ملخص: تناقش هذه المقالة بطء التقدم في تحقيق المساواة بين الجنسين رغم كثرة الالتزامات، وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في غياب الأدلة بل في ضعف المساءلة القيادية. وتبرز أن الحصص ساعدت على تحسين التمثيل لكنها غير كافية دون قيادة تدمج المساواة في صلب الأداء والحوكمة. كما تحذر من مخاطر التراجع عن سياسات التنوع والشمول على القدرة التنافسية وجذب المواهب، وتخلص إلى أن القيادة القدوة، القائمة على أهداف قابلة للقياس ومسؤولية واضحة، هي السبيل الوحيد للانتقال من النوايا إلى الأثر الحقيقي.
- لا يزال التقدم في سد فجوة النوع الاجتماعي بطيئاً ومحبطاً، فعلى الرغم من تزايد حضور النساء في مجالس الإدارات، ما زلن متأخرات بشكل واضح في الوصول إلى المناصب التنفيذية العليا.
- إن موجة التراجع الحالية عن سياسات التنوع والمساواة والشمول تمثل خطأً استراتيجياً يهدد بالإضرار بالنتائج المالية للشركات.
- وحدها القيادة التي تتحمل المسؤولية وتقدّم القدوة يمكنها تحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين.
على مدى سنوات، تحدثت المؤسسات عن المساواة بين الجنسين باعتبارها أولوية. صدرت التقارير، وأُعلنت الالتزامات، وتكاثرت حملات التوعية. ومع ذلك، ظل التقدم بطيئاً بشكل مؤلم. ووفقاً لتقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، لم يُغلق عالمياً سوى 68.8% من الفجوة. وبالوتيرة الحالية، سيستغرق تحقيق المساواة الكاملة أكثر من قرن. وبصراحة: إذا لم يتغير شيء، فلن يشهد أي شخص على قيد الحياة اليوم تحقيق المساواة بين الجنسين في حياته.
هذا الجمود لا يعود إلى نقص في الأدلة. نحن نعلم أن الفرق المتوازنة بين الجنسين تبتكر بشكل أسرع، وتتخذ قرارات أفضل، وتبني ثقة أعمق مع الموظفين والعملاء والمستثمرين. المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر: في غياب قيادة ثابتة وقابلة للمساءلة قادرة على تحويل المبادئ إلى ممارسات. لم تعد المساواة بين الجنسين “ميزة إضافية”، بل أصبحت اختباراً حاسماً لنضج القيادة ومؤشراً أساسياً على قدرة المؤسسات على الصمود.
حتى في أوروبا، التي تُعد من أكثر المناطق تقدماً عالمياً، لا يزال التقدم غير متوازن. تمثل النساء اليوم 35.8% من أعضاء مجالس إدارات أكبر الشركات المدرجة في الاتحاد الأوروبي، مقارنة بـ8.2% فقط في عام 2003، وفقاً لأحدث بيانات المعهد الأوروبي للمساواة بين الجنسين. لكن عندما يتحول التركيز إلى مواقع السلطة التشغيلية الحقيقية، أي المستوى التنفيذي، تنهار الأرقام. إذ لا تتجاوز نسبة النساء في مجالس الإدارة التنفيذية في الاتحاد الأوروبي 23.9%. بمعنى آخر، يتم إشراك النساء بشكل متزايد في الغرفة، لكن لا يُمنحن بعد الثقة الكافية لإدارتها.
لماذا تُعد الحصص مهمة، ولماذا لا تكفي وحدها
كانت سياسات الحصص من أقوى محفزات التقدم. ويُظهر تقرير المساواة بين الجنسين الصادر عن المفوضية الأوروبية لعام 2024 نمطاً واضحاً:
الدول التي تعتمد حصصاً صارمة تسجل في المتوسط 39.1% من النساء في مجالس الإدارات.
الدول ذات السياسات المرنة تسجل 33.5%.
الدول التي لا تمتلك إطاراً منظماً تنخفض فيها النسبة إلى 16.6%.
تؤكد هذه الأرقام ما أثبته البحث والممارسة منذ زمن: أن أنظمة الحصص فعالة. فعلى الرغم من الشكوك الأولية، أسهمت في خلق الإلحاح، وتحقيق قدر من تكافؤ الفرص، وإحداث تقدم ملموس خلال جيل واحد.
لكن رغم أهميتها التحويلية، تبقى الحصص جزءاً من المعادلة فقط. فهي تضمن التمثيل، لكنها لا تضمن الشمول. ولا تضمن وصولاً عادلاً إلى النفوذ أو ترقيات منصفة إلى أعلى المناصب التشغيلية. وهنا يأتي دور القيادة التنظيمية.
القيادة: الحلقة المفقودة بين النية والأثر
القيادة هي التي تشكل الحوافز والسلوكيات والثقافة، وهي التي تحدد النتائج في النهاية. عندما يلتزم القادة بالمساواة، تتحرك المؤسسات. وعندما يترددون، يتوقف التقدم. والأهم أن القادة يمتلكون أدوات المساءلة: الأنظمة والتوقعات التي تشكل السلوك وتدفع النتائج.
