ملخص: تناقش هذه المقالة كيف أن أداء الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على قدراته التقنية بقدر ما يعتمد على طريقة تفكير البشر وتواصلهم وأساليب قيادتهم، موضحة أن سوء الاستخدام يولد «فوضى عمل» تقلل الإنتاجية رغم المظهر المصقول للمخرجات. وتبيّن أن الفارق الحقيقي تصنعه العقلية الإيجابية، والمهارات الحوارية والإبداعية، والتواصل القيادي الواضح، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تشتيت إلى شريك فعّال يرفع الأداء والابتكار ويخفف الإرهاق داخل المؤسسات.
- شهد الذكاء الاصطناعي تقدماً ملحوظاً عبر مختلف مجالات الأعمال، لكن النتائج غير المتكافئة وازدياد ما يمكن تسميته بـ«فوضى العمل» هما نتيجة مباشرة لاختلاف الطرق التي يستخدم بها الناس هذه التقنية.
- فهناك نوعان رئيسيان من مستخدمي الذكاء الاصطناعي: «الطيّارون» الذين يوظفونه لتوسيع إمكانات عملهم، و«الركّاب» الذين يستخدمونه كطريق مختصر للوصول إلى المنتج النهائي.
- المخرجات السيئة للذكاء الاصطناعي تعيق الإنتاجية. أما تحسين استخدامه فيتأثر بالعقلية والمهارات وطريقة تواصل القيادات. وعندما تُصاغ هذه العناصر بشكل صحيح، يمكن للفرق أن تحسّن إنتاجيتها وأداءها وقدرتها على الابتكار، مع تقليص مستويات الإرهاق.
كان من المفترض أن يجعلنا الذكاء الاصطناعي أسرع، وقد فعل ذلك بالفعل من نواحٍ كثيرة. فوفقاً لتقرير جديد صادر عن كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، ترى العديد من الشركات اليوم مكاسب في الإنتاجية والأداء. إلا أن هذه المكاسب لا تزال غير متساوية بين الفرق والقطاعات، وهو ما يعكس ليس ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل كيف يستخدمه الناس بطرق مختلفة.
يتساءل كثير من القادة عن العائد الحقيقي. فالدراسات نفسها التي تشيد بوعود الذكاء الاصطناعي تكشف أيضاً أن الأثر القابل للقياس غير متسق. وتشير أبحاثنا إلى سبب متزايد لهذا التناقض: «فوضى العمل»، أي مخرجات مصقولة شكلياً لكنها فارغة من المضمون، تبدو مكتملة لكنها تفتقر إلى العمق أو السياق أو الدقة.
في مؤسسة تضم 10 آلاف موظف، يتراكم هذا العمل التصحيحي بسرعة. فقضاء نحو ساعتين يومياً في إصلاح مخرجات ذكاء اصطناعي غير مفيدة يعادل خسارة تقارب 9 ملايين دولار سنوياً في الإنتاجية.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في العادات والسلوكيات التي نحملها معنا عند استخدامها. فبحسب أبحاث BetterUp، يتفاعل الموظفون المدرَّبون على المهارات العلائقية مثل الاستماع وطرح الأسئلة وتقديم السياق بنسبة أعلى تصل إلى 30% مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وينتجون عملاً أعلى جودة.
أصبحت الإنتاجية اليوم رهينة جودة الحوار بين البشر، وبين البشر والآلات. وهناك ثلاث قوى تشكّل هذا الحوار: العقلية، والمهارات، وتواصل القيادة. مجتمعة، هي التي تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي ميزة حقيقية أم مجرد عامل تشتيت.
العقلية مهمة: الطيّارون مقابل الركّاب
تكشف أبحاثنا عن عقليتين واضحتين.
«الطيّارون» يتمتعون بدرجة عالية من الشعور بالقدرة والتفاؤل، ويستخدمون الذكاء الاصطناعي بوعي لتوسيع الإبداع والرؤية. وهم يتعاملون مع كل تفاعل، سواء مع الزملاء أو مع الآلات، باعتباره جزءاً من العمل نفسه، لا وسيلة للالتفاف عليه.
