ملخص: تناقش هذه المقالة أبرز التحولات التي شهدها سوق العمل العالمي في عام 2025، كاشفةً عن مفارقة تجمع بين انخفاض معدلات البطالة وتصاعد القلق بشأن تقلّص الوظائف المبتدئة، واتساع فجوة المهارات، وتسارع دخول الذكاء الاصطناعي ووكلائه إلى بيئات العمل. كما تسلط الضوء على التفاوتات الإقليمية في الأجور والتوظيف، والتحديات المرتبطة بإعادة التأهيل المهني، وتأثير النزاعات والهجرة على سوق العمل والقطاع الإنساني، لتقدم صورة مكثفة عن عام شكّل نقطة تحوّل حاسمة في مستقبل الوظائف عالمياً.
شهد عام 2025 مزيجاً من التحديات والفرص للعمال وأصحاب العمل حول العالم. فمن تقلّص الوظائف المبتدئة إلى دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى بيئات العمل، نستعرض هنا أبرز القصص التي شكّلت مشهد سوق العمل خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.
سوق العمل العالمي في 2025
يدخل سوق العمل العالمي عام 2026 في حالة مفارقة واضحة.
فبينما تظل معدلات البطالة منخفضة تاريخياً في العديد من الاقتصادات المتقدمة، مع تسجيل نسبة مستقرة عند 4.9% في أبريل 2025 وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تظهر أنماط نمو الأجور تباينات إقليمية حادة، في وقت يعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل فرص العمل عبر مختلف مستويات المهارات.
في سبتمبر، سلّطنا الضوء على هذا التفاوت في الأجور والتوظيف عالمياً: فقد سجلت البرازيل أعلى مستويات للأجور، بينما شهدت اليابان الشهر السادس على التوالي من تراجع الأجور الحقيقية رغم استمرار انخفاض البطالة عند 2.5%. وفي المملكة المتحدة، تباطأ التوظيف رغم ارتفاع الأجور بنسبة 5% سنوياً. في المقابل، ارتفعت البطالة في جنوب أفريقيا إلى 32.9%.
تقرير مستقبل الوظائف 2025: أبرز الخلاصات
كشف تقرير مستقبل الوظائف 2025 عن قوة عاملة تمر بمرحلة انتقالية عميقة، ومن أبرز نتائجه:
41% من المؤسسات تتوقع تقليص القوى العاملة في وظائف معرضة لتقادم المهارات بسبب الذكاء الاصطناعي، في حين يخطط 70% لتوظيف أشخاص بمهارات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو تناقض يلخص التحدي القادم.
يتوقع التقرير إضافة صافية قدرها 78 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، رغم خضوع 22% من الوظائف الحالية لتغيرات هيكلية.
يخطط معظم أصحاب العمل لمعالجة فجوة المهارات، حيث يقدم 85% برامج لإعادة التأهيل و77% تدريباً على الذكاء الاصطناعي.
دعم صحة الموظفين ورفاههم كان من أهم عوامل جذب المواهب، إذ اعتبره 64% من أصحاب العمل استراتيجية أساسية لزيادة توافر الكفاءات.
رغم تأثير التكنولوجيا والتجزؤ الجيو-اقتصادي، تظل المهارات الإنسانية مثل القيادة والقدرة على التكيف والتعلم المستمر في صميم الأهمية.
ماذا يحدث للوظائف المبتدئة؟
في عام 2025، تصاعدت المخاوف بشأن تقلص الفرص الوظيفية للمبتدئين، في وقت بلغت فيه مشاركة الأجيال الشابة في سوق العمل ذروتها.
منذ يناير 2024، انخفضت إعلانات الوظائف المبتدئة بنسبة 29% وفق تحليل شمل 126 مليون إعلان حول العالم. وما كان يُنظر إليه سابقاً كتراجع مؤقت، يبدو اليوم اتجاهاً هيكلياً متزايداً. عالمياً، تشير الأرقام إلى صورة مقلقة:
في الولايات المتحدة، بلغت بطالة الشباب 10.8% في يوليو، أي أكثر من ضعف المعدل العام البالغ 4.3%. وفي آسيا وأفريقيا، تبدو الأرقام أكثر حدة: 17% في الهند، 16.5% في الصين، ونحو 36% في المغرب. أما في المملكة المتحدة، فقد تنافس 1.2 مليون خريج على أقل من 17 ألف وظيفة مبتدئة في عام 2024.
