ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن التوفيق بين التنافسية والسيادة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي، في ظل تركز سوق الحوسبة السحابية والاستثمارات التقنية لدى عدد محدود من اللاعبين العالميين، وتوضح أن الانتقال من النماذج المركزية الضخمة إلى بنية موزعة وهجينة قائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيلي والمعالجة الطرفية يتيح للدول والشركات استثمار بياناتها المحلية الحساسة، وتعزيز المرونة والأمن والاستدامة، وخلق قيمة اقتصادية أعلى، بما يجعل السيادة الرقمية والتنافسية هدفين متكاملين لا متعارضين.
- يشهد سوق الحوسبة السحابية في أوروبا تركّزاً متزايداً حول عدد محدود من المزوّدين.
- وفي عصر الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، يخلق هذا الواقع توتراً حقيقياً لا بد من معالجته.
- فمن خلال تبنّي بنية موزّعة وهجينة، يمكن للمجتمعات تحقيق قيمة اقتصادية ملموسة مع الحفاظ على سيادتها الرقمية.
لم يعد النقاش الدائر اليوم حول السيادة الرقمية نظرياً. فالتوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل التوريد، وتنامي المخاطر السيبرانية أقنعت الحكومات والشركات بضرورة امتلاك القدرة على التحكم في التقنيات التي يقوم عليها ازدهارها.
لكن الأدوات التي استُخدمت حتى الآن لحماية السيادة الرقمية غالباً ما جاءت بتكلفة عالية. فأنظمة الامتثال تزيد التعقيد والكلفة، وقواعد “الشراء المحلي” قد تحرم المبتكرين من منصات عالمية متقدمة، كما أن الدعم الحكومي السخي لم ينجح في تضييق الفجوة مع قلة من عمالقة التكنولوجيا العالميين.
في سوق الحوسبة السحابية الأوروبية، على سبيل المثال، تراجعت الحصة المجمعة للمزوّدين المحليين من 29% إلى 15% بين عامي 2017 و2024، بينما تستحوذ ثلاث شركات أمريكية عملاقة على نحو 70% من الطلب. وتظهر أنماط مشابهة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تتركز الاستثمارات الكبرى في عدد محدود من مراكز البيانات الضخمة المملوكة لشركات مقرها الولايات المتحدة أو الصين.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يجب أن تكون السيادة والتنافسية دائماً في حالة تعارض، أم أن المرحلة المقبلة من ثورة الذكاء الاصطناعي قادرة على المواءمة بينهما؟ تشير مجموعة متزايدة من الأدلة إلى أن هذا التوافق ممكن.
من النماذج الأحادية إلى الذكاء الموزّع
أطلق الإطلاق العلني لنماذج اللغة الكبيرة في أواخر عام 2022 موجة غير مسبوقة من التجارب. سارعت المؤسسات إلى اختبار تطبيقات توليدية قادرة على كتابة محتوى تسويقي، أو تلخيص الأبحاث، أو تطوير الشيفرات البرمجية. وارتفعت الاستثمارات بشكل هائل، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلثي الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأربع الماضية وُجّه لتدريب نماذج أساسية أكبر فأكبر، ومعظمها في منشآت مركزية فائقة الضخامة.
غير أن النتائج كانت متفاوتة. فقد أظهر استطلاع حديث أن نسبة ضئيلة فقط من مشاريع الذكاء الاصطناعي التجريبية تحقق قيمة تجارية ملموسة. ويعود السبب الرئيسي إلى عامل بنيوي، إذ إن النموذج الأساسي، مهما بلغت درجة تطوره، ليس سوى جزء من منظومة أوسع بكثير. فالبيانات التي تميّز بنكاً أو شركة صناعية أو هيئة صحية عامة هي بيانات مملوكة وموزّعة بطبيعتها، وغالباً ما تخضع لقواعد صارمة تتعلق بالسرية. ولتحرير هذه القيمة، يجب أن يقترب الذكاء الاصطناعي من البيانات، وأن يتكيّف مع السياق المحلي، وأن يعمل بشكل مستقل ضمن ضوابط واضحة.
ويطلق التقنيون على هذه المرحلة التالية اسم “الذكاء الاصطناعي الوكيلي”. فبدلاً من نموذج واحد ضخم يجيب على أوامر نصية في السحابة، ستتعاون شبكة من الوكلاء المتخصصين، يتعلمون من بعضهم البعض، ويتخذون قرارات آنية عند الحاجة على مستوى الحافة، مثل أرضيات المصانع، أو داخل المركبات، أو ضمن محيطات الأمن الوطني. وباختصار، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى تطبيق هجين متعدد الطبقات، حيث يعزز التدريب المركزي والاستدلال المحلي بعضهما باستمرار.
