وهم "ظاهرة ترامب " إلى لحظة إعادة التموضع من الإمبراطوري: التحول في الاستراتيجية الأمريكية وتداعياته على الأمن الدولي والإسلامي والعربي والسعودي في إطار رؤية 2030.
لم يعد ممكنا قراءة التحولات الجارية في السياسة الأمريكية من خلال المقاربات التبسيطية التي تفسر السلوك الدولي بوصفه انعكاسا مباشرًا لشخصية الرئيس أو لتقلبات المزاج الانتخابي. فالتجربة الأمريكية خلال العقد الأخير، وبصورة أكثر وضوحًا منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار كشفت أن ما نشهده ليس انحرافا عابرًا عن "القيم الليبرالية " التي طالما رفعتها واشنطن، بل تعبيرًا عن تحول بنيوي عميق في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، وفي تصورها لدورها ووظائفها وحدود التزاماتها.
إن اختزال هذه المرحلة في إطار ما يُسمى "ظاهرة ترامب " يفضي إلى قراءة قاصرة، لأنه يفترض أن الدولة الأمريكية تُدار بمنطق الأفراد لا بمنطق المؤسسات. والحال أن الولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى حديثة، تعمل وفق منظومة استمرارية مؤسسية معقدة، تتشابك فيها أجهزة الأمن القومي، ووزارة الدفاع، والمؤسسات المالية، ومراكز التفكير واللوبيات الصناعية والتكنولوجية، والتيارات الفكرية الواقعية والمحافظة. في هذا السياق، لا يصنع الرئيس المشروع الاستراتيجي من الصفر، بل يختار اللحظة التي يُخرج فيها مشروعًا متراكما من الأدراج إلى حيز التنفيذ.
من هذا المنظور، يمكن فهم دونالد ترامب لا بوصفه مهندس التحول بل بوصفه الفاعل الذي توافرت لديه القابلية السياسية والنفسية لتحمل كلفة الصدام، وكسر المحرمات الخطابية، والقيام بدور "الرجل السيئ الذي تحتاجه الدولة عندما تنتقل من مرحلة الإخفاء إلى مرحلة المكاشفة. فالسياسات التي نسبت إليه، من التشدد في الهجرة، إلى إعادة تعريف التحالفات، إلى المواجهة الصريحة مع الصين، ليست وليدة ولايته، بل كانت موضوع نقاش وتخطيط منذ إدارات سابقة، لكنها بقيت مؤجلة بسبب كلفتها الأخلاقية والانتخابية.يكتسب هذا التحليل وزنه عند إسقاطه على الاستراتيجية الأمنية التي أعلنتها الولايات المتحدة في ديسمبر 2025، والتي لا يمكن قراءتها بوصفها وثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة بقدر ما هي وثيقة كاشفة لمسار كان يتبلور منذ نهاية الحرب الباردة، وتسارع بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. فقد أكدت هذه الاستراتيجية بوضوح انتقال الأولوية الأمريكية من إدارة النظام الدولي إلى حماية المركز الأمريكي نفسه عبر التركيز على الداخل، وإعادة التصنيع، وتشديد الحدود، وإعادة ترتيب الالتزامات الخارجية وفق منطق الكلفة والعائد لا وفق منطق القيم أو الرسالة الكونية. في قلب هذه الرؤية الجديدة، تبرز الصين بوصفها المنافس البنيوي الأول، لا لأنها تشكل تهديدًا عسكريا مباشرًا، بل لأنها تنازع الولايات المتحدة في سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا المتقدمة، والتجارة العالمية، والعملات، والنفوذ في الجنوب العالمي. ومن هنا، فإن الصراع مع الصين يُدار بوصفه صراعًا طويل الأمد على بنية النظام الدولي، لا أزمة ظرفية قابلة للاحتواء الدبلوماسي