القائمة الرئيسية

مخاطر الأمس، واقع اليوم: تشظّي النظام المالي العالمي

مخاطر الأمس، واقع اليوم: تشظّي النظام المالي العالمي
ملخص المقال

لقد قوّضت أحداث عام 2025 فكرة وجود مجتمع عالمي متوافق. فقد شرعت الولايات المتحدة في إعادة صياغة شاملة لنظام التجارة العالمي. واختارت شركات صينية كبرى شطب إدراجها من البورصات الأميركية بدل الامتثال لمتطلبات الإفصاح الأميركية الأكثر تشددًا. كما أصدرت الهند اللوائح النهائية لقانون حماية البيانات الشخصية الرقمية، وهي لوائح يُتوقع أن تزيد التكاليف التشغيلية على الشركات الأجنبية وتُسهم في تشظّي تدفقات البيانات العالمية. وهذه أمثلة قليلة ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها قوى كبرى وأسهمت في تفكك النظام المالي.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة تحوّل النظام المالي العالمي من إطار متعدد الأطراف إلى مشهد أكثر تشظّيًا تحكمه المصالح الوطنية، مبرزة كيف كشفت أحداث عام 2025 عن تصاعد استخدام السياسات المالية والتجارية كأدوات نفوذ جيوسياسي، وما يحمله ذلك من مخاطر على التجارة العابرة للحدود والاستقرار المالي وتكلفة التمويل للأفراد والشركات، وفي الوقت نفسه تشير إلى أن مرونة الاقتصادات وسلاسل الإمداد والدعوة إلى وضع ضوابط عقلانية لاستخدام هذا النفوذ قد تفتح مجالًا لتقليل الأضرار والحفاظ على فرص النمو في عالم يزداد انقسامًا.

  • هناك مؤشرات واضحة على أن التمويل العالمي سيواصل الابتعاد عن النظام المتعدد الأطراف، متجهًا نحو نموذج تُحرّكه المصالح الوطنية في صنع السياسات.
  • وإذا لم يُكبح هذا الاتجاه، فقد يؤدي التشظّي إلى إضعاف قدرة المؤسسات المالية على الوساطة بكفاءة وتنويع المخاطر، ما قد يرفع من مخاطر الائتمان والعملات.
  • وتعمل مبادرة «التعامل مع تشظّي النظام المالي العالمي» على إعداد تقديرات مُحدّثة للتكلفة المحتملة لهذا التشظّي.

تواجه جميع الشركات ذات العمليات الدولية اليوم بيئة أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في مطلع عام 2025، نتيجة تصاعد تشظّي النظام المالي العالمي.

لقد قوّضت أحداث عام 2025 فكرة وجود مجتمع عالمي متوافق. فقد شرعت الولايات المتحدة في إعادة صياغة شاملة لنظام التجارة العالمي. واختارت شركات صينية كبرى شطب إدراجها من البورصات الأميركية بدل الامتثال لمتطلبات الإفصاح الأميركية الأكثر تشددًا. كما أصدرت الهند اللوائح النهائية لقانون حماية البيانات الشخصية الرقمية، وهي لوائح يُتوقع أن تزيد التكاليف التشغيلية على الشركات الأجنبية وتُسهم في تشظّي تدفقات البيانات العالمية. وهذه أمثلة قليلة ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها قوى كبرى وأسهمت في تفكك النظام المالي.

لكن هل تعكس هذه التطورات موجة عابرة من الحمائية، أم تشير إلى تحوّل أعمق في التجارة العالمية والجغرافيا السياسية؟

تشير تحليلات المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع «أوليفر وايمان»، إلى أن صانعي السياسات وقادة القطاع الخاص بحاجة إلى الاستعداد لاحتمال أن يكون هذا التحوّل دائمًا. فخلال السنوات القليلة المقبلة على الأقل، تتوافر دلائل قوية على أن التمويل العالمي سيبتعد بشكل حاسم عن النظام المتعدد الأطراف، متجهًا نحو عالم تقوده المصالح الوطنية، حيث تحل الإجراءات الأحادية محل الحوكمة القائمة على القواعد.

