ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن للتصنيع الحيوي أن يحوّل هدر الغذاء من عبء بيئي واقتصادي إلى حل فعّال لمواجهة تغيّر المناخ، عبر استغلال نفايات سلسلة الإمداد الغذائي لإنتاج الغلوكوز والمواد الحيوية بدلاً من الاعتماد على النفط أو المحاصيل الزراعية الأحادية، بما يعزز الاقتصاد الدائري، ويخلق نماذج أعمال مربحة لصناعة الغذاء، ويمكّن الدول من بناء قدرات تصنيع حيوي محلية أكثر مرونة واستدامة، مع تجاوز إخفاقات الماضي من خلال إعادة تصميم الجدوى الاقتصادية لاستخدام الموارد المهدرة.
- يوفّر التصنيع الحيوي وسيلة قوية لإزالة الكربون عن السلع من خلال استخدام الغلوكوز الذي تنتجه النباتات من ثاني أكسيد الكربون وضوء الشمس، بدلاً من الاعتماد على النفط كمصدر للكربون.
- لكن هناك مشكلة جوهرية تتعلق بالحجم. فالعالم لا يستطيع إنتاج كميات كافية من الغلوكوز بأسعار معقولة لاستبدال المنتجات المعتمدة على النفط عبر عمليات التخمير. تلبية هذا الطلب ستتطلب استخدام نحو ثلث الأراضي الزراعية الصالحة لزراعة الذرة أو القمح من أجل إنتاج الغلوكوز.
إن وعد التصنيع الحيوي، أي استخدام الكائنات الحية أو الخلايا لإنتاج جزيئات أو مواد حيوية تُستخدم في تصنيع المواد الكيميائية والمواد الصناعية والأغذية، لا تعيقه التكنولوجيا نفسها، بل يقيّده النقص العالمي في إمدادات الغلوكوز منخفض التكلفة القادمة من الزراعة الأحادية.
التصنيع الحيوي كحل لهدر الغذاء
الحل موجود أمام أعيننا في سلسلة الإمداد الزراعي والغذائي. فمن خلال تحويل تدفقات النفايات غير المستغلة في هذه السلسلة إلى مصادر ذات قيمة مضافة، يمكن إنتاج الغلوكوز بطريقة اقتصادية ومستقرة من دون التنافس على الأراضي الزراعية. وهذا يمكّن الدول من بناء قدرات محلية في التصنيع الحيوي باستخدام بقايا زراعية متنوعة بدلاً من الاعتماد حصراً على المحاصيل السلعية.
غير أن هذا النهج لم ينجح حتى الآن لسبب بسيط. فقد ركزت ابتكارات الكتلة الحيوية تقليدياً على المخلفات الزراعية المرتبطة بسلسلة إنتاج الإيثانول، مثل بقايا الذرة، وتفل قصب السكر، ومخلفات الغابات. وقد اختيرت هذه المواد أساساً لأنها متوافرة وبالقرب من سلاسل التخمير القائمة.
في المقابل، تم تجاهل نفايات تصنيع الأغذية تاريخياً بسبب محتواها العالي من المياه، ما يجعلها سريعة التلف ومكلفة النقل. ومع ذلك، فهي تحتوي على مركبات قيّمة يمكن استخلاصها إلى جانب الغلوكوز، مثل مضادات الأكسدة، والألياف، والأحماض العضوية، واللجنين، والبروتينات، والزيوت.
عند الإنتاج في موقع تولد هذه النفايات، حيث يمكن معالجة مشكلات التلف والنقل، تتغير المعادلة الاقتصادية جذرياً. فبدلاً من دفع تكاليف التخلص من النفايات، يحصل مصنعو الأغذية على مجموعة جديدة من المنتجات المولّدة للإيرادات.
وهنا يكمن الاختراق الحقيقي: إن تدفقات النفايات الغنية بالقيمة يمكن أن تموّل بناء قدرات التكرير الحيوي، ما يخلق منشآت جاهزة لإنتاج غلوكوز تنافسي من حيث التكلفة وعلى نطاق واسع عندما تتطلب ظروف السوق ذلك.
إلى جانب الجانب الاقتصادي، يعالج هذا النهج تحدياً آخر بالغ الأهمية. فسلـاسل الإمداد العالمية للمواد الكيميائية والمواد الصناعية شديدة التركّز، وغالباً ما تعتمد على عدد محدود من الدول التي تمتلك موارد نفطية أو مساحات زراعية شاسعة أو صناعات حيوانية كبيرة. هذا التركّز يزيد المخاطر ويحد من المرونة.
لكن كل دولة، بغض النظر عن مواردها الطبيعية، تنتج نفايات غذائية. فالمراكز الحضرية، ومصانع الأغذية، ومراكز التوزيع، والمناطق الزراعية كلها تولد كميات مستمرة من المنتجات الثانوية وبقايا التصنيع والمواد غير المطابقة للمواصفات. وتشير التقديرات إلى أن النفايات الزراعية ونفايات تصنيع الأغذية تتجاوز مليار طن سنوياً.
من خلال تحويل هذه النفايات المحلية إلى مواد أولية لإنتاج الغلوكوز، يمكن للدول بناء قدرات مستقلة وموزعة في التصنيع الحيوي من دون الاعتماد على النفط أو الزراعة الأحادية أو مساحات شاسعة من الأراضي. وهذا يفتح مسارات محلية جديدة لإنتاج المواد الكيميائية الحيوية، والمواد الصناعية، والأغذية، والمكونات الغذائية، والمدخلات الأساسية للأدوية والعمليات الصناعية.