التقليدي. أما أوروبا، فرغم استمرار التحالف فتنظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها شريكا مرهقا، عاجزا عن تحمل أعبائه الأمنية والاقتصادية، بينما تُدار روسيا بوصفها تهديدًا يجب احتواؤه واستنزافه بأقل كلفة ممكنة، لا بوصفها الخصم المركزي. لا ينفصل هذا التحول الاستراتيجي عن الاختناقات الاقتصادية البنيوية داخل الولايات المتحدة نفسها. فالدين العام المتضخم، والعجز المزمن، والتوترات الاجتماعية والضغوط المتزايدة على الدولار، كلها عوامل دفعت واشنطن إلى إعادة تعريف دورها الخارجي بوصفه امتدادًا لمعركة الحفاظ على التماسك الداخلي و تاخير الانهيار. وفي هذا الإطار، لم تعد الالتزامات الأمنية الخارجية غاية في ذاتها، بل وسيلة مشروطة بخدمة الاستقرار الاقتصادي والسياسي الأمريكي. ضمن هذا المشهد الدولي الجديد، يجد العالم العربي نفسه أمام بيئة استراتيجية مختلفة جذريًا عما اعتاده خلال العقود الماضية. لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة من زاوية "نشر الديمقراطية" أو "إعادة الهندسة السياسية"، بل من زاوية المصالح الصلبة، وكلفة الانخراط، وقدرة الشركاء على تحمل أعبائهم الأمنية. وهو تحول يفرض على الدول العربية إعادة تعريف مفهوم الأمن، من كونه مظلة خارجية إلى كونه قدرة ذاتية مركبة تشمل الاقتصاد والمجتمع، والتكنولوجيا والدفاع. تبرز المملكة العربية السعودية في قلب هذا التحول بوصفها حالة خاصة. فهي ليست دولة هامشية يمكن تجاوزها، ولا دولة تابعة يمكن التعامل معها كساحة نفوذ، بل فاعل إقليمي يمتلك ثقلا جيوسياسيا واقتصاديًا ودينيا. ومن هنا، فإن قراءة التحول الأمريكي من زاوية الأمن الوطني السعودي تكشف أن رؤية 2030 لیست مشروعا تنمويا فحسب، بل تشكل في جوهرها إطارًا متكاملا لإعادة بناء مفهوم الأمن الوطني بمعناه الشامل. ففي عالم تتراجع فيه الضمانات الخارجية، يصبح تنويع الاقتصاد عنصرًا من عناصر الردع والاستقرار الاجتماعي مصدرًا من مصادر القوة، وتوطين التكنولوجيا شرطا للسيادة وبناء القدرات الدفاعية المحلية ضرورة استراتيجية لا ترفا سياسيًا. ومن هذا المنطلق، فإن مواءمة السياسة الخارجية والأمنية السعودية مع رؤية 2030 ليست خيارا تكتيكيا، بل استجابة بنيوية لعالم يتسم بحدة التنافس وتراجع اليقين. العلاقة مع الولايات المتحدة، فإن التحول الأمريكي يفرض إعادة ضبطها من منطق "العلاقة الخاصة " غير المحددة الشروط، إلى منطق التعاقد الاستراتيجي الواضح القائم على تبادل المصالح و هو ما تقوم به القيادة الرشيدة و قد ظهر جلياً اثناء زيارة سمو ولي العهد إلى واشنطن قبل نحو شهرين. لا يعني ذلك القطيعة أو الاستبدال، بل الانتقال إلى علاقة أكثر توازنا، تُربط فيها الشراكات الأمنية بالاستثمارات الاقتصادية، ويُستثمر فيها الموقع الجيوسياسي السعودي ضمن معادلات التنافس الدولي، مع الحفاظ على هامش استقلال في القرار الإقليمي. وفي ظل اشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، لا تملك السعودية ولا العالم العربي ترف الاصطفاف الأعمى. فالاستراتيجية الأكثر عقلانية تكمن في تنويع الشراكات والاستفادة من التنافس، وتجنّب التحول إلى ساحة صراع بالوكالة. ويتطلب ذلك