أما «الركّاب» فيسجلون مستويات أقل في كلا الجانبين، ويميلون إلى التشاؤم والخوف، ويعتمدون على الذكاء الاصطناعي كطريق مختصر أو يتجنبونه تماماً.
يمنح الشعور بالقدرة والتفاؤل الناس الثقة للتعامل مع التغيير. وعندما يتلاشى هذان العاملان، يضعف الحوار. يتوقف الناس عن طرح الأسئلة، وعن السعي إلى الوضوح، ويبدأون في ترك التفكير للأنظمة الآلية. عندها تختفي التفاعلات النقدية التي تجعل الذكاء الاصطناعي مفيداً فعلاً.
يتعامل الطيّارون مع الحوار، سواء مع الزملاء أو مع الذكاء الاصطناعي، كجزء أساسي من العمل. هذا الفارق البسيط يفسر جانباً كبيراً من فجوة الأداء بين الفرق، ويقودنا إلى العامل التالي الذي يشكّل الحوار: المهارات.
المهارات: الحوار والإبداع كمحرّكات للإنتاجية
في إحدى دراسات BetterUp Labs حول الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبيّن أن الأشخاص الذين تلقوا تدريباً على المهارات العلائقية مثل طرح أسئلة أفضل، وتقديم السياق، ونقد الإجابات، تفاعلوا بشكل أكثر فاعلية مع الذكاء الاصطناعي، وحققوا جودة أعلى في أعمالهم.
عندما يُعامَل الذكاء الاصطناعي كشريك، يظهر التحسن فوراً. تخيّل مديرة تسويق تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل ملاحظات العملاء لحملة عالمية. يبدو الملخص أنيقاً، لكنه يغفل ملاحظة أساسية: العملاء يثقون بالعلامة التجارية لكنهم يشككون في قدرتها على التنفيذ.
تطلب من الذكاء الاصطناعي عرض التعليقات الأصلية، وتحديد مواطن الشك، وإعادة صياغة القصة من منظور العميل. النسخة التالية تلتقط التوتر والحقيقة معاً.
هذا النوع من التواصل الشجاع، الذي يكشف الافتراضات ويسمّي حالة عدم اليقين، يبني الجودة والثقة. فالمستخدمون الأكثر إنتاجية لا يقبلون أول فكرة تبدو جيدة شكلياً، بل يدفعون الأداة للتفكير معهم.
هذه ليست مهارات تقنية، بل مهارات إنسانية بامتياز. فالسلوكيات نفسها التي تعزز التعاون بين البشر تجعل الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة إلى حد كبير.
تواصل القيادة: المضاعف البشري
يحدد القادة نبرة استخدام الفرق للذكاء الاصطناعي ومدى سرعة تبنيه.
تُظهر أبحاثنا أن فرض استخدام الذكاء الاصطناعي يزيد احتمال تبني عقلية «الطيّار» بستة أضعاف. لكن عندما يكون الموظفون راضين عن تواصل القيادة الذي يربط استخدام الذكاء الاصطناعي بالغاية وبالثقة، ترتفع هذه الاحتمالية إلى 21 ضعفاً.
غير أن الغاية وحدها لا تكفي. فالتواصل التشاركي لا يقل أهمية. عندما يدعو القادة إلى طرح الأسئلة، ويظهرون عدم اليقين، ويتفاعلون مع ملاحظات الموظفين، فإنهم يخلقون الوضوح والثقة اللذين يقللان من فوضى العمل.
عندما يفهم الناس كيف ينسجم الذكاء الاصطناعي مع أدوارهم، ومتى يعتمدون عليه، ومتى يطبقون حكمهم المهني، يصبح العمل أوضح وأسرع وأكثر صلة بالواقع.
التواصل القيادي الواعي يحوّل الامتثال إلى تعاون، والقلق إلى شعور بالقدرة، ويحسن بشكل مباشر التفاؤل ونتائج استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسة.
