القائمة الرئيسية

المروءة المؤسسية والثقة في سياقها السعودي

المروءة المؤسسية والثقة في سياقها السعودي
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على مفهوم المروءة المؤسسية كأساس لبناء الثقة داخل المؤسسات السعودية في القطاعين العام والخاص، مؤكدًا أن الثقة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل حالة عصبية قابلة للقياس، حيث يعزز الأوكسيتوسين التعاون، التعاطف، والالتزام المؤسسي، بينما يثبطه الضغط النفسي. ويشرح المقال كيف تؤثر المروءة المؤسسية على الأداء، الإنتاجية، ولاء الموظفين، ويستعرض ثماني سلوكيات قيادية قابلة للتطبيق في السياق السعودي لتعزيز الثقة، مثل الاعتراف بالتميز، إدارة ضغط التحدي، التفويض المقنن، الشفافية، بناء العلاقات الإنسانية، تنمية الموظفين، وإظهار التواضع الواعي. ويؤكد أن بيئة عمل قائمة على الثقة والمروءة المؤسسية تولد السعادة، وتخفض الإجهاد، وتزيد الانخراط والإنتاجية، ما يجعلها أداة استراتيجية لتعزيز الأداء المؤسسي وتحقيق أهداف رؤية 2030، بدل الاعتماد على الحوافز المالية المؤقتة أو الثقافة الرسمية التقليدية.

المروءة المؤسسية هي أساس متين من الجدارات والسمات القيادية التي يتميز بها القادة المتميزون والمنجزون من قيادات المؤسسات العامة وقطاع الأعمال.

هذا المقال هو إسقاط لمفهوم و تطبيقات المروءة المؤسسية المعززة بالثقة ومواءمة لأبحاث بول جي. زاك على بيئة المؤسسات العامة وقطاع الأعمال السعودي.

يعد الضغط النفسي المرتفع مثبطا قويا للأوكسيتوسين -وهو أمر يدركه الناس بحدسهم المجرد؛ إذ عندما يكونون تحت ضغط، لا يتفاعلون بفعالية مع الآخرين.

يزيد الأوكسيتوسين من تعاطف الشخص و من رقيه بالتعامل إلى مستوى المروءة المؤسسية ، وهي سمة أساسية للكائنات الاجتماعية التي تحاول العمل معا.

تعد الثقة المرتكزة على المروءة المؤسسية قضية قيادية مركزية اليوم، حيث تواجه المنظمات الحديثة - سواء كانت حكومية أو خاصة - تحديًا جوهريا يتمثل في ضعف اندماج الموظفين، وتآكل الدافعية والتحفيز، وارتفاع الضغوط التنظيمية، رغم التوسع في الحوافز المادية، والمزايا الوظيفية، والاستثمارات التقنية، حيث تظهر الأدلة البحثية بوضوح أن هذه الأدوات على أهميتها، غير كافية بمفردها لتحقيق أداء مستدام أو ولاء مؤسسي طويل الأمد. يحتاج الموظفون لاسيما في الصفوف الأمامية والقيادية إلى الثقة و التعامل بمروءة وتقدير أكثر بكثير من التحفيز المالي.

ينطلق مفهوم المروءة المؤسسية من فرضية علمية دقيقة مفادها أن الثقة التي ترتكز على المروءة المؤسسية ليست قيمة أخلاقية أو ثقافية مجردة، بل حالة عصبية - بيولوجية قابلة للقياس والإدارة، وأنها تؤثر مباشرة في الإنتاجية والابتكار، والاستقرار النفسي، والالتزام المؤسسي. وتكتسب هذه الفرضية أهمية مضاعفة في السياق السعودي، حيث تشهد المؤسسات تحولات هيكلية عميقة تشمل:

  • إعادة تعريف دور القطاع الحكومي من مشغل مباشر إلى ممكن ومنظم
  • تسارع نمو القطاع الخاص
  • بروز نماذج حوكمة جديدة
  • وتزايد الاعتماد على رأس المال البشري عالي المهارة.
في هذا السياق، تصبح الثقة التنظيمية رافعة استراتيجية لا تقل أهمية عن رأس المال أو التقنية، ويُنظر للثقة بوصفها نظامًا عصبيا محفزا للأداء، يُظهر البحث أن مادة الأوكسيتوسين - وهي ناقل عصبي - تلعب دورًا محوريا في تعزيز: 
  • الاستعداد للتعاون
  • خفض الخوف من المخاطرة الاجتماعية
  • زيادة التعاطف
  • وتحسين التنسيق الجماعي.