براغماتية عالية، وقدرة على الفصل بين التعاون الاقتصادي والتموضع السياسي، وبين الشراكات التكتيكية والاستقلال الاستراتيجي. كما يكشف التحول الأمريكي هشاشة منظومة الأمن العربي التقليدية، القائمة على ردود الفعل لا على المبادرة. ففي عالم تتراجع فيه الرغبة الدولية في التدخل، يصبح الأمن الإقليمي مسؤولية ذاتية، تتطلب تعزيز التنسيق العربي، وبناء قدرات دفاعية مشتركة، وإدارة الخلافات البينية بآليات سياسية لا أمنية. فالدول التي تفشل في بناء حد أدنى من التماسك الإقليمي ستكون أكثر عرضة للضغوط الخارجية وإعادة التشكيل القسري. ما يحدث في واشنطن ليس نزوة رئيس، بل لحظة كشف لتحول أعمق في بنية النظام الدولي ترامب لم يكن الاستثناء، بل التعبير الأكثر صراحة عن انتقال الولايات المتحدة من دور القيادة الأخلاقية المعلنة إلى دور القوة الواقعية التي تدير مصالحها بوضوح فج. وأخطر خطأ استراتيجي يمكن أن يقع فيه العالم العربي هو انتظار عودة أمريكا القديمة"، لأنها ببساطة لم تعد موجودة. العالم القادم أقل رومانسية، لكنه أكثر وضوحًا. وفي هذا العالم، لن تكافأ الدول على نواياها، بل على قدرتها على القراءة الصحيحة، وبناء القوة الذاتية، وإدارة التوازنات ببراغماتية هادئة. ورؤية السعودية 2030 ، إذا ما استثمرت في بعدها الاستراتيجي الكامل، تضع المملكة في موقع يسمح لها ليس فقط بالتكيف مع هذا التحول، بل بالمشاركة الفاعلة في صياغة معادلاته الإقليمية. من ظاهرة ترامب" إلى لحظة إخراج استراتيجية قراءة بنيوية في التحول الأمريكي وتداعياته على النظام الدولي والعالم العربي. من التفسير الشخصي إلى التحليل البنيوي يميل الخطاب الإعلامي السائد، عربيًا وغربيا، إلى تفسير ما يحدث في واشنطن من تحولات سياسية وأمنية باعتباره نتاجا مباشرا لشخصية دونالد ترامب رئيس شعبوي صدامي، غير تقليدي، سيزول أثره بزواله أو بخسارة حزبه في دورة انتخابية قادمة. غير أن هذا التفسير، على جاذبيته الأخلاقية والإعلامية، يظل تفسيرًا قاصرًا؛ لأنه ينطلق من افتراض خاطئ مفاده أن الدولة الأمريكية تدار بمنطق المزاج الفردي، لا بمنطق المؤسسات والتراكمات الاستراتيجية بعيدة المدى. التحليل الأدق يقتضي الانتقال من سؤال " من هو ترامب؟" إلى سؤال أعمق: لماذا كان ترامب ممكنا، ولماذا الآن؟. فترامب، في هذا الإطار، لا يُفهم بوصفه صانع مشروع تاريخي جديد، بل بوصفه الفاعل الذي أتيحت له لحظة إخراج مشروع مؤجل مشروع صاغته مؤسسات الدولة الأمريكية على مدى عقود لكنه كان بحاجة إلى شخصية مستعدة لتحمل كلفة الصدام السياسي والأخلاقي والإعلامي. الاستمرارية المؤسسية والدولة الأمريكية بوصفها مشروعا طويل الأمد في الأدبيات الأكاديمية، لا تُدار الولايات المتحدة بوصفها دولة رئاسية مطلقة "، بل بوصفها منظومة استمرارية مؤسسية تتكون من شبكة معقدة تشمل:- مؤسسات الأمن القومي
- الكونجرس بمجلسيه للنواب والشيوخ
- وزارة الدفاع ومجمع الصناعات العسكرية
- وزارة الخزانة والمؤسسات المالية
- مراكز الأبحاث (Think Tanks)
- اللوبيات الاقتصادية والتكنولوجية التيارات الفكرية المحافظة والواقعية
- التركيز على الداخل الأمريكي بوصفه ساحة الصراع الأساسية الاقتصاد، الحدود، الصناعة.
