القائمة الرئيسية

علم تصميم القوى العاملة: كيف نبني محرّك المواهب لمستقبل الرعاية الصحية

علم تصميم القوى العاملة: كيف نبني محرّك المواهب لمستقبل الرعاية الصحية
ملخص المقال

إن التعقيد ليس بالضرورة عائقاً أمام الابتكار. فكثير من الناس تحفزهم التحديات ويرغبون في حل مشكلات ذات معنى. وأصبح من الضروري اليوم إنشاء أنظمة تمكّنهم من ذلك، حتى في ظل التغير السريع، للحفاظ على التقدم العلمي.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة الحاجة الملحّة إلى إعادة تصميم القوى العاملة في قطاع الرعاية الصحية من الجذور، في ظل تقاطع التحولات الديموغرافية ونقص المواهب العلمية وتسارع الذكاء الاصطناعي وتغيّر أنماط القيادة، مؤكدة أن التحدي الحقيقي ليس في نقص المهارات بل في كيفية تنظيم العمل ذاته. وتدعو إلى نموذج تشغيلي جديد قائم على تصنيفات موحّدة للمهارات، وأساليب عمل مرنة، وشراكات بين الصناعة والأكاديميا وصنّاع السياسات، مع إبراز دور الغاية والشغف في تمكين العاملين من التكيّف والابتكار، بما يضمن بناء محرّك مواهب قادر على دعم مستقبل الرعاية الصحية وخدمة الصالح العام.

  • مع تعدد القوى التي تعيد تشكيل عالم العمل، بات على قطاع الرعاية الصحية أن يعيد تصميم أنظمته من الأساس.
  • ويجب أن يتجاوز هذا التحول مجرد إعادة تصميم المهارات، ليصل إلى تعريف نموذج تشغيلي جديد لكيفية عمل المؤسسات العلمية في هذا العصر.
  • كما أن تنمية الإحساس بالغاية والشغف لدى القوى العاملة أصبحت ضرورة لدفع هذا التغيير البنيوي وضمان مستقبل الرعاية الصحية.

إن القوى التي تعيد تشكيل مستقبل العمل أكبر بكثير من مجرد الاضطراب التكنولوجي والذكاء الاصطناعي. فالتغيرات الديموغرافية، وتعاقب الأجيال في القيادة، والمنافسة العالمية على مواهب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إضافة إلى شيخوخة السكان، تتقاطع جميعها في الوقت نفسه، ما يخلق تحدياً هيكلياً سيعيد تعريف كيفية الابتكار وكيفية تقدم الصحة العالمية.

شهد العام الماضي نقطة تحول مهمة، إذ تجاوز جيل الألفية جيل إكس من حيث نسبة شغل المناصب الإدارية للمرة الأولى، ما يشير إلى أن الصوت القيادي المهيمن في معظم المؤسسات سيستمر في التحول نحو قادة من جيل الألفية في السنوات المقبلة. ويأتي هذا الانتقال في وقت يتقلص فيه المعروض من المواهب العلمية المتخصصة وتشتد فيه المنافسة العالمية على مسارات العلوم والتكنولوجيا. وبالنسبة للقطاعات القائمة على العلوم، التي تعتمد على مهنيين ذوي تدريب علمي عال، تمثل هذه الحقائق الديموغرافية خطراً حقيقياً وعميقاً.

ومع تسارع تأثير الذكاء الاصطناعي، الذي يغيّر سير العمل واحتياجات المهارات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على التكيف، تصبح هذه التقاطعات أكثر تأثيراً. فالمسألة هنا ليست مشكلة نقص مواهب، بل مشكلة تصميم قوى عاملة، ولها تداعيات ستنعكس على الشركات والدول ومجتمع الصحة العالمي بأسره.

إن التعقيد ليس بالضرورة عائقاً أمام الابتكار. فكثير من الناس تحفزهم التحديات ويرغبون في حل مشكلات ذات معنى. وأصبح من الضروري اليوم إنشاء أنظمة تمكّنهم من ذلك، حتى في ظل التغير السريع، للحفاظ على التقدم العلمي.

لماذا يتطلب المستقبل إعادة تصميم العمل لا مجرد المهارات

إن الأطر التنظيمية التي تعتمد عليها معظم الشركات بُنيت لواقع ديموغرافي مختلف، واقع يتميز بقوى عاملة متنامية، ومسارات قيادية متوقعة، وإمدادات مستقرة من المواهب المتخصصة. ذلك العالم لم يعد قائماً.

في هذا السياق، لا تكفي التعديلات التدريجية. بل يتعين على المؤسسات إعادة التفكير في العمل من جذوره. وتشمل التحولات المطلوبة ما يلي:

  • ليس التركيز على الوصف الوظيفي فقط، بل على تصميم العمل نفسه، بما في ذلك كيفية تطور الأدوار بمرور الوقت.

  • ليس المخططات التنظيمية التقليدية، بل الأنظمة التي تمكّن التعاون والمرونة بين الوظائف بدلاً من الهياكل الهرمية السابقة.

  • ليس برامج تدريب معزولة، بل نماذج تشغيلية على مستوى القطاع تعكس واقع تقلص أحواض المواهب وتسارع الطلب العلمي.

لقد حان الوقت لبناء قوالب وتصنيفات ومقاربات جديدة لاستثمار رأس المال البشري، مع الإقرار بأن مستقبل الابتكار يعتمد على قوى عاملة مرنة، قادرة على التكيف، ومتمكنة علمياً.

ما الخطوة التالية: إعادة تصميم جماعية للعمل

إن تقاطع التغير الديموغرافي، ونقص مواهب العلوم والتكنولوجيا، وتعاقب الأجيال، والتطور التكنولوجي السريع، يتطلب استجابة تتجاوز تخطيط القوى العاملة التقليدي. فلن يكون تعديل أعداد الموظفين أو تحديث الكفاءات كافياً. المطلوب هو إعادة تصميم شاملة للعمل على مستوى القطاع، أي نموذج تشغيلي جديد لكيفية عمل المؤسسات العلمية في عصر الاضطراب المستمر.

وينبغي أن يشمل هذا النهج المعاد تصميمه للعمل ما يلي:

  • تصنيف موحد للمهارات في مجالي التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية. فلا ينبغي لكل شركة أن تعيد اختراع العجلة. إن وجود لغة مشتركة للقدرات التقنية والعلمية والتحليلية والقيادية الناشئة سيسرّع التنقل والتعاون وإعادة التأهيل عبر القطاع.

  • إعادة التفكير في كيفية تنظيم العمل. فمع تحول التوازن بين الخبرة البشرية والقدرات الرقمية بفعل الذكاء الاصطناعي والأتمتة، ستصبح هناك حاجة إلى مسارات عمل ونماذج فرق وأنظمة صنع قرار جديدة.

  • إعادة بناء المنظومة التي تنتج المواهب العلمية. فتقلص مسار العلوم والتكنولوجيا مشكلة نظامية. ويتعين على الصناعة والأوساط الأكاديمية وصناع السياسات التعاون لتعزيز المسارات المؤدية إلى المهن العلمية على مستوى العالم.

  • دعم المؤسسات والموظفين خلال التغير المستمر. فهذه إعادة التصميم ستتطور على مدى العقد المقبل، وستتطلب من القادة توفير الوضوح والاستقرار والاستثمار المتواصل في قواهم العاملة.

ليست فترات التحول جديدة على عالم الأعمال. فبعد الحرب العالمية الثانية، اعتمدت الصناعات حول العالم أطر تشغيل جديدة، مثل إدارة الجودة الشاملة، أعادت تشكيل الميزة التنافسية لجيل كامل. واليوم تحتاج علوم الحياة إلى إعادة تفكير مماثلة، إلى نموذج جديد لكيفية إنجاز العمل، يستند إلى واقع العقد المقبل.

الغاية والشغف من أجل التحول

على الرغم من أن التحول القادم هيكلي بطبيعته، فإن نجاحه يعتمد في النهاية على الناس. فتصميم أنظمة جديدة لا يمثل سوى نصف العمل، أما ترسيخها فيتطلب قوى عاملة منخرطة، ومتحفزة، وقادرة على الصمود خلال التغيير.