أحداث حديثة تعكس اتجاهات أوسع تُعيد تشكيل الأنظمة المالية العالمية

قد يكون العام الماضي قد شهد تسارعًا في تفكك النظام المالي العالمي، إلا أن الاتجاه نحو توظيف النظام المالي لتحقيق أهداف السياسة الخارجية والداخلية يعود إلى عقود مضت، وقد اشتدّ بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وفي تقرير صدر في يناير 2025، قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع «أوليفر وايمان» أن التكلفة المحتملة لتجزؤ النظام المالي العالمي قد تتراوح بين 0.6 و5.7 تريليونات دولار. وقد تأكدت إلى حد كبير تنبؤات التقرير، غير أن بعض الافتراضات، مثل استمرار التجارة الحرة والمفتوحة بين الحلفاء في الغرب، قلّلت من تقدير نطاق التشظّي المحتمل.

وخلال العام الماضي، سعت قوى كبرى إلى تحقيق أهداف أمنية وتعزيز المرونة بطرق أضرّت بالحفاظ على نظام تجارة حرة متعدد الأطراف. كما وسّعت تعريف القطاعات الاستراتيجية ليشمل أشباه الموصلات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وفرضت قيودًا على التجارة والاستثمار على الحلفاء والخصوم على حد سواء لتعزيز الإنتاج المحلي.

وقد تفاعل القطاع الخاص بالمثل. إذ أعطت الشركات حول العالم أولوية للمرونة عبر نقل سلاسل الإمداد إلى الداخل أو إلى دول متوافقة جيوسياسيًا، ودعمت البنوك هذه الجهود بمبادرات استثمارية. وأعادت الشركات هيكلتها للاستفادة من الدعم الحكومي وتقليل التعرض للاضطرابات الجيوسياسية، كما فعلت شركات رأس المال المغامر عندما فصلت أنشطتها في الصين عن كياناتها العالمية. ومع استمرار هذه العملية، ستتوسع القواعد المستفيدة من السياسات التقييدية، ما يعزّز تبنّي هذا التوجه الانعزالي من قبل القادة السياسيين.

اتجاهات مرجّح استمرارها وتأثيرها في الاقتصاد العالمي

تشير أحداث عام 2025 إلى قوى أوسع نطاقًا، يسهم كل منها في زيادة المخاطر التي تواجه الشركات العاملة عبر الحدود، وكذلك الاقتصاد العالمي عمومًا:

  1. تعرّضت القواعد والمبادئ التي يقوم عليها تماسك النظام المالي العالمي للتحدّي، وفي بعض الحالات من دول كانت من أبرز المدافعين عنها سابقًا. فالنظام المالي السليم الذي يشجع الاستثمار عبر الحدود يعتمد على ركائز تشمل استقلال السياسات المالية والنقدية، وسيادة القانون، وموثوقية البيانات، ومواءمة السياسات المحلية والمتعددة الأطراف واللوائح المالية لدعم الاستقرار. وقد شكّلت أحداث عام 2025، ولا سيما التغييرات الأحادية في السياسات التجارية، تحديًا حادًا لهذه المبادئ.

  2. عودة مخاطر الانقسام الحاد، ما يعزّز الحاجة إلى نمذجة سيناريوهات قصوى مثل فك الارتباط الكامل بين الشرق والغرب. ففي عام 2025، بلغت الرسوم الجمركية الأميركية على الصين ذروتها عند 145%، بينما وصلت الرسوم الصينية على السلع الأميركية إلى 125%. وأدت هذه المعدلات الاستثنائية إلى هبوط حاد في التجارة قبل أن يتراجع الطرفان عن التصعيد. ولو استمر ذلك، لكاد أن يوقف التجارة بين البلدين تمامًا وربما دفعهما إلى «تحفيز» الدول المحايدة على اختيار أحد الجانبين. ورغم تراجع التوترات، تبقى أهمية فهم تكلفة السيناريوهات القصوى قائمة.