- تعريف الصين بوصفها التهديد البنيوي الأول طويل الأمد.
- إعادة ترتيب الالتزامات الدولية وفق منطق الكلفة والعائد لا وفق منطق القيم.
- تحويل الهجرة والحدود إلى ملف أمني صلب لا إنساني أو حقوقي.
- مواجهة التمدد الصيني في أمريكا اللاتينية اقتصاديا وتكنولوجيا.
- تشديد الرقابة على الهجرة بوصفها اختراقا أمنيا وديمغرافيا.
- رفض التعددية الدولية عندما تتعارض مع الهيمنة الأمريكية.
- إعادة تعريف السيادة والحدود بوصفها خطوط دفاع لا مجرد ترتيبات قانونية.
- سلاسل الإمداد
- التكنولوجيا المتقدمة
- العملة والتجارة
- النفوذ في الجنوب العالمي
- عبء أمني
- شريك اقتصادي ضعيف النمو
- کیان متردد استراتيجيا
- استنزاف غير مباشر
- عقوبات
- إدارة توازنات إقليمية
- دين عام يتجاوز 34 تريليون دولار
- عجز مزمن في الميزانية
- تضخم بنيوي
- تراجع نسبي في الثقة العالمية بالدولار، رغم غياب بديل کامل
- تقليص الالتزامات الخارجية
- إعادة توطين الصناعة
- استخدام الدولار كسلاح سياسي ومالي بشكل أكثر انتقائية
- تراجع خطاب القيم والديمقراطية
- أولوية المصالح الصلبة
- ترك الدول الضعيفة لمعادلات إقليمية قاسية
- التعامل مع الدول القادرة بوصفها شركاء نفعيين لا حلفاء أيديولوجيين
- التفاوض مع واشنطن من موقع قوة استراتيجية
- ربط أي شراكة أمنية بمصالح متبادلة واضحة
- بناء شبكة علاقات متعددة
- تقليل الاعتماد الأحادي
- الصناعات الدفاعية
- الأمن السيبراني
- الأمن الغذائي والمائي
- سلاسل الإمداد
- بلا شعارات كبرى
- بلا مشاريع خلاص أيديولوجية
- تحكمه المصالح والصفقات والتوازنات
هل للرئيس ترامب رؤية أو رؤى صريحة ومعلنة؟ نعم ولا. نعم لأنه لم يخف مذهبه في الحكم والعلاقات مع الآخرين المذهب المؤسس على أسلوب محدد لا غيره ألا وهو استخدام جميع مصادر القوة المادية والبيروقراطية والسياسية للحصول على ما يبدو متاحاً لدى الطرف الثاني.
رأيناه ونراه يمسك بيد قوية على أي يد ممدودة للتحية.رأينا هذه الممارسة تتكرر وبشكل يقترب من نية كسر الإرادة خلال مؤتمر شرم الشيخ حتى أنني أشفقت على السيدة جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا، وبخاصة حين أضاف لقبضة اليد الغليظة مغازلة بدت لي، وأنا العارف بذهنية الإيطاليين، ثقيلة وكالحة إن صح التعبير.
رأينا مؤتمراً فريداً من نوعه. رؤساء دول وحكومات يهرعون نحو الرئيس الأمريكي، كل منهم أعد خطاباً قصيراً في مديحه لتفويت الفرصة عليه ليشن حملة وعظ أو سخرية أو تهديد أو ابتزاز حضرت في حياتي عشرات المؤتمرات أؤكد أنني لم أقع على هذا الأسلوب ولا هذا الجو المسموم ولا هذا الإرباك الذي تسبب فيه هذا الرئيس. يصر الرئيس ترامب على أن تكون مؤتمراته الدبلوماسية واجتماعاته بكبار المسئولين في حكومته مفتوحة أمام الصحفيين، ولعلها هذه إحدى أهم وسائل الردع والترهيب التي ابتدعها لشل القدرات الذهنية الرفاقه من الحكام عموماً والزائرين خصوصاً وإجبارهم على الإشادة به خوفاً من إطلاق لسانه في ذمهم والإساءة إليهم.