إن الغاية والشغف ليسا بديلاً عن الاستراتيجية، بل هما الشرطان اللذان يمكّنان الأفراد من التعامل مع التعقيد، والتكيف مع المتطلبات المتغيرة، والحفاظ على أداء عالٍ خلال فترات التحول.

فالغاية تربط العمل الفردي برسالة تحسين صحة الإنسان، بينما يحافظ الشغف على الالتزام في مواجهة التحديات الملازمة للاكتشاف العلمي. ومعاً، يخلقان بيئة يتعامل فيها الموظفون مع المشكلات الصعبة بعزيمة وإصرار، وهي سمة أساسية عندما تصبح التحديات التي تواجه البشرية أكثر تعقيداً.

وستكون المؤسسات التي تنمّي الوضوح والانسجام والشعور بالانتماء أكثر استعداداً لإدارة وتيرة التحول وضغوطه.

الاستعداد لقوى عاملة المستقبل

في شركة ريجينيرون، تشكل هذه القوى الديموغرافية والعلمية والتكنولوجية أساس تخطيطنا للمستقبل العلمي. ويتركز استعدادنا لما هو قادم على تطوير الأشخاص الذين سيدفعون هذا التقدم.

نحن نبني قدرات رقمية شاملة من خلال مبادرات متعددة، بما في ذلك دعم مسار العلوم والتكنولوجيا عبر البرامج والشراكات، إضافة إلى أكاديميتنا الداخلية للذكاء الاصطناعي، التي تزوّد الموظفين في مختلف الوظائف بالمهارات الأساسية في التقنيات الناشئة. ونرافق ذلك بثقافة انتماء وغاية مشتركة، تتجلى في مؤشرات مشاركة تتجاوز باستمرار المعايير الخارجية، لأن الناس يتكيفون بشكل أفضل عندما يشعرون بالارتباط بعملهم وببعضهم البعض.

كما نؤكد على التعاون عبر التخصصات والمناطق الجغرافية لضمان انسياب الأفكار بسلاسة، ونستعد للتحولات الديموغرافية من خلال تعزيز مسارات المواهب الداخلية والتخطيط للقيادة العلمية المستقبلية. وتشكل هذه الجهود نهجاً متكاملاً لتصميم القوى العاملة، متجذراً في الواقع العلمي والديموغرافي والتكنولوجي للعقد المقبل.

الرعاية الصحية من أجل الصالح العام

لا يمكن لأي مؤسسة واحدة أن تحل تحديات تصميم القوى العاملة التي تواجه علوم الحياة. فالقوى التي تعيد تشكيل المواهب هي قوى نظامية، وتتطلب تنسيقاً بين الصناعة والأوساط الأكاديمية والقطاع العام.

ومع ذلك، فإن قطاع علوم الحياة في موقع فريد لقيادة هذا الجهد. إذ يمكنه جمع الخبرات العابرة للقطاعات اللازمة لبناء أطر مشتركة لإعادة تصميم العمل، وتطوير تصنيفات موحدة للمهارات، وإرساء نماذج قابلة للتوسع لتنمية المواهب العلمية عالمياً. ولا يمكننا انتظار إجماع كامل، بل يجب أن نضع جدول الأعمال ثم نشرك الشركاء في دفعه قدماً.

إن القرارات التي سنتخذها خلال العقد المقبل ستحدد ليس فقط مستقبل الابتكار، بل مستقبل الرعاية الصحية نفسها. وإذا أعدنا تصميم العمل بوضوح وتنسيق وفهم حديث لرأس المال البشري، فسنتمكن من بناء قوى عاملة قادرة على مواجهة أكثر التحديات الصحية إلحاحاً في العالم.

وينبغي أن تسترشد الرعاية الصحية وعلوم الحياة بمبدأ بسيط: تحدي كل شيء من أجل الصالح العام. فهذا المبدأ هو ما يدفعنا للاستعداد لما هو قادم والمساهمة في الجهد الجماعي اللازم للحفاظ على الابتكار العلمي الذي سيعود بالنفع على المرضى لأجيال قادمة.

المصدر

مقالات ذات صلة