وعلى عكس التصورات الشائعة، لا تُحفّز هذه المادة عبر الخطاب أو الشعارات، بل عبر سلوكيات إدارية محددة يشعر معها الموظف بأن:
  • جهده مرئي ومعترف به
  • بيئة العمل عادلة وقابلة للتنبؤ
  • القيادة إنسانية وواضحة
  • وله مساحة من الاستقلالية والمسؤولية.
وهنا ينتقل النقاش من ثقافة مؤسسية" بالمعنى الخطابي إلى هندسة قيادية دقيقة للسلوك والتنظيم. الثقة وبيئة الأعمال السعودية - قراءة مقارنة 1. القطاع الحكومي السعودي يشهد القطاع الحكومي تحولات جوهرية تشمل:
  • إعادة هيكلة المنظومات الحكومية وعلاقتها بمركز الحكومة،
  • دمج وفصل المهام
  • التحول إلى نماذج الأداء والحوكمة
  • استقطاب كفاءات جديدة من السوق.
في هذا السياق، تظهر تحديات خاصة بالثقة، منها:
  • إرث طويل من المركزية الإدارية
  • ثقافة الامتثال مقابل ثقافة المبادرة
  • الحذر من الخطأ في بيئة رقابية عالية.
تطبيق إطار الثقة هنا يعني:
  • الانتقال من "التحكم " إلى "التمكين المنضبط "،
  • ربط المساءلة بالوضوح لا بالخوف
  • الاعتراف بالأداء المتميز علنا داخل الأجهزة الحكومية
  • إتاحة قدر أكبر من الاستقلالية التشغيلية للقيادات الوسطى.
في بيئة حكومية سعودية تتجه نحو النتائج والمؤشرات تصبح الثقة أداة لرفع كفاءة الإنفاق، وتسريع القرار، وتقليل الاحتكاك البيروقراطي، فيما تمثل المروءة المؤسسية القيم الراسخة التي تحكم علاقة القادة بموظفيهم. 2. القطاع الخاص السعودي القطاع الخاص أكثر تنوعًا وسرعة، لكنه يواجه بدوره تحديات مثل:
  • ارتفاع المنافسة على الكفاءات
  • تحديات استيعاب أعباء التحول الوطني لاسيما التكاليف الإضافية و الرسوم والغرامات
  • معدلات دوران وظيفي متزايدة
  • ضغوط النمو والتوسع السريع
  • فجوة بين القيادات المحلية والمواهب الشابة.
في كثير من الشركات السعودية، لا تزال الثقة تُبنى على العلاقات الشخصية أو التسلسل الهرمي، لا على أنظمة واضحة. ويشير الإطار العصبي للثقة إلى أن التحفيز الحقيقي لا يأتي من الراتب وحده، بل من: 
  • الإحساس بالهدف
  • الشعور بالعدالة
  • والقدرة على التأثير في القرار.
الشركات السعودية التي تنجح في بناء بيئة ثقة مؤسسية - لا شخصية -تكون أكثر قدرة على:
  • الابتكار،
  • تحقيق العائد للمساهمين و الموظفين والمجتمع
  • تحقيق السمعة الممتازة و الصورة الذهنية الواثقة.
  • الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية،
  • والتوسع الإقليمي والعالمي.
بالمقارنة مع الأشخاص في الشركات منخفضة الثقة، أفاد الأشخاص في الشركات ذات الثقة العالية المعززة بالمروءة المؤسسية : بوجود طاقة أكثر بنسبة 106 في العمل، وإنتاجية أعلى بنسبة 50%، وإجهاد أقل بنسبة 74%، وأيام مرضية أقل بنسبة 13، ومشاركة أكثر بنسبة 76%، ورضا أكثر عن حياتهم بنسبة 29%، وإرهاق أقل بنسبة 40%. السلوكيات القيادية الثمانية وتطبيقها في السياق السعودي 1. الاعتراف بالتميزفي الثقافة السعودية، يُعد التقدير العلني عاملا بالغ التأثير. لكن كثيرًا من المؤسسات لا تزال تربطه بالمناسبات الرسمية فقط. تشير الأبحاث إلى أن:
  • الاعتراف الفوري بقيمة الموظف من الزملاء
  • في بيئة عمل ترتكز على الشجاعة و الثقة والمروءة المؤسسية
  • والمرتبط بإنجاز ملموس هو الأكثر تأثيرًا في تعزيز الثقة.