يجوز أن يكون هذا الأسلوب حافزاً لإخضاع إرادة العميل الساعي لفضل أو معروف أو صفقة.
أظن أنه يتعمد في كل قمة أو زيارة، كما يحدث مع فولوديمير زيلنسكي رئيس أوكرانيا ومع آخرين، إخضاعهم ملمحاً بالقوة الهائلة لأمريكا، وهي في وجوده لا تحتاج حتى إلى تلميح، فضلاً عن أنه يتعمد أن يلوّح بقوته وإرادته أمام صحفيين معتمدين وكاميرات التلفزيون، وبخاصة بعد أن استكمل إعادة تأثيث المكتب البيضاوي ليتناسب مع تطلعاته "الملوكية".
تحدث خلافات بين إسرائيل وأمريكا بين الحين والآخر ولكن لفترات قصيرة. أتصور أن ما يجعلها قصيرة ليس الحرص على مصالح قومية بقدر ما هو تدخل القوى الخفية بالضغط على قيادات الدولتين.إن صح تصوري يصبح منطقياً القول إن هذه القوى الخفية باقية ما بقي أو تغير النظام السياسي الدولي الراهن، وغير باقية بالضرورة إذا تغير النظام الاقتصادي العالمي الراهن، وهو النظام الذي يسمح لأفراد وعائلات وجماعات باكتناز ثروات مالية هائلة تهيمن بواسطتها على إرادات دول عظمى و صغری على حد سواء.
واضح تماماً أنه لم يستخدم أياً من هذه الأساليب في جلسات مفتوحة مع بنيامين نتنياهو الأمر الذي يزيد من اقتناعنا بأن في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ألغاز وأسرار لم يكشف عنها الستار بعد.ما زلت مقتنعاً أن كلاهما خاضع بشكل أو بآخر المركز قوة ليس غريباً عن تخمينات العدد الأكبر من الخبراء على كل حال يبدو أن الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط بدأت تفضحشيئاً فشيئاً سراً بعد آخر من أسرار هذه العلاقة.
يبقى في ظني أن الخضوع لمصدر واحد كلاهما يستمد منه السلطة والقوة لا يحول دون أن يكون لأحدهما أو لكليهما مصالح شخصية تتفاوت أهميتها ودورها في التسبب في اختلافات بسيطة في الرؤى والأساليب، وبخاصة أن أحدهما مقاول كبير متعدد العلاقات والثاني فاسد خطير منشغل بعبادة السلطة. لا شك أن هذه العلاقة التي يصر الطرفان على خصوصيتها صارت في عرف الإعلاميين وبعض المتخصصين في العلاقات الدولية علاقة فريدة لا مثيل لها في النظام الدولي الراهن.
نلاحظ مع آخرين أن إسرائيل باتت تلعب في ساحات السياسة الدولية دوراً خطيراً. ثم يأتي الرئيس ترامب بعلاقته الفريدة معها ليزيدها خطورة على كافة الأصعدة نتنياهو بلسانه يعلن مرة بعد أخرى أن الولايات المتحدة مدينة لإسرائيل. ولعله فيما يقول ويُردّد على حق ترامب من جانبه اعترف أكثر من مرة بالقوة الإسرائيلية الفائقة. عادة لا يحدد مصادر وأسس هذه القوة الفائقة.
