القائمة الرئيسية

كيف نُوسّع احتجاز الكربون وتخزينه ونحوّل أهداف المناخ إلى أفعال ملموسة

كيف نُوسّع احتجاز الكربون وتخزينه ونحوّل أهداف المناخ إلى أفعال ملموسة
ملخص المقال

ويراهن كثيرون على أن الطاقات المتجددة والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري سيقودان إلى الحياد الكربوني، غير أن واقع الطاقة أكثر تعقيدا. فالغاز الطبيعي لا يزال يشكل جزءا مهما من مزيج الطاقة في أوروبا، لا سيما في ظل التحديات التنافسية التي أشار إليها تقرير دراغي، حيث تبلغ تكاليف الكهرباء في أوروبا ضعفي إلى ثلاثة أضعاف مثيلتها في الولايات المتحدة، وتكاليف الغاز أربعة إلى خمسة أضعاف.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن لاحتجاز الكربون وتخزينه أن يتحول من مفهوم نظري إلى أداة عملية وضرورية لخفض الانبعاثات في القطاعات الصناعية صعبة الخفض، مثل الأمونيا والأسمدة، مع الحفاظ على أمن الغذاء والطاقة، موضحة أن سد الفجوة بين الطموح المناخي والواقع يتطلب حياداً تكنولوجياً، وطلباً سوقياً واضحاً، وأطراً سياسية تقلل المخاطر وتدعم التوسع، بما يمكّن من تحويل أهداف اتفاق باريس إلى أفعال ملموسة في الوقت الحرج المتبقي للحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية.

  • يتطلب حجم وتعقيد مواجهة أزمة المناخ أكثر من خطط للمستقبل؛ فهو يحتاج إلى حلول تعمل الآن.
  • يوفّر احتجاز الكربون وتخزينه وسيلة لخفض الانبعاثات الصناعية مع الحفاظ على الأنظمة التي نعتمد عليها، مثل الغذاء والطاقة.
  • وتُعدّ صناعة الأمونيا والأسمدة من أكثر القطاعات جاهزية لتطبيق احتجاز الكربون وتخزينه، إذ يلتقط أحد المشاريع 800 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا لتخزينها تحت قاع البحر.

قبل عقد من الزمن، التزمت 195 دولة بالحد من الاحترار العالمي وحماية كوكبنا عبر توقيع اتفاق باريس. واليوم، يتعرض ذلك الطموح لضغوط متزايدة.

وبحسب الأمم المتحدة، من المرجّح أن تتجاوز درجات الحرارة العالمية عتبة 1.5 درجة مئوية خلال العقد المقبل، وهي عتبة وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنها “خط أحمر للبشرية”.

إن حجم وتعقيد مواجهة أزمة المناخ يتطلبان أكثر من وعود مستقبلية؛ إنهما يتطلبان حلولا عملية اليوم.

هنا يبرز دور احتجاز الكربون وتخزينه بوصفه حلا مثبتا وقابلا للتوسع، يمكّننا من خفض الانبعاثات الصناعية الكبيرة مع الحفاظ على الأنظمة الأساسية التي يعتمد عليها العالم، من الطاقة إلى الغذاء.

واقع الطاقة والمناخ

تحذّر الأمم المتحدة من أن درجات الحرارة العالمية قد تتجاوز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية خلال السنوات العشر المقبلة. وقال غوتيريش مخاطبا قادة العالم في مؤتمر الأطراف COP30 في مدينة بيليم البرازيلية: “كل جزء من الدرجة يعني مزيدا من الجوع والنزوح والخسائر”.

ويمثل إنتاج الغذاء مثالا واضحا على تعقيد هذا التحدي. فالنظام الغذائي العالمي مسؤول عن نحو ثلث انبعاثات غازات الدفيئة. وفي الوقت نفسه، تدعم الأسمدة ما يقارب نصف الإنتاج الغذائي العالمي، ما يعني أن خفض إنتاجها ليس خيارا. لذا، يتمثل التحدي في إنتاج الأسمدة واستخدامها بانبعاثات أقل بكثير، دون المساس بالأمن الغذائي العالمي.

ويراهن كثيرون على أن الطاقات المتجددة والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري سيقودان إلى الحياد الكربوني، غير أن واقع الطاقة أكثر تعقيدا. فالغاز الطبيعي لا يزال يشكل جزءا مهما من مزيج الطاقة في أوروبا، لا سيما في ظل التحديات التنافسية التي أشار إليها تقرير دراغي، حيث تبلغ تكاليف الكهرباء في أوروبا ضعفي إلى ثلاثة أضعاف مثيلتها في الولايات المتحدة، وتكاليف الغاز أربعة إلى خمسة أضعاف.

ورغم التوسع السريع في الطاقة المتجددة، فإن وتيرتها لا تزال غير كافية لتعويض الوقود الأحفوري بالكامل في العمليات الصناعية. وهذه الفجوة بين الطموح طويل الأمد والواقع القريب هي ما يجعل احتجاز الكربون وتخزينه ضرورة لا غنى عنها.

