القائمة الرئيسية

عودة الجيو-اقتصاد: كيف تعيد السياسة رسم مسار النمو العالمي

عودة الجيو-اقتصاد: كيف تعيد السياسة رسم مسار النمو العالمي
ملخص المقال

بعد الحرب العالمية الثانية، حين نُشر أول كتاب لهيرشمان، أصبح هذا الموضوع غير رائج. ففي عصر بريتون وودز، كان التركيز منصبًا على التعاون الاقتصادي لا على المنافسة القاسية من أجل تحقيق النمو، على الأقل بين الحلفاء الغربيين. ومع انطلاق الثورة الاقتصادية النيوليبرالية في ثمانينيات القرن الماضي، تبنّى الاقتصاديون فكرة أن الأسواق الحرة يمكن أن تعمل بمعزل عن صراعات القوة السياسية، وأن العولمة قادرة على ربط الاقتصاد العالمي ببعضه البعض.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة عودة الجيو-اقتصاد كقوة محركة للاقتصاد العالمي بعد عقود من هيمنة العولمة والأسواق الحرة، موضحة كيف أصبحت الأدوات الاقتصادية وسيلة مباشرة لتعزيز النفوذ السياسي في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين، وما يرافق ذلك من انتقال نحو منطق المنافسة الصفرية، وتزايد تدخل الدول في الاقتصاد، وازدياد هشاشة الدول الصغيرة أمام الضغوط، إلى جانب تغيّر طبيعة أصحاب المصلحة الذين يجب على الشركات مراعاتهم، مؤكدة أن هذا التحول، وإن كان قد لا يكون دائمًا، يفرض على القادة وصنّاع القرار التكيف مع واقع جديد يهدد النمو إذا لم يُدار بحكمة.

  • كان يُنظر إلى الجيو-اقتصاد في السابق على أنه مفهوم قديم الطراز.
  • لكن اليوم، اشتد التحول نحو الجيو-اقتصاد بشكل واضح، وأصبح هذا التحول معديًا بين الدول.
  • قد لا يدوم هذا التوجه إلى الأبد، لكن على قادة الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات أن يدركوا الواقع الجديد.

خلال العقود الماضية، لم يكن اسم ألبرت هيرشمان حاضرًا بقوة في مقررات الاقتصاد الجامعية. وليس هذا مستغربًا، فذلك الاقتصادي الألماني-اليهودي الذي فرّ إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، ركّز في أبحاثه على كيفية استخدام الدول الكبرى لقوتها السياسية وأدواتها الاقتصادية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين لخوض صراعات جيوسياسية، أي ما يُعرف بالجيو-اقتصاد.

بعد الحرب العالمية الثانية، حين نُشر أول كتاب لهيرشمان، أصبح هذا الموضوع غير رائج. ففي عصر بريتون وودز، كان التركيز منصبًا على التعاون الاقتصادي لا على المنافسة القاسية من أجل تحقيق النمو، على الأقل بين الحلفاء الغربيين. ومع انطلاق الثورة الاقتصادية النيوليبرالية في ثمانينيات القرن الماضي، تبنّى الاقتصاديون فكرة أن الأسواق الحرة يمكن أن تعمل بمعزل عن صراعات القوة السياسية، وأن العولمة قادرة على ربط الاقتصاد العالمي ببعضه البعض.

في تلك الفترة، كان يُنظر إلى الجيو-اقتصاد على أنه مفهوم قديم أو ظاهرة تقتصر في الغالب على الاقتصادات الناشئة، لا الدول المتقدمة. لدرجة أن ورقة صادرة عن صندوق النقد الدولي عام 2019 وصفت السياسة الصناعية بأنها “السياسة التي لا ينبغي ذكر اسمها”.

لكن الزمن تغيّر. فمع إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر 2024، عاد ظل هيرشمان ليخيّم من جديد، إذ بدأت الولايات المتحدة تستخدم التجارة الخارجية وأدوات اقتصادية أخرى بشكل متزايد لتعزيز “قوتها الوطنية”. ولم يعد الاقتصاد يُنظر إليه كساحة منفصلة يمكن عزلها عن السياسة أو التكنولوجيا أو الشؤون العسكرية والثقافية، بل أصبح أداة مباشرة لتعزيز النفوذ السياسي.

ماذا يعني ذلك للنمو؟

يؤكد بعض المسؤولين أن الجيو-اقتصاد لم يختفِ يومًا أصلًا. وهم محقون جزئيًا؛ ففي أثناء الحرب الباردة، استخدمت قوى مهيمنة مثل الولايات المتحدة الأسواق “الحرة” أحيانًا لتعزيز نفوذها، وغالبًا ما تحملت الدول الناشئة ودول الجنوب العالمي تبعات ذلك. كما أن الصين، منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، تصرفت في كثير من الأحيان بطريقة تجارية حمائية.

إلا أن الولاية الثانية لترامب عمّقت هذا التحول الفكري نحو الجيو-اقتصاد، وجعلته أكثر انتشارًا، حيث بدأت دول أخرى بالرد عبر تبني استراتيجيات جيو-اقتصادية مشابهة، تمامًا كما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي.

