القائمة الرئيسية

لماذا لن يشبه العقد القادم من عالم الأعمال القرن الماضي؟

لماذا لن يشبه العقد القادم من عالم الأعمال القرن الماضي؟
ملخص المقال

العائق الحقيقي أمام تحقيق هذا المستقبل لم يعد التكنولوجيا أو ذكاء النماذج، بل «فجوة السياق»، أي المسافة بين الذكاء العام والحكم الخبير الخاص بكل شركة، وهو ما يلزم لتشغيل سير عمل مؤسسي عالي المخاطر. ومع تولّي الذكاء الاصطناعي المزيد من مهام التنفيذ، تنخفض التكلفة الهامشية للعمل بشكل حاد. ويتحوّل المورد النادر من تنفيذ العمل نفسه إلى خبراء المجالات القادرين على توجيه العمل وحوكمته وتحسينه.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف أن العقد القادم من عالم الأعمال سيختلف جذرياً عن القرن الماضي بفعل التحول نحو مؤسسات «مولودة بالذكاء الاصطناعي»، حيث لم يعد الذكاء مجرد أداة لتحسين الإنتاجية، بل محركاً لتغيير هيكلي عميق في نماذج التشغيل، والأدوار، واتخاذ القرار. وتوضح أن القيمة الحقيقية تنبع من إعادة تصميم سير العمل حول الذكاء القابل للتوسع، وتحويل خبرة المتخصصين إلى بنية مشتركة قابلة للتعلم المستمر، ما يخلق مؤسسات أكثر مرونة، وأسرع استجابة، وقادرة على تحقيق نمو جديد عبر نماذج اقتصادية غير مسبوقة.

  • في حين أننا لم نُحدّد بعد بشكل كامل ملامح مؤسسة المستقبل، فإنها ستتمحور حول خبراء المجالات المتخصصة وستكون «مولودة بالذكاء الاصطناعي».
  • المؤسسات التي تعيد تنظيم نفسها حول ذكاء قابل للتوسع ستُنشئ نماذج أعمال مختلفة جذرياً عن تلك التي سادت خلال القرن الماضي.
  • ويجتمع القادة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 لاستكشاف كيف يمكن للاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة الأخرى أن يتحول إلى حلول لتحديات واقعية.

على مدى العامين الماضيين، أظهرت الدراسات أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعزز الإنتاجية على مستوى المهام بنسبة تتراوح عادة بين 15% و40%. تتحقق هذه المكاسب عندما يستخدم العامل المعرفي أداة مثل ChatGPT لصياغة بريد إلكتروني أو كتابة شيفرة برمجية. وهي تحسينات حقيقية، لكنها لا تترجم تلقائياً إلى أرباح على مستوى الشركة. فما زالت معظم المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة داخل سير عمل قديم.

تشير خبرتنا إلى مسار مختلف. فعندما تعيد الشركات تصميم سير العمل عمداً حول الذكاء الاصطناعي، تتوقف المكاسب عن كونها تدريجية. إذ تُطلق تغييرات هيكلية لا مجرد تحسينات طفيفة، وتُمكّن من طرق تشغيل جديدة بالكامل، لا مجرد تنفيذ الخطوات نفسها بشكل أفضل قليلاً.

العائق الحقيقي أمام تحقيق هذا المستقبل لم يعد التكنولوجيا أو ذكاء النماذج، بل «فجوة السياق»، أي المسافة بين الذكاء العام والحكم الخبير الخاص بكل شركة، وهو ما يلزم لتشغيل سير عمل مؤسسي عالي المخاطر. ومع تولّي الذكاء الاصطناعي المزيد من مهام التنفيذ، تنخفض التكلفة الهامشية للعمل بشكل حاد. ويتحوّل المورد النادر من تنفيذ العمل نفسه إلى خبراء المجالات القادرين على توجيه العمل وحوكمته وتحسينه.

هذه الأطروحة على أرض الواقع

لنأخذ مثالاً على ذلك: شركة اتصالات رائدة تخدم أكثر من 100 مليون عميل، اعتمدت لعقود على موظفي الصف الأمامي لحل المشكلات يدوياً. عندما كان أحد أفضل الموظفين يحل مشكلة معقدة، كان منطق الحل يبقى لديه وحده. وكانت النتائج تفاعلية وغير متناسقة وصعبة التوسع.

غيّر الذكاء الاصطناعي هذه المعادلة. فمن خلال تدريب الأنظمة على أنماط التفكير لدى أفضل المؤدين، أُغلقت مكالمات الخدمة بسرعة أكبر، لأن الشركة حوّلت الخبرة الفردية إلى أصل مشترك متاح للفريق بأكمله. وبينما كان البشر مقيدين سابقاً بالاستجابة للمكالمات فقط، أصبح بإمكان أنظمة الذكاء الاصطناعي التوسع للتنبؤ باحتياجات العملاء الفردية بشكل استباقي، ما مكّن الشركة من تحويل عمليات خدمة العملاء من خط لحل المشكلات إلى خدمة استشارية مولّدة للإيرادات.

بعبارة أخرى، حوّلت الشركة حكم أفضل موظفيها إلى بنية تحتية مشتركة، ثم بنت اقتصاديات جديدة فوقها.

