القائمة الرئيسية

ما الذي يمكن للقادة تعلّمه من الدول النامية لإعادة بناء الثقة

ما الذي يمكن للقادة تعلّمه من الدول النامية لإعادة بناء الثقة
ملخص المقال

تغذّي هذه الفجوة في التصوّر حالة السخط، إذ يشير الموظفون الأصغر سناً على وجه الخصوص إلى افتقار القيادة للشفافية والأصالة والتوافق مع قيمهم. والنتيجة هي شعور متزايد بأن نموذج القيادة بأكمله أصبح قديماً، ما يضرّ بالمعنويات داخل قوة عمل متعددة الأجيال تتسم بالتقلّب وارتفاع الصوت، ويضعف الأداء والابتكار.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة أزمة تراجع الثقة في القيادة عالمياً، وتكشف مفارقة لافتة تتمثل في ارتفاع مستويات رضا الموظفين وثقتهم بالقادة في الدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة، موضحة أن الثقة ليست أمراً تلقائياً بل ممارسة قيادية واعية. وتستعرض المقالة كيف يمكن للقادة إعادة بنائها من خلال تحديث نماذج القيادة، وتعزيز الشفافية والتواصل الصادق، وإعلاء قيمة الذكاء العاطفي والقرب الإنساني، والاستفادة من تجارب الأسواق الناشئة، وصولاً إلى بناء أنظمة قيادة قائمة على الثقة قادرة على الصمود والنجاح في عصر الذكاء الاصطناعي.

  • يُعدّ عامل الثقة حجر الأساس للقيادة الفعّالة، لكنه يشهد تراجعاً مقلقاً في مختلف أنحاء العالم.
  • تؤكد استطلاعات رأي من مؤسسات مثل إدلمان وغيرها أن الثقة في المؤسسات، بما في ذلك الشركات، تتآكل بوتيرة متسارعة، حيث يعتقد معظم الناس أن القادة يضلّلونهم بشكل متكرر.
  • ولا يظل هذا التراجع مجرد فكرة نظرية؛ بل يظهر داخل المؤسسات على شكل موظفين غير منخرطين، وثقافات عمل متصدّعة، وخط إمداد قيادي مهدَّد.

تُبرز استطلاعات منتدى أوليفر وايمان خلال السنوات الخمس الماضية، والتي استمعت إلى آراء 300 ألف شخص في 20 دولة، مدى تفاقم المشكلة. فبينما يعتقد ما يقرب من ثلاثة أرباع التنفيذيين أنهم يفهمون موظفي الصفوف الأمامية، لا يوافق على ذلك سوى واحد من كل خمسة موظفين.

تغذّي هذه الفجوة في التصوّر حالة السخط، إذ يشير الموظفون الأصغر سناً على وجه الخصوص إلى افتقار القيادة للشفافية والأصالة والتوافق مع قيمهم. والنتيجة هي شعور متزايد بأن نموذج القيادة بأكمله أصبح قديماً، ما يضرّ بالمعنويات داخل قوة عمل متعددة الأجيال تتسم بالتقلّب وارتفاع الصوت، ويضعف الأداء والابتكار.

لكن هناك استثناء واحد لهذه الظاهرة العالمية المتفاقمة: الأسواق النامية. ففي المتوسط، يعبّر الموظفون في هذه الدول عن مستويات أعلى بكثير من الثقة والرضا عن قادتهم، مسجّلين تقييماً أعلى بنحو 15 نقطة مقارنة بنظرائهم في الدول المتقدمة، وفقاً لمنتدى أوليفر وايمان. كما يشعرون بارتباط أقوى بشركاتهم، وهم أكثر ميلاً للاعتقاد بأن القيادات العليا تتخذ قرارات تصب في مصلحة القوى العاملة بأكملها.

يقدّم هذا التباين درساً مهماً: الثقة ليست أمراً مسلّماً به، بل ممارسة مستمرة. فما الذي يجب على القادة تغييره؟ نرى خمسة مفاتيح فعّالة لبناء الثقة على المدى الطويل: تحديث نماذج القيادة، تحسين التواصل، إعطاء الأولوية للذكاء العاطفي، دراسة الحالات الداخلية الناجحة، وإنشاء أنظمة قيادية جديدة مصمّمة لتوليد الثقة على نطاق واسع.

1. تحديث نماذج القيادة للمستقبل

لم تعد نماذج القيادة التي خدمت الأجيال السابقة ملائمة للواقع الحالي. ففي عالم يتّسم بالتغيير السريع، والذكاء الاصطناعي، والعمل الهجين، بات على القادة تحديث أساليبهم. وقد ارتفع عدد الموظفين الذين يعتبرون “ضعف القيادة” سبباً رئيسياً لعدم الرضا في العمل بنسبة 60% منذ عام 2023، وفقاً لمنتدى أوليفر وايمان. ويقول نحو نصفهم إن نموذج القيادة في شركاتهم أصبح قديماً، وإن القادة لم يعودوا على تواصل حقيقي مع فرقهم.

يزيد من تعقيد المشهد أن فرق العمل اليوم تمتد عبر خمسة أجيال مختلفة، ولا تتفق على تعريف موحّد للقيادة الجيدة. فالشباب أكثر ميلاً بنسبة 40% من جيل “الطفرة السكانية” إلى الرغبة في قادة يمتلكون رسالة أو غاية واضحة، وهم أكثر بثلاثة أضعاف تقريباً في الاعتقاد بضرورة إعطاء الأولوية لاحتياجات الموظفين على حساب احتياجات الشركة. كما يرغب أفراد الجيل “زد” في اتخاذ القرارات بمشاركة المستويات الأدنى، بينما يفضّل كبار السن ترك هذه القرارات للإدارة العليا.

