ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يشكل بناء شبكات الجيل الخامس المتقدمة اليوم الأساس الحاسم لمستقبل الذكاء الاصطناعي، مع انتقاله من مراكز البيانات إلى تطبيقات واقعية موزعة مثل الروبوتات والتنقل الذاتي والواقع الممتد، وتوضح كيف تُمكّن شبكات الجيل الخامس المستقلة الابتكار والأتمتة وتفتح الطريق نحو شبكات الجيل السادس المصممة أصلا لتكون مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، مع إبراز تجارب رائدة مثل الصين والولايات المتحدة، والتأكيد على أن التعاون الدولي، والمعايير المفتوحة، والبنية التحتية الآمنة والقابلة للتشغيل البيني تمثل شروطا أساسية لتجنب التجزئة وبناء نسيج رقمي ذكي يعزز النمو والقدرة التنافسية والريادة في الاقتصاد العالمي.
- مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مراكز البيانات إلى تطبيقات واقعية مثل الروبوتات، والأنظمة الذاتية، والواقع الممتد، أصبح يعتمد بشكل أساسي على شبكات الجيل الخامس عالية الأداء اليوم، وعلى شبكات الجيل السادس مستقبلا.
- إن شبكات الجيل الخامس المستقلة والمفتوحة والقابلة للبرمجة تمكّن قدرات جديدة للمؤسسات، وتعزز الأتمتة وابتكار المطورين، وفي الوقت نفسه تضع الأسس لشبكات الجيل السادس المصممة أصلا لتكون مدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
- كما أن التعاون بين الدول المتحالفة، والقطاع الصناعي، والمؤسسات الأكاديمية يعد أمرا حاسما لوضع معايير مشتركة، وبناء سلاسل توريد آمنة، وتطوير تقنيات قابلة للتشغيل البيني، بما يمنع التجزئة ويضمن الكفاءة الاقتصادية والأمن.
نحن على أعتاب حقبة جديدة من الابتكار، حيث ستعيد تقنيات الاتصال المتقدمة والذكاء الاصطناعي تشكيل الاقتصاد العالمي. ومع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات وعلى مستوى المجتمعات، سيتجاوز تركيز هذا القطاع حدود مراكز البيانات وأشباه الموصلات والنماذج الضخمة. وستشمل الخطوات التالية نشر الذكاء الاصطناعي عبر تطبيقات وأجهزة جديدة، مثل أجهزة الاستشعار، والطائرات من دون طيار، والروبوتات الشبيهة بالبشر، ونظارات الواقع الممتد، وغيرها الكثير.
هذه الاستخدامات الجديدة ستكون موزعة بطبيعتها، وستتطلب اتصالا متقدما يعتمد في البداية على شبكات الجيل الخامس المستقلة، ثم ينتقل تدريجيا إلى شبكات الجيل السادس مع مرور الوقت.
ولا يمكن لأنواع الاتصال ذات الجهد المحدود، مثل الجيل الرابع أو شبكات الواي فاي، أن توفر مستويات الموثوقية والأمن والأداء المطلوبة. فهذه الشبكات تعجز عن ضمان سرعات رفع كافية للتعامل مع كميات كبيرة من البيانات المرسلة، أو توفير زمن الاستجابة المنخفض اللازم للتفاعل شبه الفوري، أو دعم الكثافة العالية للاتصالات المطلوبة لربط عدد كبير من الأجهزة في آن واحد.
إن تحقيق هذا المستقبل القائم على الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل مباشر على نوعية الشبكات التي نختار بناءها اليوم. فوجود أساس تقني مفتوح وآمن وقابل للتشغيل البيني، يشمل شبكات الجيل الخامس والجيل السادس، والبنية السحابية، وأشباه الموصلات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يعد ضروريا لدعم تطبيقات جديدة على نطاق عالمي.
ونظرا لأن أي دولة أو شركة بمفردها لا تستطيع تحقيق ذلك، فإن التعاون بين الدول المتحالفة والمنظومات الصناعية المختلفة سيكون أمرا حاسما لتجنب الأسواق المجزأة، والاستثمارات المكررة، والتقنيات غير الآمنة أو غير المتوافقة.
لماذا يعد الجيل الخامس مفتاحا لنجاح الذكاء الاصطناعي
من المتوقع عالميا أن يتجاوز الجيل الخامس الجيل الرابع ليصبح تقنية النفاذ المحمول المهيمنة من حيث عدد الاشتراكات بحلول نهاية عام 2027، أي بعد تسع سنوات من إطلاقه. ووفقا لأحدث التقارير المتخصصة، يُتوقع أن يصل عدد اشتراكات الجيل الخامس إلى 2.9 مليار اشتراك بنهاية عام 2025، أي ما يعادل ثلث إجمالي اشتراكات الهاتف المحمول في العالم.
ويمكن النظر إلى شبكات الجيل الخامس المتقدمة اليوم على أنها الخطوة الأولى الأساسية في بناء ما يمكن تسميته “نسيجا رقميا ذكيا”. فهي توفر سرعات أعلى لرفع البيانات، وواجهات شبكية مفتوحة يمكن للمطورين الاستفادة منها، كما تجعل الشبكات أكثر قابلية للبرمجة وأسهل من حيث الأتمتة والإدارة.
