ملخص: تناقش هذه المقالة كيف أصبحت ريادة الأعمال الاجتماعية نموذجًا عمليًا وواعدًا لتعويض تراجع التمويل التنموي العالمي، من خلال الجمع بين الربحية والأثر الاجتماعي والبيئي، وتوضّح كيف تسهم المشاريع الاجتماعية في تعزيز صمود الشركات، تحسين الخدمات الحكومية، وتوسيع التعاون الجماعي، مؤكدة أن مستقبل الازدهار في عالم متحوّل يعتمد على نماذج أعمال هادفة قادرة على تحقيق النمو والاستدامة والعدالة في آن واحد.
- يشهد العالم اليوم تحوّلات عميقة في أنماط النمو والتمويل والتنمية.
- فبحسب التقديرات، من المتوقع أن ينخفض تمويل التنمية من أكبر الدول المانحة بمقدار 67 مليار دولار بين عامي 2023 و2026، أي ما يقارب ثلث مستوياته الحالية.
- في هذا السياق، تبرز ريادة الأعمال الاجتماعية كنموذج واعد للتخفيف من آثار هذا التراجع، بل وتقديم بدائل أكثر استدامة وفعالية.
- وفي عالم يعيش مرحلة انتقالية، تمثل المشاريع الاجتماعية بصيص أمل حقيقي.
في بنغلاديش، قامت مؤسسة «دِرينكويل» الاجتماعية بتركيب أكثر من 370 جهازًا لما يُعرف بـ«أجهزة المياه الآلية»، وفّرت من خلالها مياه شرب آمنة وبأسعار ميسورة لأكثر من ثلاثة ملايين شخص كانوا يفتقرون إلى هذا الحق الأساسي. وأسهم هذا النموذج في خلق مئات فرص العمل الكريمة، العديد منها للنساء، ليجسد مقاربة جديدة وهادفة للأعمال. وباعتبارها واحدة من 21 مبتكرًا اجتماعيًا ورياديًا تم تكريمهم ضمن جوائز مؤسسة شواب لعام 2026، تمثل «دِرينكويل» حركة أوسع من الشركات التي تعيد تعريف الأسواق لخدمة الصالح العام في وقت تتعرض فيه الأساليب التقليدية لضغوط متزايدة.
في الوقت الذي يعيد فيه النمو القائم على التكنولوجيا تشكيل الاقتصاد العالمي، يتراجع الدعم الإنمائي بشكل حاد. فالتحولات الجيوسياسية، إلى جانب الانتقالين الرقمي والطاقي النظيف، تفرض البحث عن حلول بديلة، لا سيما للفئات الأكثر عرضة للتهميش. وهنا تبرز نماذج الأعمال القائمة على الأثر، مثل نموذج «دِرينكويل»، كمصدر إلهام للقطاعين العام والخاص، حيث تُظهر قدرة على الابتكار والكفاءة، ومسارًا واضحًا للجمع بين النمو الاقتصادي والأثر الاجتماعي.
تجمع المشاريع الاجتماعية بين تحقيق الأرباح المالية وإحداث أثر إيجابي على المجتمع والبيئة، من خلال مزج انضباط السوق برسالة إنسانية. وفي ثورة هادئة، أصبحت هذه المشاريع أكثر انتشارًا من أي وقت مضى. إذ يُقدّر عددها اليوم بنحو 10 ملايين مشروع اجتماعي حول العالم، توفّر قرابة 200 مليون وظيفة، وتحقق إيرادات سنوية تصل إلى 2 تريليون دولار، أي أكثر من حجم صناعة الأزياء العالمية. وفي أفريقيا وحدها، يوجد أكثر من مليوني مشروع اجتماعي، توفّر نحو 12 مليون وظيفة وتسهم بنحو 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة.
ويقود رواد هذه المشاريع نمطًا جديدًا من التفكير الاقتصادي أكثر شمولًا واستدامة. فعلى سبيل المثال، تقود النساء أكثر من نصف مشاريع الأثر في أفريقيا، بينما يدير الشباب أكثر من ثلثها.
تفتح هذه المشاريع آفاقًا جديدة ومستدامة للأسواق، وتخلق فرصًا للعمل الجماعي بثلاث طرق رئيسية:
أولًا، تعزيز قدرة الشركات الكبرى على الصمود من خلال الشراء الاجتماعي.
ثانيًا، تمكين الحكومات من تقديم خدمات أفضل لمواطنيها.
ثالثًا، تسهيل التعاون بين مختلف الفاعلين.
أصبحت سلاسل التوريد العالمية أكثر عرضة للصدمات الاجتماعية والبيئية. فقد أظهر تحليل أجرته مؤسسة شواب بالشراكة مع شركة التكنولوجيا النمساوية «بريويف»، شمل أكثر من 150 ألف حدث في سلاسل التوريد العالمية بين عامي 2023 و2024، ارتفاعًا حادًا في التحديات الاجتماعية. وشكّلت الاحتجاجات والإضرابات المرتبطة بسبل العيش وظروف العمل نحو خُمس هذه الحالات، لتصبح ثاني أكبر تحدٍ بعد النزاعات القانونية. كما تؤدي الظواهر المناخية المتطرفة المتزايدة إلى اضطرابات متكررة في سلاسل التوريد. وفي هذا السياق، يصبح الشراء من المشاريع الاجتماعية التي تضع مصلحة المجتمعات المحلية وبيئاتها في صلب عملها أمرًا أساسيًا لتعزيز الصمود على المدى الطويل.