وفي مثال آخر، واجه مقدم وطني لخدمات الرعاية الصحية قيداً مألوفاً: طاقة الأطباء كانت تُستنزف بسبب الأعمال الإدارية. فالمهام الروتينية مثل الموافقات، والتوثيق، والتنسيق كانت تستهلك وقتاً كان من المفترض أن يُخصص لرعاية المرضى. وكانت النتيجة نظاماً يعمل بردّ الفعل، حيث يستحوذ المرضى الأشد مرضاً على معظم الموارد، فيما يصبح توسيع التدخلات الوقائية أمراً غير واقعي اقتصادياً. ومن خلال التقاط هذه العمليات الإدارية وأتمتتها بالذكاء الاصطناعي، حرّر مقدم الخدمة وقتاً سريرياً كبيراً وأعاد تصميم طريقة تفاعل مقدمي الرعاية مع المرضى. أصبحت الموافقات أسرع وأكثر اتساقاً، وتمكنت فرق الرعاية من التركيز على قرارات أعلى قيمة، وأصبح التواصل الوقائي مجدياً اقتصادياً على نطاق واسع، وهو تحول هيكلي لا مجرد زيادة في الإنتاجية.

تشير هذه الأمثلة إلى الدرس نفسه: التكنولوجيا هي المحفّز، لكن القيمة الحقيقية تأتي من التغيير الهيكلي. فعندما يصبح الذكاء قابلاً لإعادة الاستخدام ويتحسن باستمرار، تبدأ الحدود بين الأدوار التقليدية في التلاشي وتظهر أدوار جديدة. المؤسسات التي أعادت تعريف الأدوار، وأعادت تشكيل سير العمل، واعتمدت أنظمة تعلّم آنية، بدأت بالفعل في التقدم على غيرها.

ستعمل المؤسسات «المولودة بالذكاء الاصطناعي» بشكل متزايد عبر حلقات تغذية راجعة مستمرة، حيث يمكن قياس العمليات وجودة القرارات ونتائج العملاء وتحسينها شبه لحظياً. ولن تختفي دورات التخطيط، لكنها ستقصر، لأن القدرات والقيود يمكن تعلمها أسرع من أي وقت مضى.

وبناءً على ما نراه اليوم، بحلول عام 2030 سنشهد شركات عامة «مولودة بالذكاء الاصطناعي» تتشارك خصائص مشتركة: هياكل أكثر تسطحاً، نماذج تشغيل يقودها الخبراء، اتخاذ قرارات آنية، وبرمجيات تتصرف كنظام حي يتحسن باستمرار، لا كنظام يحتاج إلى ترقيات دورية ليعمل بكفاءة. هذه الشركات لن تكتفي بتبني الذكاء الاصطناعي، بل ستعيد هندسة نفسها حول مبادئ أعمال جديدة كلياً.

ثلاث خطوات يمكن لقادة المؤسسات اتخاذها الآن

رغم أن التحول الكامل يحتاج إلى وقت، يمكن للقادة اتخاذ إجراءات محددة اليوم تُسرّع التقدم بشكل ملموس.

  1. أحِط نفسك ببنّائين يعملون بعقلية مولودة بالذكاء الاصطناعي
    تفشل مؤسسات عظيمة كثيرة لأن الذكاء الاصطناعي يُدخل إلى أنظمة جامدة بنيت حوكمتها على ممارسات أعمال قديمة. على قادة اليوم عكس هذا المسار عبر العمل انطلاقاً من النتائج المرجوة، وبالشراكة مع جهات تفكر وتعمل بعقلية مولودة بالذكاء الاصطناعي، لا إسقاط الماضي على أنظمة المستقبل.

  2. إعادة تصميم دور خبراء المجالات بوصفهم قادة للذكاء
    نعلم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم من السياق الذي يقدمه البشر. ومن دون منطق الخبراء، تتدهور الأنظمة وتضيع القيمة. يجب أن يكون خبراء المجالات في قلب التحول، وأن يُنظر إليهم كـ«مديري ذكاء» مسؤولين عن تشكيل طريقة تفكير الذكاء الاصطناعي وقراراته وتقاريره وتطوره. هذا التحول غير قابل للتفاوض، إذ تتعثر التحولات دون مشاركة فعّالة وتحفيز حقيقي لهؤلاء الخبراء.

  3. البدء بإعادة تصميم المنظمة من الآن
    ابدأ بتقريب التكنولوجيا من الأعمال. ومع تعدد العناصر المتحركة من تكنولوجيا ونماذج تشغيل وأفراد، تبرز الحاجة إلى عمل مختلف الفرق ضمن فرق مشتركة متعددة الوظائف. يتيح ذلك تكراراً سريعاً من خلال إزالة الحواجز بين فرق الأعمال والموارد البشرية والتكنولوجيا.

عدد صغير لكنه متزايد من المؤسسات ينتقل من مرحلة التجريب إلى التغيير الهيكلي. الفارق بينها وبين الآخرين أنها ترى القيمة الفريدة التي يمكن للذكاء الاصطناعي إطلاقها، وتعيد تصميم منظماتها لهذا المستقبل. أما من يقفون على الهامش، فعليهم أن يختاروا التطور لعالم مولود بالذكاء الاصطناعي، وإلا سيجدون أنفسهم يبنون لعالم لم يعد موجوداً.

المصدر

مقالات ذات صلة