تطبيق سعودي عملي أنظمة تقدير شفافة ومستدامة وتعامل صادق و عادل من قادة المؤسسات الحكومية والشركات، تتجاوز خطاب الشكر " إلى سرد قصة الإنجاز وأثره باعتباره عطاءا مستداماً  2. إدارة "ضغط التحدي " بدل ضغط الخوف التكليف بأهداف صعبة لكن قابلة للتحقيق يحفز الأداء، بينما الأهداف الضبابية أو المستحيلة تقتل الدافعية.في السياق السعودي. ربط مبادرات التحول بالجدارات المرتكزة على المصداقية و الثقة والكفاءة للقائد و التعامل معه بميزان التقدير والمروءة وفق أهداف مرحلية واضحة، مع مراجعة مستمرة بدل التهديد بالمحاسبة المتأخرة. 3 الاستقلالية المقننة الثقة لا تعني غياب الرقابة، بل وضوح الإطار في بيئات العمل السعودية، غالبًا ما يُساء فهم التفويض.التطبيق الأمثل:تفويض الصلاحيات التشغيلية مقابل مؤشرات أداء واضحة خاصة في القيادات المتوسطة. 4. تمكين تشكيل الوظائف وفق الجدارة والسياق التراتبي القيمي، وليس التنظيم الإداري المجرد السماح للموظفين باختيار المشاريع التي تتوافق مع مهاراتهم يعزز الالتزام.في السعودية هذا النهج مناسب بشكل خاص لجيل الشباب، والكوادر التقنية، وبيئات الابتكار وريادة الأعمال. 5 الشفافية وتبادل المعلومات نقص المعلومات عند التعامل مع الموظفين يولد الاحساس بعدم الاهمية ونقص الثقة بالموظف و يمهد لانتشار الشائعات والقلق. تشير البيانات إلى أن الشفافية تقلل الضغط النفسي وترفع الثقة. تحد سعودي شائع:التحفظ المفرط في مشاركة التوجهات الاستراتيجية مع الزملاء في المؤسسات الحكومية او المؤسسات الحكومية الأخرى التي تحتاج إلى معرفة التوجهات الاستراتيجية. الحل وضع حوكمة لمشاركة التوجهات الاستراتيجة و مشاركة "سبب القرار " بعدم اطلاع الزملاء على المعلومات حتى إن لم تشارك كل تفاصيله. 6. بناء العلاقات الإنسانية المعززة بالفخر والاعتزاز العمل ليس فقط إنجاز مهام، بل شبكة علاقات الثقافة السعودية بطبيعتها اجتماعية تقدر الانتماء والفخر الوطني لكن بيئات العمل الرسمية المتسمة بالتحفظ غالبا تكبح ذلك. التطبيق مساحات تفاعل إنساني منضبطة تعزز الانتماء و الشعور بالفخر والقيمة دون الإضرار بالاحترافية. 7. تنمية الإنسان بسياقه الشموليالتطوير المهني وحده غير كافٍ. القائد الذي يهتم بنمو الإنسان يخلق ولاء أعمق. في السعودية يتماشى هذا مع التحول نحو جودة الحياة والتوازن الوظيفي. 8. إظهار القائد للضعف الواعي والتواضع أمام موظفيهالقائد الذي يطلب المساعدة لا يفقد هيبته، بل يعزز الثقة.في الثقافة السعوديةهذا يتطلب انتقالا من نموذج "القائد العارف بكل شيء " إلى "القائد الممكن". العائد الاستراتيجي للثقة وتعزيز ممارسات المروءة المؤسسية في المملكة تشير النتائج إلى أن المنظمات عالية الثقة التي يتعامل قادتها بمروءة مؤسسية وتقدير عال للموظفين تحقق: 
  • إنتاجية أعلى،
  • اندماجا وظيفيًا أقوى
  • ضغوطا أقل،
  • وولاء أطول.
في السياق السعودي، يعني ذلك:
  • كفاءة أعلى في تنفيذ رؤية 2030
  • تقليل الهدر الإداري
  • تعزيز تنافسية القطاع الخاص
  • وبناء رأس مال بشري وطني مستدام.