النتيجة أن كلا الطرفين يشعر بالإحباط: فالشباب يرون أن القادة لا يستجيبون لقيمهم، في حين يفقد الموظفون الأكبر سناً الإحساس بالوضوح والسيطرة. ويأتي الضغط على القيادة من محاولة إرضاء الجميع في آن واحد.

2. التواصل المتكرر والمنفتح

تُعدّ الشفافية أمراً غير قابل للتفاوض، خصوصاً عندما تكون الثقة منخفضة. يجب على القادة التواصل بصراحة حول التحديات والقرارات، لا الاكتفاء بعرض النتائج النهائية. يشير أكثر من 70% من الموظفين إلى أن عدم الاستماع أو الاهتمام أو اتخاذ قرارات جيدة لفرقهم هو من أبرز إخفاقات القيادة، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 80% بين أفراد الجيل “زد”.

يقول ثلث أبناء هذا الجيل إن الشفافية بشأن تحديات الشركة هي العامل الأكثر تأثيراً في رفع المعنويات، ومع ذلك يرى نحو نصفهم أنها نقطة ضعف رئيسية لدى القيادة. ويساهم هذا الإحباط في تفضيل 38% منهم وجود زميل عمل أو مدير يعتمد على الذكاء الاصطناعي، لما يوفره من اتساق وشفافية وعدالة.

تكشف الأبحاث عن وجود “فجوة في الجرأة”: أي المسافة بين مدى الصراحة التي يرغب الموظفون في أن يتحلى بها القادة، ومدى الحذر الذي يشعر به القادة في سلوكهم. فالعمال يطالبون بخيارات أوضح، وأسباب أكثر وضوحاً، وفهماً أفضل للمفاضلات والقيم والضغوط التي يواجهها القادة.

3. إعادة بناء القيادة عبر الذكاء العاطفي والقرب الحقيقي

أصبح الذكاء العاطفي متطلباً هيكلياً. فالعمال يريدون قادة يتمتعون به، ويصنّفونه ضمن أهم ثلاث سمات قيادية عالمياً، وفي المرتبة الثانية لدى الجيل “زد”. كما يطالبون بتواصل إنساني أقرب، إذ يرغب ثلث الموظفين في مزيد من التفاعل الحضوري مع قادتهم، بزيادة قدرها 78% منذ عام 2021.

غير أن الذكاء العاطفي لا يقتصر على القرب الجسدي، بل يتطلب مشاركة حقيقية. فالموظفون لا يريدون لقاءات عامة مُعدّة سلفاً أو زيارات سريعة من القادة. إنهم يبحثون عن قادة فضوليين وصريحين، يشرحون “لماذا” وراء القرارات الصعبة، ويطلبون آراء الموظفين بصدق. ويمكن للمؤسسات ترسيخ هذه القيم عبر إدماج الذكاء العاطفي في قرارات الترقية، وتشجيع جميع المديرين على تحسين التواصل وإظهار الاهتمام.

4. الاستلهام من مديري الأسواق الناشئة

يُظهر الموظفون في الاقتصادات الناشئة رضا أعلى بكثير عن القيادات العليا: 67% مقابل 52% في الأسواق المتقدمة. كما يشعرون بارتباط أقوى بشركاتهم، وهم أكثر اقتناعاً بأن الإدارة تتخذ قرارات تخدم القوى العاملة بأكملها. ويقول نحو ثلاثة أرباعهم إن شركاتهم تقدّر آراءهم وتسعى لمشاركتهم في القضايا المهمة، بفارق 18 نقطة لصالح هذه الأسواق.

ورغم استفادة بعض هذه البيئات من زخم النمو السريع أو من مستويات أعلى من الثقة المؤسسية عموماً، فإن أفضل القادة في الأسواق الناشئة يتميّزون بالتواصل المتكرر، والوضوح في اتجاه الشركة، والاستثمار الواضح في مستقبل الموظفين. ويمكن للشركات العالمية أن تنظر إلى هذه الأسواق ليس فقط كمحرّك للنمو، بل كمصدر محتمل لتصدير استراتيجيات قيادية ناجحة.

5. إتقان القيادة القائمة على الثقة في عصر الذكاء الاصطناعي

تعمل الثقة داخل المؤسسات مثل الطاقة: تُولَّد، وتُستنزف، وتُجدَّد من خلال ما يفعله القادة يومياً. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت فجوات الثقة تحدياً حاسماً لا يستطيع معالجته سوى البشر. وهذا يتطلب ما يمكن تسميته بـ“مفاعلات الثقة”: أنظمة قيادية مصمّمة عمداً لتوليد الثقة على نطاق واسع. ويعني ذلك قادة قريبين من الصفوف الأمامية، يتواصلون بصدق وانفتاح، ويدعون إلى النقاش وتعدّد وجهات النظر في وقت مبكر، ويفون بوعودهم حتى عندما يكون ذلك غير مريح.

يمكن للآلات تحسين كفاءة العمل، لكن سدّ فجوات الثقة قدرة إنسانية خالصة. والقادة الذين سينجحون في المستقبل ليسوا أولئك الذين يمتلكون أفضل الخوارزميات، بل من يحدّثون نماذج قيادتهم ويضعون الثقة في صميم كل ما يقومون به.

المصدر

مقالات ذات صلة