الخبراء من جانبهم يقترحون أربعة مصادر لهذه القوة الفائقة: الأول: الهيمنة شبه الكاملة على كنوز البيانات والمعلومات في معظم دول العالم والتقدم الكبير في استخداماتها لها في الحرب كما في السلم. يد إسرائيل دائماً، موجودة فهي مالكة بالجزء أو بالكل لعديد شركات البيانات، وهي موجودة لأن أكثرية اليهود العاملين في هذه القطاعات في مختلف دول العالم، وبخاصة في أمريكا والدول الغربية هم إما رعايا إسرائيل كجنسية ثانية معلنة أو في السر. الثاني: حيازة إسرائيل للسلاح النووي واطمئنانها إلى أن أمريكا باستخدام نفوذها وقوتها الاقتصادية والعسكرية لن تسمح لدولة أخرى في الإقليم بتصنيع هذا السلاح، وليكن معلوماً للدول الكبرى والصغرى على حد سواء أن تعهدات أمريكا لإسرائيل في هذا الصدد تظل قائمة مهما كانت الظروف. الثالث: مكانة إسرائيل في النظام الاستخباراتي الدولي، إذ أنها موجودة في معظم الدول والهيئات والمؤسسات الدولية. لن يصدر قرار أو إجراء يهم المصالح الأمنية العالمية إلا وإسرائيل تعلم به واستعدت له أو استخدمته لخدمة أهدافها مع دولة أو أخرى. الرابع: هيئات بعضها معروف والبعض الآخر غير معروف للصحف والدول مهمتها تمويل حملات انتخابية لشيوخ ونواب ورؤساء دول. المال المخصص لهذه العمليات يأتي عن طريق الإعفاءات وصفقات الفساد وامتلاك مصارف وحصيلة التهرب الضريبي التي يقوم بها أشخاص بأسماء كبيرة لا تقاربها صحيفة أو حكومة. أكثرنا يسمع وأقلنا يعرف وجهة الولاء الحقيقي لشيوخ ونواب بارزين في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول ديموقراطية أخرى وكلنا صرنا نعلم عن نصيب المال الصهيوني في حملات الانتخابات وبخاصة الأمريكية، هذه وغيرها صنعت جيوشاً من العملاء والتابعين لم تتوفر لدولة أخرى من قبل. أتفق مع الرأي القائل بأن مظاهرات المليون أمريكي تحت شعار "ترامب ليس ملكا"، التي خرجت في عديد المدن الأمريكية نهاية الأسبوع الماضي سوف تخصم من الرصيد الشعبي للرئيس ترامب أمر آخر أن يؤثر هذا الخصم في الرصيد في العلاقة بين ترامب ونتنياهو من ناحية وفي مكانة كل منهما داخل دولتيهما من ناحية ثانية وفي هيبة أمريكا أمام بقية دول العالم من ناحية ثالثة، وهي الهيبة التي ولأسباب أخرى بدأت مراحل انحسارها منذ فترة غير قصيرة. تحدث خلافات بين إسرائيل وأمريكا بين الحين والآخر ولكن لفترات قصيرة. أتصور أن ما يجعلها قصيرة ليس الحرص على مصالح قومية بقدر ما هو تدخل القوى الخفية بالضغط على قيادات الدولتين. إن صح تصوري يصبح منطقياً القول إن هذه القوى الخفية باقية ما بقي أو تغير النظام السياسي الدولي الراهن، وغير باقية بالضرورة إذا تغير النظام الاقتصادي العالمي الراهن وهو النظام الذي يسمح لأفراد وعائلات وجماعات باكتناز ثروات مالية هائلة تهيمن بواسطتها على إرادات دول عظمى وصغرى على حد سواء. حرب دونالد ترامب على الواقعيصوغ الرئيس العميق التصور لخدمة مصالحه الخاصةبواسطة فرانكلين فوير مجلة الأطلسي ذا اتلانتيك