الخلاصة القياديةالمروءة المؤسسية و الثقة ليست قيمة ناعمة"، بل بنية تحتية غير مرئية للأداء العالي والقيادة في المملكة - حكومية كانت أو خاصة - تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من: إدارة الناس عبر الأنظمة ... إلىقيادة الناس عبر الثقة والمروءة المؤسسية المدعومة بالعلم و الحوكمة الرشيدةيدرك القادة أن انخفاض اندماج الموظفين وتدني انتمائهم مؤشر على ضياع قيمة حقيقية، وهو أمر يسعون بوضوح إلى معالجته. لكن معظمهم لا يعرف كيف يفعل ذلك، فيلجأ إلى تقديم مزايا عشوائية على أمل أن تحدث فرقا. الحليتضح أن إنشاء ثقافة قائمة على الثقة تعامل أساسه المروءة المؤسسية أكثر فاعلية بكثير. تظهر أبحاث علم الأعصاب أن تحقيق ذلك ممكن عبر ثماني سلوكيات إدارية رئيسية تحفز إنتاج الأوكسيتوسين، وهو مادة كيميائية في الدماغ تسهل العمل الجماعي. العائدمن خلال تعزيز الثقة التنظيمية، يمكنك زيادة إنتاجية الموظفين ومستويات طاقتهم، وتحسين التعاون، وبناء قوة عاملة أكثر سعادة وولاء. لماذا تسعى الشركات إلى الثقة ؟ تحاول الشركات اليوم بشتى الطرق تمكين موظفيها وتحفيزهم. وهي محقة في قلقها إزاء الحالة المتردية لاندماج العاملين، نظرا لحجم القيمة التي تفقد نتيجة ذلك. فوفقا للتحليل التجميعي الذي أجرته مؤسسة Gallup على بيانات تمتد لعقود، فإن الاندماج المرتفع - الذي يُعرف إلى حد كبير بوجود ارتباط قوي بالعمل والزملاء، والشعور بالمساهمة الحقيقية، وتوافر فرص التعلم - يؤدي باستمرار إلى نتائج إيجابية للأفراد والمنظمات على حد سواء. وتشمل هذه النتائج إنتاجية أعلى، وجودة أفضل للمنتجات، وربحية أكبر. ومن ثم، فمن الواضح أن بناء ثقافة تركز على الموظف يمكن أن يكون مفيدا للأعمال. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك بفعالية ؟ غالبًا ما تصمم الثقافة التنظيمية بصورة ارتجالية حول مزايا عشوائية مثل الوجبات الفاخرة أو :اللقاءات المؤسسية في المنتجعات الفاخرة كما يحدث في العلا ومنتجعات البحر الأحمر ونحوها ". وغالبا ما تكون هذه الحلول المؤقتة خاضعة لشحنات تحفيزية و نفسية عابرة. وعلى الرغم من الأدلة التي تشير إلى أنه لا يمكن شراء الرضا الوظيفي بجرعات مؤقتة، لا تزال المنظمات تستخدم ما يُسمى بـ "الأصفاد الذهبية" للاحتفاظ بالموظفين المتميزين. ورغم أن هذه الجهود قد تعزز السعادة في مكان العمل على المدى القصير، فإنها تفشل في إحداث تأثير دائم على الاحتفاظ بالمواهب أو على الأداء، كما تحدثه استدامة التقدير المبني على التعامل بمروءة و عدالة ومصداقية. الثقة والمروءة المؤسسية المستدامة هي الفارق الحقيقيوجدت في الكثير من الأبحاث أن بناء ثقافة قائمة على الثقة هو ما يُحدث الفرق الحقيقي.فالموظفون في المنظمات عالية الثقة يكونون أكثر إنتاجية وأكثر نشاطا في العمل، ويتعاونون بشكل أفضل مع زملائهم ويبقون مع أصحاب عملهم لفترات أطول مقارنة بمن يعملون في بيئات عمل منخفضة الثقة.كما أنهم يعانون من ضغوط مزمنة أقل، ويتمتعون بسعادة أكبر في حياتهم، وهو ما يغذي أداء أقوى و مستدام. يدرك القادة خطورة الأمر - على الأقل من حيث المبدأ. ففي استطلاع PWC العالمي للرؤساء التنفيذيين، أفاد 55% من الرؤساء التنفيذيين بأن نقص الثقة يشكل تهديدا لنمو منظماتهم. لكن معظمهم لم يفعل سوى القليل لزيادة الثقة، ويرجع ذلك أساسا إلى أنهم لا يعرفون من أين يبدأون. وفي هذا المقال، أقدم إطارًا قائما على العلم يمكن أن يساعدهم في ذلك. ماذا يحدث في الدماغ؟ قبل نحو عقد من الزمن، وفي محاولة لفهم كيفية تأثير ثقافة الشركة على الأداء، بدأت أبحاث منهجية جادة بقياس نشاط الدماغ لدى الأشخاص أثناء عملهم . وقد كشفت تجارب علم الأعصاب عن طرق يمكن للقادة من خلالها إنشاء ثقافة الثقة وإدارتها بفعالية. سأصف هذه الاستراتيجيات وأشرح كيف تستخدمها بعض المنظمات بنجاح. ولكن أولا، دعونا نلقي نظرة على العلم الكامن وراء هذا الإطار. في عام 2001 ، اشتق الباحث المرموق بول زاك المدير المؤسس لمركز دراسات الاقتصاد العصبي وأستاذ الاقتصاد وعلم النفس والإدارة في جامعة كليرمونت للدراسات العليا إشتق علاقة رياضية بين؛ الثقة، و الأداء الاقتصادي. وعلى الرغم من أن الورقة البحثية التي نشرت آنذاك وصفت البيئات الاجتماعية والقانونية والاقتصادية التي تفسر الفروق في مستويات الثقة، فإنني لم أستطع الإجابة عن أبسط سؤال: لماذا يثق شخصان ببعضهما في المقام الأول؟أظهرت تجارب عديدة حول العالم أن البشر ميالون بطبيعتهم إلى الثقة بالآخرين - ولكن ليس دائما. وافترضت أن هناك إشارة عصبية تشير إلى متى ينبغي لنا أن نثق بشخص ما. الأوكسيتوسين والثقة يقول زاك كنتُ أعلم أن مادة كيميائية في الدماغ تسمى الأوكسيتوسين قد ثبت في القوارض أنها تشير إلى أن حيوانًا آخر آمن ويمكن الاقتراب منه. وتساءلت عما إذا كان الأمر ذاته ينطبق على البشر. لم يكن أحد قد درس ذلك من قبل، فقررت التحقيق فيه.القياس الثقة وتبادلها (أي الجدارة بالثقة بصورة موضوعية استخدم فريقي مهمة قرار استراتيجية طورها باحثون في مختبر الاقتصادي الحائز على نوبل فيرنون سميث. في هذه التجربة، يختار المشارك مقدارًا من المال لإرساله إلى شخص غريب عبر الحاسوب، مع العلم أن المبلغ سيتضاعف ثلاث مرات، وأن المستلم قد يشارك العائد أو يحتفظ به لنفسه. وهنا يكمن الصراع: فالمستلم يمكنه إما الاحتفاظ بكل المال أو أن يكون جديرا بالثقة ويشاركه مع المرسل. لقياس مستويات الأوكسيتوسين أثناء هذا التبادل، طورنا بروتوكولا لسحب عينات دم من أذرع المشاركين قبل وبعد اتخاذ قرارات الثقة مباشرة. ولم نخبر المشاركين بطبيعة الدراسة حتى لا نؤثر في سلوكهم، خاصة وأنه لا يمكنهم التحكم الواعي في كمية الأوكسيتوسين التي ينتجها الدماغ. ووجدنا أنه كلما زاد المال الذي يتلقاه الشخص - بما يعكس ثقة أكبر من المرسل - زاد إنتاج دماغه من الأوكسيتوسين. كما أن كمية الأوكسيتوسين المتولدة تنبأت بدرجة جدارة الشخص بالثقة، أي احتمالية مشاركته المال مع المرسل. إثبات العلاقة السببية وبما أن الدماغ ينتج مواد كيميائية ناقلة باستمرار، كان من الممكن أن نكون قد لاحظنا تغيرات عشوائية في الأوكسيتوسين. ولإثبات أنه يسبب الثقة بالفعل، قمنا بإعطاء جرعات آمنة من الأوكسيتوسين الصناعي إلى أدمغة بشرية حية عن (طريق رذاذ أنفي). وبمقارنة المشاركين الذين تلقوا الجرعة الفعلية بأولئك الذين تلقوا علاجًا وهميًا، وجدنا أن إعطاء 24 وحدة دولية من الأوكسيتوسين الصناعي أدى إلى أكثر من مضاعفة المبلغ الذي يرسله الأشخاص إلى الغرباء. وباستخدام مجموعة متنوعة من الاختبارات النفسية، أثبتنا أن من تلقوا الأوكسيتوسين ظلوا سليمين إدراكيا، ولم يظهروا ميلا مفرطًا للمخاطرة في مهامهم. وبالتالي، لم تكن زيادة الثقة نتيجة لانفلات عصبي، بل كان تأثير الأوكسيتوسين محصورًا في تقليل الخوف من الثقة بالغرباء. من المختبر إلى الواقع أمضى فريقي بعد ذلك عشر سنوات إضافية في إجراء تجارب لتحديد العوامل التي تعزز أو تثبط إنتاج الأوكسيتوسين. وقد أوضحت هذه الأبحاث سبب اختلاف مستويات الثقة بين الأفراد والمواقف. فعلى سبيل المثال، يُعد الضغط النفسي المرتفع مثبطا قويا للأوكسيتوسين - وهو أمر يدركه الناس حدسيا؛ إذ عندما يكونون تحت ضغط، لا يتفاعلون بفعالية مع الآخرين. كما اكتشفنا أن الأوكسيتوسين يزيد من تعاطف الشخص و من رقيه بالتعامل إلى مستوى المروءة المؤسسية ، وهي سمة أساسية للكائنات الاجتماعية التي تحاول العمل معا. وللتأكد من صحة هذه النتائج خارج المختبر، أجرينا تجارب ميدانية في مواقع عمل متعددة قسنا فيها مستويات الأوكسيتوسين وهرمونات الضغط، ثم قيمنا إنتاجية الموظفين وقدرتهم على الابتكار. هذا البحث قادني إلى غابات بابوا غينيا الجديدة المطيرة لقياس الأوكسيتوسين لدى السكان الأصليين، للتحقق مما إذا كانت العلاقة بين الأوكسيتوسين والثقة عالمية - وقد تبين أنها كذلك. وبالاستناد إلى هذه النتائج، طورت أداة مسحية تقيس الثقة والمروءة المؤسسية داخل المنظمات من خلال قياس عناصرها المكونة. وقد مكنتني هذه الأداة من دراسة آلاف الشركات وتطوير إطار عمل إداري متكامل. كيف تدار الثقة في بيئة معززة للمروءة المؤسسية؟ من خلال التجارب والاستبيانات حددت ثماني سلوكيات إدارية تعزز الثقة. هذه السلوكيات قابلة للقياس، ويمكن إدارتها لتحسين الأداء. كيف تخلق الثقة السعادة؟ تظهر التجارب أن الشعور بهدف أسمى يحفز إنتاج الأوكسيتوسين، كما تفعل الثقة. ثم يعزز كل من الثقة والهدف الآخر بشكل متبادل، ما يوفر آلية لإطلاق ممتد للأوكسيتوسين، وهو ما يولد السعادة.وهكذا، فإن السعادة في العمل تنبع من أداء عمل ذي معنى ضمن فريق موثوق. وفي مجموعة بيانات وطنية ممثلة بلغ الارتباط بين الثقة المعززة بالهدف) و (السعادة 0.77، وهو ارتباط مرتفع جدًا. وهذا يعني أن السعادة يمكن اعتبارها مؤشرا كافيًا يكشف مدى فاعلية ثقافة الشركة في إشراك الموظفين. ولقياس ذلك، يكفي طرح سؤال بسيط "إلى أي مدى تستمتع بعملك في يوم عمل عادي ؟" خاتمةقال الرئيس التنفيذي السابق لشركة هيرمان میلر Herman Miller ماكس دي بري: أولى مسؤوليات القائد هي تعريف الواقع. وآخرها أن يقول شكرا. وبين الأمرين، يجب على القائد أن يصبح خادماً لفريقه و موظفيه".. متمتعاً بأعلى درجات المروءة المؤسسية.وتدعم التجارب التي أجريتها هذا الرأي بقوة. ففي النهاية. تُبنى الثقة من خلال تحديد اتجاه واضح، وتزويد الناس بما يحتاجون إليه لتحقيقه، والتعامل معهم بثقة في بيئة معززة للمروءة المؤسسية و التقدير ثم تركهم يعملون دون عرقلة طالما قاموا بأدوارهم بمهنية و منهجية. الأمر لا يتعلق بالتساهل أو بخفض التوقعات بل بمحاسبة الناس دون إدارة دقيقة خانقة وتشكيك مستمر، ومعاملتهم كراشدين مسؤولين. المصدر

مقالات ذات صلة