فما تأثير ذلك على النمو؟ هناك خمس نقاط رئيسية يجب الانتباه إليها:

أولًا: يتزايد الإحساس بالمنافسة الصفرية، أي أننا ننتقل من مرحلة كان فيها التفكير السياسي يركز على الرفاه المطلق (هل أصبحت الدول أكثر ثراءً مما كانت عليه سابقًا) إلى مرحلة تركز على الرفاه النسبي (هل أصبحت الدول أكثر ثراءً مقارنة بمنافسيها).

ثانيًا: في هذا المناخ التنافسي المتصاعد، تبرز أهمية القوة المهيمنة. وبحسب مجموعة من الاقتصاديين المرتبطين بجامعات ستانفورد وكولومبيا وشيكاغو، فإن أحد أفضل الطرق لفهم النظام الجيوسياسي العالمي اليوم هو تحليله من زاوية التنافس على الهيمنة بين الولايات المتحدة والصين.

فالصين تمتلك حاليًا قوة مهيمنة في العديد من القطاعات الصناعية، بفضل سيطرتها على عقد رئيسية في سلاسل الإمداد، مثل المعادن النادرة، وتسعى الولايات المتحدة إلى تحدي هذا النفوذ. في المقابل، تمتلك أمريكا هيمنة مالية بفضل كون الدولار عملة الاحتياط العالمية، وهو ما تسعى الصين بدورها إلى تقويضه. أما الهيمنة التكنولوجية فما تزال محل تنافس. وبما أن أياً من الطرفين لا يبدو قادرًا على إنهاء هيمنة الآخر قريبًا، فإن هذا الصراع مرشح للاستمرار طويلًا.

ثالثًا: يترك هذا المشهد الدول الصغيرة أكثر عرضة للضغط والإكراه. فقد افترض أنصار السوق الحرة سابقًا أن الشبكات الرقمية والتجارية والمالية الحديثة ستؤدي إلى ديمقراطية النمو وتوزيع القوة. لكن في الواقع، وكما أشار عدد من الباحثين، تستخدم القوى المهيمنة هذه الشبكات كأداة للسيطرة “الفيروسية”. وهذا يعني أن على الدول الصغيرة تقليل مواطن ضعفها عبر تنويع علاقاتها الاقتصادية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي قدر الإمكان، وبناء التحالفات.

رابعًا: يتزايد تدخل الدولة. فبينما مارست العديد من الدول الناشئة سياسات صناعية لعقود، وغالبًا ما تعرضت لانتقادات من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، بدأت الدول المتقدمة أيضًا في اعتماد سياسات صناعية بشكل متزايد، حتى تحت حكومات يمينية، متجاوزة في ذلك الدول الناشئة، كما تُظهر بيانات حديثة لصندوق النقد الدولي.

خامسًا: على الشركات والمستثمرين التفكير بجدية في مفهوم “أصحاب المصلحة”. قد يبدو ذلك غريبًا، خاصة وأن تبني مفهوم أصحاب المصلحة بدلًا من أولوية المساهمين عام 2019 ارتبط آنذاك بأهداف الحوكمة البيئية والاجتماعية، وهي أهداف تشهد اليوم تراجعًا.

لكن الهجوم على مبادئ الحوكمة البيئية والاجتماعية لا يعني عودة أولوية المساهمين كما كانت سابقًا. بل إن الشركات باتت تواجه مجموعة مختلفة من أصحاب المصلحة، مثل اعتبارات الأمن القومي، والقيم الثقافية اليمينية، والمطالب الشعبوية للطبقات الوسطى. وتجاهل هذه العوامل قد يكون مكلفًا للغاية للإدارة العليا.

هل هو تحول عابر؟

قد لا يستمر هذا التحول نحو الجيو-اقتصاد إلى الأبد. فمن المحتمل أن تحاول بعض الدول غير الأمريكية، على سبيل المثال، مواجهة هذا التوجه عبر تعزيز رؤية أكثر تعاونًا، من خلال ما يُسمى بـ“تحالف الراغبين”. كما قد تشهد الولايات المتحدة أو غيرها تحولًا في السياسات إذا حدث تباطؤ اقتصادي حاد، خاصة وأن الحمائية بدأت بالفعل في تقويض آفاق النمو.

لكن من غير الواقعي توقع عودة سريعة إلى النظام النيوليبرالي أو إلى روح التعاون التي سادت في عصر بريتون وودز، على الأقل في ظل استمرار التنافس الأمريكي-الصيني وتصاعد النزاعات العالمية، التي تتفاقم بفعل تغير المناخ، والتحولات التكنولوجية، وتراكم الديون.

لذلك، يتعين على قادة الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات الاعتراف بالواقع الجديد، والسعي لاستخلاص نتائج إيجابية من هذا التحول الذي يتسم بتزايد تدخل الدولة، وتصاعد التنافس القومي، وتعاظم الاعتبارات الشعبية، والاتجاه نحو توطين الاقتصاد. فالمسار البديل، أي جيو-اقتصاد مشوّه وعدائي، يبدو مخيفًا للغاية، ويكفي النظر إلى ثلاثينيات القرن الماضي والانزلاق نحو العسكرة، وهو ما درسه هيرشمان بعمق، لفهم حجم المخاطر.

المصدر

مقالات ذات صلة