يتتبع صعود دونالد ترامب تراجع ذلك الشيء الذي اتفقنا ذات مرة على تسميته بالواقع. عزز مكانه في الخيال الشعبي مع ظهور تلفزيون الواقع، وهو نوع وعد بالأصالة، حتى عندما تم التلاعب بالمشاهد المفترضة غير المكتوبة بعناية من قبل المنتجين في The Apprentice ، الذي ظهر لأول مرة في عام 2004 ، كان ترامب تجسيداً لثقافة بدأت للتو في طمس الخط الفاصل بين ما كان حقيقياً وما بدا عليه فقط. في فترة ولايته الثانية كرئيس، يكمل ترامب - الآن بمساعدة الذكاء الاصطناعي - الثورة التي جعلته خلال عطلة نهاية الأسبوع، نشر مقطع فيديو لنفسه يقود طائرة مقاتلة تتخلص من الفضلات على المتظاهرين. كان المقطع كرتونياً، وكان يهدف إلى تسلية أتباعه وإثارة خصومه. قد يبدو هذا قليلاً من متعة القزم، ولكنه مثال على نمط ينذر بالخطر. يثير ترامب انهياراً معرفياً - يزرع الشعور بأن كل شظية من الأدلة التي يمكن الاعتماد عليها ذات مرة أمر مشبوه. يبشر ترمب بعصر من عدم الثقة والارتباك، حيث يشكل الرئيس الواقع الجديد لخدمة مصالحه الخاصة.ديب فيك deepfake هي الحدود الأكثر إثارة للقلق لثورة الذكاء الاصطناعي. يتم تقديم المقاطع المصنعة بدقة بحيث يمكن أن تجعل أي شخص يبدو وكأنه يقول أو يفعل أي شيء. تقف هذه التكنولوجيا لتقلب الافتراض الأساسي للحياة الحديثة. لأكثر من قرن من الزمان، تعامل البشر مع الفيلم كدليل نهائي على الواقع، وهو الشاهد الميكانيكي الذي لا يكذب. تستغل ديب فيك Deepfakes غريزة الثقة في ما نراه، والتزييف القادر على تشويه العاطفة وزرع الأكاذيب. مدفوعاً بأوهامه الخاصة بالعظمة - والأوهام المظلمة للانتقام التي تحييه - يسعد ترامب بمقاطع الفيديو المثيرة. خلال فترة ولايته الأولى، قام بتغريد لقطات تقسمت للمبالغة في تعثرات نانسي بيلوسي اللفظية. في حملته لعام 2024، شارك صورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي تشير إلى أن تايلور سويفت قد أيدته.وفي الشهر الماضي، نشر مقطعا مزيفاً لتشاك شومر يعلن: "لم يعد أحد يحب الديمقراطيين. لم يتبق لدينا ناخبين بسبب كل تفاهاتنا المستيقظة والمتحولين جنسياً في الكونغرس." شرع رئيس الولايات المتحدة ديب فيك deepfakes كأداة للاتصال السياسي. لقد أخذ أتباعه الإشادة. في الأسبوع الماضي، أصدرت ذراع حملة الجمهوريين في مجلس الشيوخ إعلاناً أنتجه الذكاء الاصطناعي يصور كلمات شومر في تقرير صحفي - وكان التقرير مزيفاً وليس في أي لقطات فعلية. عندما تصبح ديب فيك deepfakes العملة الشائعة لوسائل التواصل الاجتماعي، سيبدأ المواطنون بشكل مبرر في تقديم الشكوك حول أي مقطع فيديو يواجهونه. لكن هذه الشكوك لن تسفر عن التمييز. سيقدمون ببساطة مبرراً آخر لتأكيد التحيز الأيديولوجي. سيقبل الحزبيون لقطات الفيديو عندما تدعم مفاهيمهم المسبقة؛ عندما لا يحدث ذلك، فإن رفضها على أنها يحتمل التلاعب بها سيصبح ممارسة قياسية. يقوم أعضاء إدارة ترامب بالفعل بنشر هذا التكتيك. في وقت سابق من هذا الأسبوع، كشف السياسيون عن رسائل نصية منسوبة إلى بول إنغراسيا، اختيار الرئيس لقيادة مكتب المستشار الخاص، حيث اعترف المرشح بأن لديه "خط نازي" وأطلق العنان لسيل من الميل العنصري. (سحب إنغراسيا ترشيحه في نهاية المطاف.