الفوائد التجارية لنظام غذائي دائري
إلى جانب دعم التصنيع المحلي، فإن أكثر فوائد النظام الغذائي الدائري إغفالاً هي قدرته على خلق نموذج أعمال مربح للغاية. فمصنعو الأغذية اليوم غالباً ما يدفعون تكاليف للتخلص من النفايات، وهي تكاليف تضعف الهوامش وتخلق اختناقات تشغيلية.
إن تثمين هذه الكتلة الحيوية يقلب المعادلة بالكامل. فبدلاً من كونها عبئاً مالياً، تتحول النفايات إلى أصل يولد الإيرادات، وغالباً بهوامش ربح أعلى من المنتجات الغذائية الأساسية نفسها.
منتجات مثل الألياف الوظيفية، والألوان الطبيعية، والأحماض العضوية، ومركبات النكهة، ومضادات الأكسدة، والبروتينات، تتمتع اليوم بأسعار سوقية مجزية. ومع توقع وصول عدد سكان العالم إلى 9.8 مليارات نسمة بحلول عام 2050، فإن الطلب على منتجات ومكونات أنظف سيواصل الارتفاع.
وعندما يتم استخلاص هذه المنتجات بالتوازي مع النشاط الأساسي للشركات، تصبح الجدوى الاقتصادية جذابة إلى درجة أن تثمين الكتلة الحيوية يمكن أن يحسن ربحية الشركات بشكل ملموس.
بالنسبة لصناعة الأغذية، يعني ذلك تدفقات إيرادات جديدة ومتكررة، وخفض تكاليف التخلص من النفايات والخدمات اللوجستية، وتنويع المنتجات وزيادة المرونة. والأهم من ذلك أن الحل المستدام هنا متوافق مباشرة مع تحقيق الأرباح.
ببساطة، هو مكسب حقيقي للمناخ، ولمصنعي الأغذية، ولصناعة الغذاء ككل. فالتثمين لا يعزز الأثر المناخي فحسب، بل يعزز أيضاً النتائج المالية للصناعة الغذائية على نطاق واسع.
التعلم من إخفاقات الماضي
رغم كل هذه الإيجابيات، من المهم الاعتراف بالتاريخ. فقد حاولت شركات عديدة على مدى سنوات تسويق الغلوكوز المشتق من النفايات، لكن معظمها فشل. ولم يكن السبب خللاً في التكنولوجيا، بل خللاً في التصميم الاقتصادي.
يعد اختيار المحاصيل عاملاً حاسماً. فبقايا الذرة، ورقائق الخشب، وغيرها من المواد اللجنوسليلوزية لا تحتوي على منتجات مشتركة عالية القيمة. كما أنها تتطلب معالجات أولية مكلفة وتنتج مخرجات منخفضة القيمة نسبياً. ومن دون منتجات عالية القيمة تعوض تكاليف التوسع والمعالجة، لم يكن بالإمكان منافسة سكر الذرة الرخيص والمدعوم.
كما أن العديد من المحاولات المبكرة ربطت الغلوكوز المشتق من النفايات بإنتاج الإيثانول، ما خلق عائقين إضافيين. فقد كان على هذا السكر أن ينافس سكر الذرة المدعوم، ثم ينافس الوقود المشتق من النفط المدعوم بدوره.
إن الكثافة الرأسمالية العالية المطلوبة لبناء مصافي حيوية جديدة جعلت التقنيات الناشئة في مواجهة مباشرة مع شركات قائمة مدعومة بسياسات طويلة الأمد وأصول مستهلكة بالكامل. وبالنظر إلى ذلك، لم يكن الفشل تقنياً بقدر ما كان فشلاً في التصميم الاقتصادي.
إعادة تصميم النظام لإنتاج الغلوكوز من النفايات
لسنا بحاجة إلى الفوز في منافسة الأسعار مع الوقود أو المحاصيل المدعومة. ما نحتاجه هو إعادة تصميم النهج بحيث لا يكون الغلوكوز المشتق من النفايات منتجاً منفرداً ينافس في أسواق سلعية مشوهة، بل واحداً من عدة مخرجات داخل مصفاة حيوية متنوعة وعالية القيمة قائمة على نفايات الغذاء.
شركات رائدة في هذا المجال تعمل على تحويل مخلفات تصنيع الأغذية إلى مكونات ذات قيمة. إن الإنتاج المشترك لمخرجات عالية الجودة إلى جانب الغلوكوز يغيّر المعادلة الاقتصادية. كما أن الحصول على الغلوكوز من نفايات متوافرة في كل مكان يسرّع التوسع، وحين يوفر النظام الغذائي المواد الأولية، يصبح التصنيع الحيوي موزعاً عالمياً وأكثر مرونة وقابلية للاستمرار اقتصادياً.
قد تكون المحاولات السابقة لتثمين الكتلة الحيوية قد تعثرت، لكن السكريات المشتقة من النفايات ضرورية لمستقبلنا. ومن خلال إعادة التفكير في هذه المسألة من منظور جديد، يمكننا رسم مسار عملي ومحوّل اقتصادياً يحقق الوعد المنتظر منذ زمن طويل للتصنيع الحيوي.