  3. من المرجح أن تصبح القيود داخل المعسكر الغربي سمة دائمة للنظام التجاري العالمي. ففي عام 2025، فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية على الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وسائر حلفائها الجيوسياسيين. وقد اختارت هذه الدول في الغالب عدم الرد بالمثل، لكنها أعدّت حزمًا انتقامية تحسبًا لأي تصعيد إضافي. ولا يتوقع الخبراء عودة الولايات المتحدة إلى نظام الرسوم الصفرية.

  4. سيتحوّل مشهد العملات العالمي إلى تعددية متزايدة. فرغم استمرار هيمنة الدولار الأميركي، ستسعى الدول إلى تنويع مزيج العملات المستخدمة في تسوية المعاملات العابرة للحدود، خاصة عندما لا تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها. ويتجلى ذلك بالفعل في التجارة بين الصين وأفريقيا. كما سيُعقّد التمويل الرقمي، بما في ذلك العملات المستقرة والعملات الرقمية للبنوك المركزية، هذا المشهد، إذ قد يعزّز استخدام الدولار من جهة، ويقلّل في الوقت نفسه من قدرة الولايات المتحدة على الإشراف على المدفوعات العابرة للحدود من جهة أخرى.

آفاق الاقتصاد العالمي في عالم أكثر تشظّيًا

سيكون العام المقبل مليئًا بالتحديات أمام الشركات والجمهور، مع ارتفاع مخاطر الانتقام الاقتصادي والصراع، ما يزيد من أهمية فهم مواطن الضعف في الاقتصاد العالمي. وإذا لم يُكبح التشظّي المستمر، فقد يضعف قدرة المؤسسات المالية على الوساطة بكفاءة، ما يرفع مخاطر الائتمان والعملات وحالات الإعسار، وقد ينعكس ذلك على الأفراد عبر زيادة تكلفة التمويل لبدء مشروع أو شراء سيارة أو منزل.

ولهذا، تعمل مبادرة «التعامل مع تشظّي النظام المالي العالمي» على إعداد تقديرات مُنقّحة للتكلفة المحتملة للتشظّي، تأخذ في الحسبان تصاعد استخدام أدوات «الاقتصاد كوسيلة للنفوذ السياسي». وقد أوضحت تطورات العام الماضي ضرورة تحديث الافتراضات حول كيفية تطور هذا التصعيد، لإرساء خط أساس جديد لتقدير الأثر المحتمل.

ومع ذلك، ثمة أسباب تدعو إلى التفاؤل. فعلى المدى القريب، لم تكن صدمات عام 2025 مدمّرة للاقتصاد العالمي بالقدر الذي كان يُخشى، لأسباب عدة. إذ طُبّقت السياسات التقييدية جزئيًا أو مؤقتًا في كثير من الحالات، واختار قادة دول عديدة خضعت للرسوم عدم الردّ في كل مرة. كما أثبتت الشركات والدول قدرًا أكبر من المرونة، جزئيًا بفضل التغييرات التي أُجريت على سلاسل الإمداد في أعقاب جائحة كوفيد-19. ولجأت بعض الدول أيضًا إلى حوافز إضافية للتخفيف من أثر السياسات التجارية.

وتُظهر التكلفة المحتملة للتصعيد أنه لا يزال من الضروري التوافق على ضوابط معقولة لاستخدام أدوات النفوذ الاقتصادي. وبينما يواصل صانعو السياسات السعي إلى تحقيق أهداف الأمن القومي وتعزيز المرونة، يمكن توظيف هذه الضوابط لتجنّب إلحاق ضرر غير مبرر بالاقتصاد العالمي والنمو.

المصدر

مقالات ذات صلة