عندما واجه محاميه الرسائل، لم ينكر صحتها بشكل صريحولكن بدلاً من ذلك ألمح إلى أنها ربما تكون قد اختلقت من قبل الذكاء الاصطناعي. هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، ولكن الاستراتيجية ليست كذلك. لقد فقد الجمهور الثقة إلى حد كبير في المحكمين التقليديين للحقيقة - وسائل الإعلام الرئيسية والدين والأوساط الأكاديمية - وقد شارك العديد من المواطنين أنفسهم في راحة فقاعات التصفية. الآن بدأوا في الاختلاف حول الحقائق الأساسية للوجود المشترك، بما في ذلك نتائج الانتخابات. في بداية القرن، عندما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز عن السلوك الفاضح لسياسي، كانت قيادة كلا الحزبين السياسيين تفترض حقيقة الادعاء، حتى لو كان الجمهوريون قد تذمروا من التحيز الليبرالي للصحيفة. عندما أصدرت الحكومة تقريراً عن التوظيف، اعتبرته الأمة قراءة موضوعية للطقس الاقتصادي. لكن ترامب يحاول تفكيك تلك الأسس المؤسسية للواقع. في القرن العشرين، أصبحت الحكومة الفيدرالية المنتج الأكثر ثقة للحقائق في البلاد. لقد تتبع الاقتصاد وانتشار المرض وعدد لا يحصى من المؤشرات الأخرى التي سمحت للشركات بالتخطيط والمواطنين باتخاذ خيارات مستنيرة. يحطم ترامب تقليد التجريبية غير المهتمة، ويثني حتى المعلومات التي تولدها الحكومة لإرادته. لهذا السبب قام بفصل المسؤولين - مثل رئيس مكتب إحصاءات العمل -المسؤولين عن إنتاج بيانات موضوعية، وانتقل لاستبدالهم بالموالين الوكالات التي كانت تهدف إلى قياس الواقع الآن تخاطر بأن تصبح أدوات تصنعه. يتخذ ترامب أيضاً خطوات لخنق وسائل الإعلام التقليدية والتي مهما كانت غير كاملة، لا تزال تسعى جاهدة لتقديم سرد موضوعي للأحداث. بالاستفادة من سلطة الحكومة في رفض عمليات الاندماج ضغط على باراماونت، الشركة الأم لشبكة سي بي إس لتسوية دعوى قضائية زائفة على مدى حلقة مدتها 60 دقيقة. أرسلت إدارته رسالة إلى وسائل الإعلام الخاصة بالشركات مفادها أن الموقف العدائي تجاه الرئيس سيحمل مخاطر مالية. ففي البنتاغون فرض وزير الدفاع بيت هيغسيث قيوداً مرهقة على فيلق الصحافة لدرجة أن الصحفيين قد طردوا بشكل فعال من المبنى، في محاولة لمنعهم من إنتاج نوع التقارير المستقلة التي قد تخترق نسخة الإدارة الذاتية من الأحداث. قبل سنوات، قدم أبرز حليف لترامب في وادي السيليكون رؤية لهذا العالم. لقد استمتع إيلون ماسك بفكرة أن الوجود البشري هو في الحقيقة مجرد محاكاة حاسوبية - عالم افتراضي تم تقديمه بشكل مقنع لدرجة أن كل شيء يصبح قابلا للطرق، وأن إعادة تشكيل العالم هي مجرد مسألة إعادة كتابة بضعة أسطر من التعليمات البرمجية. بالنسبة للأتباع هذه الرؤية ليست كابوساً ولكنها نوع من التحرر. يمكن دائما مراجعة الحقيقة، يبدو أن التلاعب هو الحقيقة الأساسية في الحياة. وتولى ترامب دور المبرمج والممثل و الرئيسي. المصدر
