ملخص: تناقش هذه المقالة التحول العميق في مكانة أوروبا الوسطى والشرقية من منطقة «تلحق بالركب» إلى محرك أساسي للنمو الأوروبي، وتجادل بأن التحدي الحقيقي لم يعد تحقيق النمو بل توجيهه ضمن رؤية إقليمية طويلة الأمد. وتبرز أن التغيرات الجيوسياسية، وأمن الطاقة، والتحولات الصناعية منحت المنطقة وزناً اقتصادياً واستراتيجياً غير مسبوق، في مقابل استمرار فجوات في الابتكار، والديموغرافيا، والبنية التحتية، وأسواق رأس المال. وتخلص المقالة إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب حواراً إقليمياً منظماً ورؤية اقتصادية مشتركة في مجالات الصناعة والطاقة والمهارات والربط المالي، لأن النمو المتوازي من دون تنسيق لن يكون كافياً، ولأن «معاً أقوى» هو المسار الواقعي الوحيد لترسيخ مستقبل أوروبا.
- لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت أوروبا الوسطى والشرقية قادرة على تحقيق النمو، بل ما إذا كان بالإمكان توجيه هذا النمو نحو استراتيجية متماسكة وطويلة الأمد.
- ويتطلب ذلك أمراً لم تُتقنه أوروبا تاريخياً على نحو كافٍ: حواراً إقليمياً مستداماً ومنظماً.
- ولكي تستفيد المنطقة بالكامل من مزاياها، فإنها تحتاج إلى رؤية اقتصادية مشتركة، لا إلى مجموعة من الاستراتيجيات الوطنية المتوازية.
- فـ«معاً أقوى» ليست مجرد شعار، بل هي المسار الواقعي الوحيد للحفاظ على التقارب وترسيخ مستقبل أوروبا.
على مدى معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، نُظر إلى أوروبا الوسطى والشرقية بوصفها «مشروع التقارب» الأوروبي، أي مجموعة من الاقتصادات التي تسعى إلى اللحاق بالركب والتحديث والاندماج في السوق الموحدة. لكن هذه الرواية لم تعد دقيقة اليوم. فالمنطقة باتت أحد المحركات الرئيسية للنمو الأوروبي، ومسؤولة عن الجزء الأكبر من التوسع الصناعي في الاتحاد الأوروبي، وعن حصة متزايدة من صادراته، فضلاً عن كونها الأكثر ديناميكية في التحولات الجارية في مجالي الدفاع والطاقة.
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت المنطقة قادرة على النمو، بل ما إذا كان هذا النمو يمكن توجيهه ضمن استراتيجية متماسكة طويلة الأمد. وهذا يتطلب حواراً إقليمياً دائماً ومنظماً، وهو مجال نادراً ما برعت فيه أوروبا.
تحدي التنسيق
تبرز الحاجة إلى تعاون أعمق اليوم بقوة أكبر من أي وقت مضى خلال العقدين الماضيين. فالجغرافيا الاقتصادية لأوروبا آخذة في التغير. ففي حين يُتوقع أن لا يتجاوز نمو منطقة اليورو 0.8% العام المقبل، تواصل معظم دول أوروبا الوسطى والشرقية النمو بمعدلات تتراوح بين 3 و4%. وتمثل بولندا والتشيك وسلوفاكيا والمجر ورومانيا ودول البلطيق اليوم قرابة خمس الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي على أساس تعادل القوة الشرائية، بعد أن كانت 13% فقط قبل 20 عاماً. وهذا التحول ليس مجرد ظاهرة إحصائية، بل يعكس انتقال التصنيع، واستيعاب أموال الاتحاد الأوروبي، وظهور ممرات جديدة لسلاسل التوريد تتجه بشكل متزايد من الشمال إلى الجنوب بدلاً من الغرب إلى الشرق.