ثلاثة أسباب تغيّر معادلة السيادة
ليست البنية الموزّعة حتمية تقنية فحسب، بل إنها تعيد تشكيل الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية أيضاً، وذلك لثلاث خصائص حاسمة.
أولاً، تعتمد المهام الأعلى قيمة على بيانات محلية وحساسة في كثير من الأحيان. لذا يجري الضبط الدقيق والاستدلال في بيئات يسيطر عليها مالك البيانات، مثل مراكز بيانات الشركات، أو الحرم الجامعي للمستشفيات، أو مراكز بيانات مصغّرة داخل المصانع. ويقلل هذا الترتيب من الاعتماد الأحادي، ويتيح للمؤسسات تطبيق معاييرها الخاصة للأمن والخصوصية والامتثال.
ثانياً، تلعب سرعة الاستجابة دوراً حاسماً. فالروبوتات الذاتية، أو الشبكات الذكية، أو أنظمة التداول الخوارزمية لا تستطيع انتظار استجابة مركز بيانات بعيد. إن المعالجة على مستوى الحافة تحسن الأداء والمرونة، وتخلق طلباً على بنية تحتية إقليمية واتصال متخصص.
ثالثاً، تفرض اعتبارات استهلاك الطاقة والاستدامة إعادة التفكير في فلسفة “الأكبر هو الأفضل”. فالتجمعات عالية الكثافة للذكاء الاصطناعي تتطلب كميات هائلة من الكهرباء وتنتج حرارة مهدورة كبيرة. أما إنشاء مرافق أصغر في مواقع تتوافر فيها طاقة منخفضة الكربون، ويمكن فيها إعادة استخدام الحرارة، فيسهم في خفض الانبعاثات والتكاليف التشغيلية.
وينتج عن ذلك سلسلة قيمة للذكاء الاصطناعي تؤدي فيها جهات ومناطق، بل وحتى مدن بعينها، أدواراً متميزة لكنها مترابطة وقابلة للتكامل:
مواقع فائقة الضخامة تركز على تدريب النماذج الكبيرة جداً.
مراكز إقليمية أو قطاعية تتولى الضبط الدقيق باستخدام بيانات مملوكة.
عقد طرفية مدمجة في المصانع والمركبات وشبكات الاتصالات تنفذ الاستدلال الآني وتستضيف الوكلاء الذاتيين.
شبكات عالية الأداء وآمنة تمثل الجهاز العصبي لهذا النظام، وتربط بين طبقاته لضمان عودة المعارف الجديدة إلى عملية إعادة التدريب.
وبما أن الإسهام ممكن في كل طبقة، تستطيع الدول والشركات التخصص وفق ميزاتها النسبية، سواء كانت وفرة في الطاقة المتجددة، أو بيانات صناعية متقدمة، أو أنظمة رعاية صحية قوية، أو أطر تنظيمية متينة للبيانات الحساسة. وهكذا تصبح التنافسية والسيادة هدفين متكاملين لا متعارضين.
ماذا يعني ذلك لصنّاع القرار
بالنسبة لقادة الأعمال، الرسالة واضحة: موجة القيمة المقبلة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي ستعتمد أقل على امتلاك كيان واحد ضخم، وأكثر على تنسيق منظومة مترابطة. وستتحقق الميزة التنافسية للشركات التي تحدد أصول بياناتها الفريدة، وتنشر أو تشارك في بنى تحتية محلية حيثما تكون الحاجة، وتتصل بسلاسة مع مزودي النماذج العالمية حيثما لا تكون.
أما بالنسبة للحكومات، فالأولوية تكمن في رعاية منظومة تمكّن اللاعبين المحليين من الإسهام بعقد أساسية، سواء في مراكز بيانات موفرة للطاقة، أو في ضبط نماذج متخصصة، أو في نشر الذكاء الاصطناعي على مستوى الحافة، من دون محاولة تكرار كل مكونات المنظومة التقنية. يعزز هذا النهج المرونة، ويدعم الصناعة المحلية، ويتماشى مع الالتزامات المناخية.
إن ثورة الذكاء الاصطناعي لم تدخل سوى فصلها الثاني. ومن خلال تبنّي بنية موزّعة وهجينة، تستطيع المجتمعات تحقيق قيمة اقتصادية أكبر بكثير، مع تقليص الاعتماد الاستراتيجي في الوقت نفسه. وبذلك نقترب من عالم تصبح فيه السيادة الرقمية والتنافسية العالمية وجهين لهدف واحد مشترك.