يتطلب تسريع التقدم التعامل مع المساواة بين الجنسين كأولوية إدارية أساسية، مدمجة في الهياكل نفسها التي تقود الأداء المالي والنجاح التشغيلي. ويعني ذلك:
وضع أهداف قابلة للقياس لتحقيق تمثيل متوازن في جميع مستويات المؤسسة، وليس فقط على مستوى مجلس الإدارة.
إدماج أهداف المساواة في تقييمات الأداء، بحيث يُنظر إلى التقدم في التنوع على قدم المساواة مع المؤشرات المالية.
إرساء تقارير شفافة تتبع التقدم، وتحدد نقاط الاختناق، وتدفع إلى تعديلات قائمة على الأدلة.
هذا هو المسار الذي اختارته شركة “سوناي”. فقد أسهم التزامها بالمساواة في تعبئة المؤسسة بأكملها، مدعوماً بأهداف واضحة على جميع مستويات الإدارة، ومضمناً في تقييمات الأداء، ومتكاملاً في أساليب الإدارة والتشغيل والتمويل. ولا يزال العمل مستمراً، لكن النتائج تُظهر قوة المساءلة: إذ ارتفعت نسبة النساء في المناصب القيادية من 34% في عام 2019 إلى 41% في عام 2024، مع توقع الوصول إلى 45% بحلول عام 2026. كل خطوة إلى الأمام تؤكد أن الالتزامات القابلة للقياس تُحدث تغييراً حقيقياً.
مخاطر التراجع
تزداد أهمية هذا الالتزام المستدام في وقت تتراجع فيه بعض المؤسسات، في أسواق معينة، عن جهود التنوع والمساواة والشمول استجابة لضغوط سياسية أو ردود فعل اجتماعية أو حالة من عدم اليقين الاقتصادي. لكن التراجع عن هذه الجهود ليس خطأً أخلاقياً فحسب، بل هو أيضاً خطأ استراتيجي.
تُظهر أبحاث حديثة أن نحو 70% من المستهلكين يميلون أكثر إلى الشراء من الشركات التي تدعم بوضوح سياسات التنوع والمساواة والشمول. وترتفع هذه النسبة إلى 78% لدى الجيل “زد” و74% لدى النساء. والأهم أن 36% يخططون لمقاطعة الشركات التي تتراجع عن هذه الالتزامات.
ولا يقتصر الضغط على الخارج فقط. فالموظفون، ولا سيما الأجيال الشابة، يتخذون بشكل متزايد قراراتهم المهنية بناءً على القيم. وتشير البيانات إلى أن 76% من العاملين أكثر ميلاً للبقاء لدى صاحب عمل يدعم التنوع والمساواة والشمول. وترتفع النسبة إلى 86% لدى الجيل “زد”، بينما لن يتقدم 61% أصلاً للعمل في مؤسسة لا تدعم هذه القيم.
في ظل نقص المواهب وتسارع تحولات المهارات، فإن تجاهل هذه الإشارات يمثل مخاطرة استراتيجية. لكن إدراك هذه التوقعات ليس سوى الخطوة الأولى. فالاختبار الحقيقي يكمن في كيفية استجابة المؤسسات، وهذه الاستجابة تعتمد بشكل مباشر على القيادة.
القيادة المرئية: تحويل القيم إلى نتائج
المساواة بين الجنسين والأداء المؤسسي ليسا أولويتين متعارضتين، بل يعززان بعضهما البعض. تُظهر أحدث الدراسات أن الشركات التي تضم فرقاً تنفيذية أكثر تنوعاً تكون أكثر احتمالاً بنسبة 39% لتحقيق أداء مالي أفضل من نظرائها. فتنوع وجهات النظر يعزز الابتكار، ويقوي إدارة المخاطر، ويبني القدرة على الصمود، وهي صفات لا غنى عنها في عالم سريع التغير.
ولتحقيق هذه الفوائد، يجب أن يكون التزام القيادة واضحاً وحازماً. على الرؤساء التنفيذيين وكبار المسؤولين أن يكونوا قدوة في إحداث تغيير قابل للقياس، ليس فقط عبر التصريحات، بل من خلال القرارات وتخصيص الموارد والسلوك اليومي. لأنه لا يوجد تحول مؤسسي من دون تحول شخصي.
إن إدماج الشمول في نماذج الحوكمة يضمن أن المساواة بين الجنسين ليست مشروعاً جانبياً، بل مسؤولية مشتركة مدمجة في هيكل القيادة بأكمله. يجب على كل مسؤول تنفيذي، وكل مدير، وكل فريق أن يدرك دوره في بناء مؤسسة أكثر عدلاً.
عندما يُظهر القادة التزامهم من خلال الأفعال، يرسلون إشارة قوية: المساواة بين الجنسين عنصر أساسي في هوية المؤسسة وثقافتها وقدرتها التنافسية المستقبلية. ومن خلال مواءمة المساواة مع المساءلة، يمكن للشركات أن تطلق طاقاتها الكامنة في الصمود والميزة التنافسية. عندها فقط يمكن الانتقال من الطموح إلى الفعل، ومن الفعل إلى الأثر الحقيقي.