كما أصبحت القضايا الأمنية محركاً لا يقل أهمية. فقد غيّرت الحرب في أوكرانيا من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة. ومن المتوقع أن تنفق بولندا أكثر من 4% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع العام المقبل، وهو أعلى معدل داخل حلف الناتو بعد الولايات المتحدة. كما تعمل رومانيا ودول البلطيق على توسيع قدراتها بسرعة، وأصبحت المنطقة ككل تمثل أكثر من 20% من مشتريات الدفاع الأوروبية. وتحولت الممرات اللوجستية عبر بولندا وسلوفاكيا ورومانيا إلى شرايين أساسية للدعم العسكري والإنساني في أوروبا. أما أمن الطاقة، الذي كان يُعد أمراً مسلّماً به في أوروبا الغربية، فقد أصبح ركيزة أساسية للسياسات العامة. ففي غضون عامين فقط، خفّضت المنطقة اعتمادها على الغاز الروسي من أكثر من 50% إلى أقل من 20%، بفضل قدرات جديدة للغاز الطبيعي المسال، وربط الشبكات، وتنويع العقود. ومن الصعب تخيّل تحوّل بهذه السرعة والحجم دون وجود حد أدنى من الفهم الاستراتيجي المشترك.
ورغم ذلك، فإن هذا الوزن الاقتصادي والجيوسياسي الجديد يقوم فوق مجموعة من التوترات الهيكلية غير المحسومة. فالمنطقة تواصل التقارب من حيث الأجور والإنتاجية، لكنها لا تفعل ذلك بالوتيرة نفسها في مجال الابتكار. إذ تنفق أوروبا نحو 2.2% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، وهو مستوى أدنى بكثير من الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية. ولا تزال معظم اقتصادات أوروبا الوسطى والشرقية مندمجة بعمق في التصنيع والتجميع أكثر من البحث وملكية المعرفة. كما تشكل التحولات الديموغرافية قيداً متزايداً، إذ يُتوقع أن ينخفض عدد السكان في سن العمل بنحو 8% بحلول عام 2030. ورغم توسع البنية التحتية، فإنها لا تزال غير متوازنة، حيث يقدّر بنك الاستثمار الأوروبي أن المنطقة تحتاج إلى نحو 400 مليار يورو من الاستثمارات في الطاقة والشبكات بحلول عام 2035، فضلاً عن مليارات أخرى لتحديث السكك الحديدية والموانئ. أما أسواق رأس المال، وعلى الرغم من التقدم المحقق، فما زالت مجزأة. فالبورصات في وارسو وبراغ وبودابست مجتمعة أصغر من بورصة متوسطة الحجم في أوروبا الغربية، ما يحد من السيولة والتقييم وفرص التخارج.
على الورق، تبدو هذه الفجوات تحديات سياسية قابلة للمعالجة. لكن في الواقع، هي تحديات تنسيق بالدرجة الأولى. فلا تستطيع أي دولة في المنطقة معالجتها بمفردها، كما أن آليات الاتحاد الأوروبي، على تماسكها، تعمل أحياناً وفق جداول زمنية ومنظورات سياسية لا تعكس دائماً الاحتياجات الأكثر إلحاحاً لاقتصادات المنطقة. ومن ثم، فإن التشاور الإقليمي المنظم لا يشكل بديلاً عن الاندماج الأوروبي، بل مكملاً له يعزّزه.
رؤية اقتصادية مشتركة
لكي تستفيد المنطقة بالكامل من مزاياها، فإنها تحتاج إلى رؤية اقتصادية مشتركة بدلاً من استراتيجيات وطنية متوازية. ويجب أن يركّز الجزء الأول من هذه الرؤية على القاعدة الصناعية والطاقية لأوروبا. فالتحول نحو الكهربة والتصنيع منخفض الكربون يعيد بالفعل تشكيل تدفقات الاستثمار. وتُبنى مصانع البطاريات، وخطوط تغليف أشباه الموصلات، ومراكز جديدة لإلكترونيات الطاقة في بولندا والتشيك وسلوفاكيا والمجر، وليس في أوروبا الغربية. وتعتمد هذه الاستثمارات على أنظمة طاقة موثوقة، ميسورة التكلفة، وقابلة للتنبؤ. ومن شأن التخطيط المنسق لقدرات الشبكات، وأطر الشراء المشترك للطاقة، وتسريع إجراءات الترخيص عبر الحدود أن يخفض التكاليف ويسمح للمنطقة بالتوسع بوتيرة أسرع بكثير مما هو ممكن حالياً.