ولا يُعزى هذا التراجع فقط إلى الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بل إلى عوامل هيكلية أوسع، من بينها حذر الشركات في اقتصاد يتباطأ، وعدم اليقين المرتبط بالتجارة، وتجميد التوظيف الذي أصبح السمة الأبرز لما وُصف بـ “اقتصاد منخفض التوظيف ومنخفض التسريح”.
في مواجهة ذلك، يتجه الشباب إلى تنويع مصادر الدخل، واعتماد التدريب المهني ونظم التلمذة الصناعية، حيث يعمل أو يسعى 37% من خريجي الجيل زد حالياً في وظائف يدوية أو تقنية.
دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل
ينتقل وكلاء الذكاء الاصطناعي بسرعة من التجارب المحدودة إلى التطبيق العملي.
فبحسب تقرير “وكلاء الذكاء الاصطناعي في التطبيق”، يخطط 82% من التنفيذيين لاعتمادهم خلال عام إلى ثلاثة أعوام. إلا أن وتيرة التجربة تتسارع حالياً بوتيرة تفوق تطور آليات الإشراف اللازمة لإدارة الاستقلالية والسلامة والتكامل والثقة.
وأظهر استطلاع شمل ألف مطور للذكاء الاصطناعي أن 99% منهم يستكشفون أو يطورون وكلاء ذكاء اصطناعي. ومع اعتماد المؤسسات عليهم لدعم الفرق أو العمل في العالم المادي، يجب إدماجهم وإدارتهم كما لو كانوا موظفين جدد.
وقد بدأت هذه الوكلاء فعلياً في تغيير أساليب العمل اليومية، خاصة في مجالات الأعمال والإدارة، حيث تُستخدم أنظمة تجمع بين التعرف على الصور ومعالجة البيانات لأتمتة مهام روتينية مثل الفوترة والمدفوعات وإدخال بيانات العملاء.
ومع التطلع إلى عام 2026، يعتمد النجاح طويل الأمد لاعتماد وكلاء الذكاء الاصطناعي على بناء أنظمة مفهومة وموثوقة وخاضعة للمساءلة.
معضلة المهارات
مع تسارع الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تجد العديد من المؤسسات نفسها أمام فائض في بعض الأدوار التقليدية، مقابل نقص حاد في المهارات الحرجة للذكاء الاصطناعي.
وأفاد تسعة من كل عشرة قادة تنفيذيين بوجود فائض في القوى العاملة يصل إلى 20% في الأدوار القديمة، إلى جانب نقص في المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتشير أبحاث حديثة إلى أن الطلب على المهارات الرقمية، مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والثقافة التكنولوجية، يتسارع بوتيرة تفوق العرض العالمي.
ويُعد إعادة التأهيل، وإعادة تصميم الأدوار حول التعاون بين الإنسان والآلة، ودمج تخطيط القوى العاملة في الاستراتيجيات، من أبرز السبل للتعامل مع هذا التناقض.
في الوقت ذاته، يتولى العاملون زمام تطوير مهاراتهم بأنفسهم، إذ تضاعف انتشار مهارات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات منذ عام 2016. وفي عام 2025، تحولت أكثر المهارات طلباً نحو الإلمام بالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والمهارات الإنسانية.
كما تمثل هذه المرحلة فرصة لسد الفجوات بين الجنسين، إذ لا تزال النساء يشكلن 28% فقط من القوى العاملة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، و22% من المتخصصين في الذكاء الاصطناعي.
الهجرة والصراعات وأزمة العمل الإنساني
أعادت النزاعات المسلحة والتوترات الجيوسياسية تشكيل العرض والطلب في سوق العمل العالمي بطرق ستستمر آثارها لسنوات.
ففي منتصف عام 2025، تجاوز عدد النازحين بسبب الصراعات والاضطهاد 122 مليون شخص حول العالم، ما وضع ضغوطاً غير مسبوقة على المنظمات الإنسانية العاملة في البيئات الهشة. وفي الوقت نفسه، تقوّض القيود التمويلية قدرة هذه المنظمات على الاستجابة، مع اقتراح تخفيضات كبيرة في التمويل تهدد وظائف العاملين في قطاع المساعدات نفسه.
ولا تقتصر هذه الضغوط على الأنظمة الإنسانية فحسب، بل تمتد إلى الشركات التي باتت تتأثر بشكل متزايد بالتجزؤ الجيو-اقتصادي والتوترات السياسية، حيث يتوقع ثلث المؤسسات أن تدفع هذه العوامل إلى تغييرات جوهرية في نماذج أعمالها خلال السنوات الخمس المقبلة.
