تحالف اللقاحات «غافي» كنموذج يحمل دروساً مهمة. فمنذ تأسيسه عام 2000 خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بهدف توسيع نطاق التحصين ضد أمراض قاتلة لكنها قابلة للوقاية في الدول منخفضة الدخل، نجح «غافي» في تلقيح أكثر من 1.2 مليار طفل، مساهماً في خفض وفيات الأطفال إلى النصف تقريباً.

إن حماية جيل كامل تطلبت إنشاء أسواق جديدة للقاحات كانت غير ميسورة للكثير من الدول، إضافة إلى تطوير أسواق للقاحات جديدة كلياً، مثل الإطلاق السريع التاريخي للقاحات الملاريا في عام 2024. والأهم أن نموذج «غافي» يدعم سيادة الدول الصحية، إذ يساعدها على زيادة مساهمتها في برامج التحصين تدريجياً مع نمو دخلها القومي، كما يفتح المجال أمام ابتكارات القطاع الخاص. وخلال هذا الأسبوع في دافوس، سيتم الإعلان عن مجموعة من الاتفاقيات التي ستعزز استثمارات القطاع الخاص في سلسلة قيمة التحصين.

فرصة صحية بحجم جيل كامل

لطالما تشكلت ملامح الصحة العالمية بفعل الجغرافيا السياسية، إلا أن الاضطرابات التي شهدها العالم خلال العامين الماضيين غير مسبوقة تاريخياً. ولا شك أن الصحة العالمية تواجه اليوم أزمة حقيقية، لكنها في الوقت ذاته تقف أمام فرصة تاريخية. فخفض التمويل بشكل واسع، وتزايد التركيز على السيادة والملكية الوطنية في العديد من الدول منخفضة الدخل، سيقودان إلى تغييرات جذرية لا مفر منها، وهي تغييرات قد تكون مرغوبة في جوانب عدة، لكنها لا تخلو من المخاطر.

سبق أن دعوت إلى تحرك منسق — «قفزة صحية عالمية» — تقوم على نطاق مشترك، وأهداف واضحة، ومبادئ محددة، وعملية شفافة للتوصل إلى توافق وتنسيق إصلاحات جوهرية. ويتعين علينا الحفاظ على القدرة العالمية لتوفير السلع الصحية العامة الأساسية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، ودعم الدول في انتقالها نحو أنظمة صحية وطنية مستدامة وقادرة على الاعتماد على الذات.

لكننا لم نصل إلى ذلك بعد. فالتعامل المجزأ بين منظمات ومبادرات الصحة العالمية يعكس أوجه القصور في البنية الحالية للحوكمة الصحية. وبدلاً من إعادة ضبط استراتيجية منسقة تعيد النظر في الأدوار وتستكشف فرص التكامل التشغيلي، نشهد حالياً تخفيضات متفرقة في التكاليف كوسيلة للبقاء على المدى القصير.

قفزة غافي

رغم ذلك، فإن التجربة الأخيرة لـ«غافي» تمنح أسباباً للتفاؤل. فمن خلال برنامج التحول الخاص بنا، المعروف باسم «قفزة غافي»، أصبح من الأسهل للدول تحديد أولوياتها في مجال التحصين والتعاون معنا، وذلك عبر تبسيط جذري لإجراءات إدارة المنح. كما نعزز التزامنا بتسريع انتقال الدول نحو برامج تحصين وطنية قوية ومستدامة، بالتوازي مع زيادة الدعم الموجه للدول المتأثرة بالنزاعات والأزمات.

إن «قفزة غافي» دليل على أن روح الحوار قادرة على تحويل النقاش إلى عمل سريع وملموس. كما أن نجاحنا المستمر في حماية الجميع عبر حماية الفئات الأكثر ضعفاً من خلال التحصين، يبرهن أن التحالفات الهادفة لمن يملكون الإرادة — أو «المينيلاتيرالية» — قادرة على إيجاد حلول جماعية حتى في عالم يتجه نحو التفكك.

ومن خلال البناء على نموذج «غافي» وتكراره حيثما أمكن، يمكننا تجاوز حالة الشلل التي تصيب العديد من المؤسسات متعددة الأطراف التقليدية، وفي الوقت نفسه نقل مركز الثقل في الصحة العالمية إلى حيث يجب أن يكون: في الجنوب العالمي.

كثيراً ما ينحرف النقاش حول إصلاح بنية الصحة العالمية نحو لغة الشركات من حيث الاندماجات والاستحواذات بين مؤسسات الشمال العالمي. وقد يشكل ذلك جزءاً من الحل إذا جاء نتيجة عملية سياسية رفيعة المستوى. غير أن الأهم هو توجيه كل تركيزنا نحو تعزيز التعاون والتكامل التشغيلي حيث يمكن أن يصنع فرقاً بين الحياة والموت: في مرحلة «الميل الأخير» من إيصال الخدمات الصحية إلى أكثر المجتمعات هشاشة في العالم.

في الوقت الراهن، لا يزال شكل المشهد الصحي العالمي بعد خمس سنوات غير واضح. لكن ما يمكن الجزم به هو أن المؤسسات والمنظمات التي تتمتع بالمرونة والقدرة على التطور والابتكار والاستجابة الاستباقية للتغيرات، ستواصل تحقيق التحسينات في الصحة والأمن الصحي التي تشكل الأساس للنمو والازدهار العالمي.

المصدر

مقالات ذات صلة