من فوضى العمل إلى ذروة الأداء
من دون العناصر الإنسانية المتمثلة في العقلية والمهارات والتواصل، يضاعف الذكاء الاصطناعي العمل المتوسط. تبدأ المشكلة بالتكنولوجيا لكنها تنتشر عبر الثقافة التنظيمية. فرق مثقلة بالأعباء، وتوجيهات جامدة، وتواصل غير واضح حول الذكاء الاصطناعي، كلها تخلق عبئاً على الإنتاجية لا يمكن لأي قدر من الأتمتة أن يعالجه.
فوضى العمل ليست سوى عَرَض. أما المشكلة الحقيقية فهي افتقار الفرق إلى القدرات الإنسانية اللازمة للعمل بفعالية في عالم معزز بالذكاء الاصطناعي. المستقبل سيكون من نصيب المؤسسات التي تعزز ما لا تستطيع التكنولوجيا استبداله.
تُظهر أبحاثنا أن التطوير المستدام لهذه القدرات الإنسانية يمكن أن يرفع أداء الفرق بنسبة 50%، ويزيد الابتكار بنسبة 90%، ويحسن الإنتاجية بنسبة 15%، ويخفض الإرهاق إلى النصف. هذه المكاسب لا تأتي من خوارزميات أفضل، بل من الاستثمار في التحول الإنساني عبر ثلاث مسارات رئيسية:
أولاً: إعادة شحن القوى العاملة بعقليات جوهرية، وهي الشعور بالقدرة والتفاؤل
لتحقيق ذلك، على القيادات العليا أن:
تجعل عقلية «الطيّار» معياراً قيادياً، من خلال أن يكون المديرون قدوة في الفضول والثقة والاستخدام الشفاف للذكاء الاصطناعي.
تبني وضوح الغاية، عبر ربط مبادرات الذكاء الاصطناعي بأسبابها وأهدافها، وشرح كيف تخدم أهداف الشركة ونمو الأفراد.
تدمج تطوير العقلية في أنظمة الأداء، من خلال جلسات توجيه أو تأمل قصيرة تناقش التفاؤل والثقة، لا المؤشرات والنتائج فقط.
ثانياً: إعادة تأهيل الفرق بالمهارات العلائقية والإبداعية التي تجعل الذكاء الاصطناعي التوليدي فعالاً
ويشمل ذلك:
تنمية التواصل الشجاع، بتعليم الموظفين كيفية التساؤل والتوضيح ونقد مخرجات الذكاء الاصطناعي.
جعل الإبداع ممارسة منظمة، عبر إتاحة المجال للتجربة وإعادة المزج والتكرار مع الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بأول فكرة مقبولة.
اعتبار التواصل مؤشراً للأداء، من خلال تقييم كيفية تقديم الفرق للتغذية الراجعة ومشاركة المنطق والتشارك في الإبداع، سواء مع البشر أو مع الذكاء الاصطناعي.
ثالثاً: إعادة تصميم الأنظمة بحيث يصبح الحوار والتوجيه جزءاً من الأداء اليومي
ويمكن للقادة:
دمج الحوار في سير العمل، عبر إعادة تصميم الاجتماعات لتشمل لحظات تعلم أو تبادل آراء أو جولات تأمل قبل القرارات الكبرى.
إدخال التوجيه في إيقاع الإدارة، من خلال تمكين المديرين من إجراء جلسات توجيه سريعة تركز على العقلية والتواصل، لا الأرقام فقط.
وضع معايير واضحة للتعاون الهجين، وتحديد ما يعنيه العمل الجيد بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ومتى تتم الأتمتة، ومتى يتطلب الأمر حكماً بشرياً، وكيف يُتشارك السياق والرؤية بين العمل الرقمي والحضوري.
القادة الذين يتحركون اليوم سيحوّلون الإمكانات إلى أداء حقيقي. فالمستقبل سيكون من نصيب الفرق التي تتعلم كيف تفكر معاً، في عالم أصبح فيه الشركاء حتماً من البشر والآلات معاً.