أما الجزء الثاني من الرؤية فيتعلق بتنافسية المنطقة. فالتراجع الديموغرافي لا يمكن عكسه، لكن يمكن رفع القيمة الاقتصادية للقوى العاملة. وتحتاج المنطقة إلى أجندة مهارات متماسكة في مجالات الهندسة، والأمن السيبراني، وتقنيات الطاقة، والذكاء الاصطناعي التطبيقي، كما تحتاج إلى مواءمة السياسات الصناعية مع احتياجات الشركات التي تصعد بالفعل في سلاسل القيمة. فعلى أرض الواقع، تعمل الجامعات وأرباب العمل عبر الحدود، لكن السياسات لا تزال وطنية إلى حد كبير. ومن شأن إطار إقليمي للمهارات والبحث ونقل التكنولوجيا أن يسرّع الانتقال من التصنيع منخفض الهامش إلى إنتاج أكثر تقدماً.
ويتعلق الجزء الثالث بالترابط، سواء المادي أو المالي. فمشاريع مثل مبادرة البحار الثلاثة أو «فيا كارباثيا» أو «ريل تو سي» تُظهر أنه عندما تُعامل البنية التحتية كأولوية إقليمية لا وطنية، تتسارع وتيرة التنفيذ. ومع ذلك، لا تزال المنطقة تفتقر إلى ما يشبه تحالفاً لأسواق رأس المال ينسق معايير الإدراج، ويربط أنظمة المقاصة، ويجمع السيولة. وبدون هذا الجهد، ستواصل العديد من أكثر شركات المنطقة الواعدة الإدراج في أمستردام أو لندن أو نيويورك، ببساطة لأن تلك الأسواق توفر الحجم اللازم.
نجاح إقليمي مشترك
لا يمكن حل أي من هذه التحديات بالحوار وحده، لكن من دون الحوار لا يمكن حلها على الإطلاق. فالدورة السياسية في أوروبا باتت أكثر تجزؤاً، وكذلك هياكلها الاقتصادية. وللحفاظ على زخم المنطقة، تحتاج أوروبا الوسطى والشرقية إلى آلية دائمة للتشاور، تشمل مراجعات سنوية للتنافسية، وتنسيق سياسات الطاقة، ومجموعات عمل للرقمنة والذكاء الاصطناعي، ومنتديات لصناعة الدفاع، ومنصة دائمة لمواءمة أسواق رأس المال. ولا يتعلق الأمر بإنشاء تكتل داخل الاتحاد الأوروبي، بل بضمان أن تتصرف أسرع مناطق الاتحاد نمواً بالتماسك الذي يفرضه وزنها المتزايد.
وتكمن أهمية هذه اللحظة في أن أوروبا تدخل عقداً يتسم بالمنافسة على رأس المال، والتكنولوجيا، والطاقة، والأمن. وتمتلك أوروبا الوسطى والشرقية الموقع الجغرافي، والقوى العاملة، والقاعدة الصناعية التي تؤهلها للمساهمة في تشكيل استجابة القارة لهذه التحديات الأربعة. لكن الزخم من دون بنية ليس استراتيجية. وسيعتمد نجاح المنطقة على قدرتها على النمو معاً، لا على النمو بشكل متوازٍ فقط. فـ«معاً أقوى» ليست شعاراً، بل الطريق الواقعي الوحيد للحفاظ على التقارب وترسيخ مستقبل أوروبا.