ويُعرف شراء السلع والخدمات من المشاريع الاجتماعية باسم «الشراء الاجتماعي»، وهو أداة قادرة على إحداث تحول جذري في وتيرة وحجم التغيير داخل الشركات. ففي الوقت الذي تنفق فيه شركات مؤشر فايننشال تايمز 100 ما معدله 12 مليون دولار سنويًا على برامج المسؤولية الاجتماعية، فإن التحول إلى الشراء الاجتماعي يمكن أن يفعّل ميزانيات الشراء السنوية التي تبلغ في المتوسط نحو 5 مليارات دولار لخدمة الصالح العام. كما أن ثلثي الأثر الاجتماعي والبيئي الإيجابي أو السلبي لأي شركة يأتي من سلسلة التوريد الخاصة بها.
تشير 55% من الشركات التي تعتمد هذا النهج إلى فوائد إضافية، مثل تعزيز الامتثال في ظل تشدد الأطر التنظيمية، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تحسين السمعة المؤسسية وجذب المواهب والاحتفاظ بها، مع تزايد اهتمام المستهلكين والموظفين بالممارسات الأخلاقية والمستدامة.
وتُعد علامة الأحذية الفرنسية «فيجا» مثالًا بارزًا على ذلك، إذ تعتمد في منتجاتها على القطن العضوي والزراعة الإيكولوجية من البرازيل وبيرو، والمطاط الطبيعي من الأمازون، والبلاستيك المعاد تدويره من جامعي النفايات في البرازيل. ومنذ عام 2004، نجحت الشركة في بناء قاعدة جماهيرية واسعة وباعت أكثر من 14 مليون زوج من الأحذية، مؤكدة أن الالتزام الأخلاقي لا يتعارض مع الجدوى المالية.
وفي بعض الدول، تسهم المشاريع الاجتماعية في دعم الحكومات لتقديم خدمات أفضل. ففي إثيوبيا، تقدم «تيبيتا للإسعاف» خدمات مكملة للبنية الطبية القائمة، من خلال الرعاية ما قبل المستشفى، ونقل المرضى، والتدريب على الإسعافات الأولية، وقد استجابت حتى الآن لأكثر من 100 ألف طلب إسعاف.
كما تتبنى بعض الحكومات الابتكار الاجتماعي بشكل مباشر. ففي تشيلي، تعمل «مختبرات الحكومة» كوحدة وطنية للابتكار في الخدمات العامة، وتركّز على تحسين الوصول إلى الصحة والتعليم عبر ترسيخ الابتكار والتصميم المرتكز على الإنسان والتعاون بين الجهات الحكومية. ومن بين مبادراتها «مدرسة الابتكار العام» التي دربت أكثر من 45 ألف موظف حكومي على إعادة التفكير في الخدمات العامة من منظور ريادة الأعمال الاجتماعية.
ولا يمكن لأي جهة واحدة أن تحل تحديات اليوم بمفردها، إذ يتطلب التغيير المنهجي تعاونًا واسع النطاق. وفي هذا الإطار، يجسّد المبتكرون الاجتماعيون شعار الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي «روح الحوار»، من خلال إظهار كيفية العمل المشترك ضمن ثقافة تقوم على التعاون والتماسك بدلًا من المنافسة. وتُعد مشاريعهم أمثلة واقعية على العمل الجماعي الإيجابي الذي يُحدث التغيير الاجتماعي والبيئي المنشود.
وفي كولومبيا، تمثل منظمة «موفيليزاتوريو» نموذجًا لهذا النهج التعاوني، حيث تعزز التعاون بين المواطنين والقطاع الخاص والمؤسسات العامة لدعم المشاركة الديمقراطية والتماسك الاجتماعي. وقد شملت برامجها مبادرات لمواجهة الاستقطاب الاجتماعي قبيل الانتخابات الإقليمية لعام 2023، عبر تطوير أدوات ومنصات وحملات وورش عمل لمواجهة الخطابات الانقسامية.
تُظهر المشاريع الاجتماعية أن الازدهار الاقتصادي لا يجب أن يكون على حساب المجتمع والبيئة. بل إن مستقبل الازدهار مرهون بقدرتنا على العيش ضمن حدود الكوكب، التي نتجاوزها حاليًا بنحو 1.7 مرة، وضمان إدماج الجميع بشكل فعّال في الاقتصاد. ولهذا، تقدم نماذج الأعمال الهادفة طريقًا واعدًا للمضي قدمًا، إذ تساعد الشركات والحكومات على تحقيق الاستقرار والصمود والنمو على المدى الطويل، من خلال تعزيز سلاسل التوريد، وتحسين تقديم الخدمات، وتسهيل التعاون. ومن خلال التعلم من أولئك الذين يجرؤون على الابتكار والتعاون والقيادة بقيم واضحة، يمكننا إحداث أثر إيجابي ودائم في عالمٍ متغيّر، حيث تظل المشاريع الاجتماعية منارة أمل حقيقية.