ولكي يعمل هذا النسيج الرقمي بفاعلية في كل مكان، يحتاج العالم إلى تغطية أوسع وأكثر شمولا لشبكات الجيل الخامس، وخاصة من خلال شبكات الجيل الخامس المستقلة التي تعمل بشكل منفصل عن الجيل الرابع. وهذا الاستقلال يمكّن مزودي خدمات الاتصالات من تقديم خصائص متقدمة للمؤسسات، مثل تقسيم الشبكات، ويفتح الباب أمام جيل جديد من التطبيقات والخدمات الذكية.
لافتة لمعرض الجيل الخامس العالمي في بكين، الصين، 22 نوفمبر 2019
الصورة: رويترز / جيسون لي
ولرؤية الإمكانات التحويلية الحقيقية، يكفي النظر إلى الصين، التي اعتبرت الجيل الخامس بنية تحتية وطنية حيوية في وقت مبكر، وتعد اليوم من الدول الرائدة في شبكات الجيل الخامس المستقلة. وقد أسهمت الكثافة العالية لشبكاتها، إلى جانب منظومة تكنولوجية متكاملة تعتمد على الهواتف المحمولة أولا، في تحفيز نمو منظومات جديدة، تشمل الروبوتات، واقتصاد الطائرات من دون طيار، وعددا كبيرا من “مصانع المنارة” المؤتمتة.
وتُظهر الولايات المتحدة أيضا قوتها من خلال الابتكار القائم على آليات السوق، لتتبوأ موقعا متقدما في تطبيقات الجيل الخامس عالية القيمة ودمج الذكاء الاصطناعي. وهي تتصدر بوضوح استخدام الجيل الخامس في النفاذ اللاسلكي الثابت لإعادة تشكيل سوق النطاق العريض، إلى جانب ريادتها في شبكات النفاذ الراديوي المفتوحة وواجهات برمجة الشبكات.
ومع أن الولايات المتحدة معترف بها كقائد عالمي في تطوير التطبيقات، فإن التحدي الذي يواجهها يتمثل في ضمان ألا تتحول البنية التحتية الرقمية إلى عنق زجاجة يعيق النمو والابتكار.
التطلع نحو الجيل السادس
في المستقبل، سيُبنى الجيل السادس على الأساس المفتوح والقابل للبرمجة الذي أرسته شبكات الجيل الخامس المستقلة، ما يجعل هذه الأخيرة خطوة جوهرية في تطور الشبكات. وستوفر شبكات الجيل السادس المصممة أصلا لتكون مدفوعة بالذكاء الاصطناعي سرعات رفع أعلى من الجيل الخامس، إلى جانب كفاءة أكبر بكثير في استهلاك الطاقة، من خلال استخدام أكثر فاعلية للطيف الراديوي، وهو الوسيط الذي تنتقل عبره البيانات.
كما ستتضمن هذه الشبكات قدرات جديدة، مثل الدمج بين الاستشعار والاتصال، وهو ما سيمكن ليس فقط حالات استخدام جديدة، بل أيضا فئات جديدة بالكامل من الأجهزة.
وقد بدأت بالفعل المراحل المبكرة من توحيد معايير الجيل السادس، مع توقع إجراء تجارب ما قبل الإطلاق التجاري في وقت لاحق من هذا العقد. ونحن نعمل عن كثب مع مزودي خدمات الاتصالات والحكومات وشركاء السحابة والتكنولوجيا الرائدين على تطوير المعايير والهياكل التي ستشكل شبكات ثلاثينيات هذا القرن.
ومن بين المجالات التي سيحدث فيها الجيل السادس، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، تحولا جذريا:
الواقع المختلط: حيث يمكن لملايين الأشخاص استخدام نظارات خفيفة الوزن في الوقت نفسه لرؤية معلومات رقمية مدمجة مع العالم المادي من حولهم.
التنقل الذاتي: إذ تحتاج السيارات ذاتية القيادة والطائرات من دون طيار ووسائل النقل العام إلى شبكة يمكن التنبؤ بها بشكل كامل والاعتماد عليها دون أي هامش للخطأ.
الخدمات الحيوية: مع الجيل السادس، سيحصل المسعفون الأوائل ومراكز القيادة على اتصالات فائقة الاعتمادية ومضمونة باتفاقيات مستوى الخدمة.
بناء أساس مفتوح وذكي
ومع دخولنا هذه الموجة الجديدة من الاتصالات المتنقلة، ينبغي التعامل مع شبكات الجيل الخامس والجيل السادس باعتبارها بنية تحتية وطنية بالغة الأهمية. ويجب أن يكون الهدف إنشاء منظومة تقنية مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني، تمتد عبر الجيلين الخامس والسادس، والحوسبة السحابية، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وقائمة على معايير مشتركة.
كما يجب أن يعطي تصميم الشبكات أولوية قصوى للثقة والأمن، وأن يتبنى قطاع الاتصالات التغيير ويتطور ليرى في التحولات فرصا، لا مجرد مخاطر. فبدون ذلك، يبرز خطر حقيقي يتمثل في أسواق مجزأة، واستثمارات مكررة، وتقنيات غير آمنة، ومعايير غير متسقة.
وندعو الشركاء الذين يشاطروننا الرؤية من الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية إلى الانضمام إلينا في بناء المعايير المفتوحة اللازمة لمواصلة الريادة في المستقبل الرقمي.
لقد بدأت رحلتنا قبل 150 عاما في ورشة تلغراف صغيرة في ستوكهولم. واليوم، ونحن نتجه نحو الـ150 عاما القادمة، تتاح لنا فرصة نادرة لبناء نسيج رقمي ذكي يمكّن الابتكار عبر القطاعات والمجتمعات والدول.