إن استراتيجية مسؤولة للصناعة والمناخ يجب أن تجمع بين الطموح والواقعية. فالاعتراف بالدور المستمر للوقود الأحفوري خلال مرحلة الانتقال لا يعني مقاومة التغيير، بل ضمان نجاحه.

معالجة الانبعاثات صعبة الخفض عبر احتجاز الكربون

تُعدّ صناعات الأسمدة والأمونيا مرشحة مثالية لكل من الكهربة واحتجاز الكربون، لأن ثاني أكسيد الكربون ينبعث كمنتج ثانوي مباشر للتفاعلات الكيميائية في إنتاج الأمونيا، وهي انبعاثات يمكن القضاء عليها عبر التقاطها وتخزينها.

وتُظهر تجربة شركة يارا كيف يمكن لأصحاب المصلحة الاضطلاع بهذا الدور. فمنذ عام 2005، خفّضت الشركة انبعاثاتها من النطاقين 1 و2 في الاتحاد الأوروبي بأكثر من 55%، وكادت أن تخفضها إلى النصف عالميا، بفضل الحد من انبعاثات أكسيد النيتروز والكهربة وتحسين كفاءة الطاقة.

أما ما تبقى فهو الانبعاثات الأكثر صعوبة في المعالجة، الناتجة عن إنتاج الهيدروجين حيث يتولد ثاني أكسيد الكربون كجزء أساسي من العملية الكيميائية. ومعالجة هذه الانبعاثات المتبقية على نطاق واسع هي المجال الذي يصبح فيه احتجاز الكربون وتخزينه حلا ضروريا وآنيا.

وتناسب صناعة الأمونيا والأسمدة احتجاز الكربون بشكل خاص، لأن معظم مصانع الأمونيا في أوروبا تعتمد على الإصلاح بالبخار للميثان، وهي عملية تنتج بطبيعتها ثاني أكسيد الكربون عالي النقاء كمنتج ثانوي.

وقد اعتادت شركات مثل يارا منذ زمن طويل على التقاط هذا الغاز وتسييله والتعامل معه بأمان لاستخدامه في منتجات مثل المشروبات الغازية والبيوت الزراعية والأسمدة وسائل عادم الديزل “أدبلو”. وتُعدّ هذه الخبرة والبنية التحتية القائمة أساسا مثاليا لتوسيع احتجاز الكربون بسرعة.

وبالإضافة إلى خفض الانبعاثات داخل المواقع الصناعية، يفتح احتجاز الكربون آفاقا جديدة لإنتاج أمونيا منخفضة الكربون لاستخدامها في الطاقة والشحن والصناعة. وفي الزراعة، يتيح هذا النهج إنتاج أسمدة بانبعاثات أقل بكثير مقارنة بالبدائل التقليدية.

فعلى سبيل المثال، تُسهم أسمدة “Climate Choice” من يارا في خفض الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 35% و75% مقارنة بالأسمدة نفسها المنتَجة دون احتجاز الكربون، وقد بدأت شركات غذائية حول العالم بالفعل في اعتمادها لخفض انبعاثات سلاسل القيمة.

مصنع تُترجم فيه طموحات المناخ إلى أفعال

في مصنع يارا الرائد لإنتاج الأمونيا والأسمدة في سلويسكيل بهولندا، ينتقل احتجاز الكربون وتخزينه من النظرية إلى التطبيق العملي.

ففي عام 2026، سيقوم الموقع بالتقاط وتسييل ما يصل إلى 800 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، على أن تتولى شركة “نورذرن لايتس”، مشغّل أول بنية تحتية مفتوحة المصدر لنقل وتخزين ثاني أكسيد الكربون في العالم، نقله للتخزين الدائم تحت قاع البحر في الجرف القاري النرويجي.

وعلى مدى 15 عاما، سيُخزّن هذا المشروع وحده ما يصل إلى 12 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل تقريبا إزالة 174 ألف سيارة من الطرقات سنويا.

وإلى جانب أثره في خفض الانبعاثات، يقدّم المشروع دروسا مهمة حول ما يتطلبه توسيع احتجاز الكربون على نطاق واسع.

الدرس الأول: حياد التكنولوجيا أمر أساسي
إن حجم التحدي المناخي وضيق الإطار الزمني لا يتركان مجالا للاعتماد على حل أو حلين فقط. فتحقيق الأهداف المناخية بالسرعة والحجم المطلوبين يتطلب استخدام جميع الحلول القادرة على تحقيق خفض حقيقي وقابل للتحقق في الانبعاثات.

لذلك، يجب أن تكون السياسات المناخية محايدة تكنولوجيا، داعمة لكل الحلول الفعالة بغض النظر عن نوعها. وعندما تركز السياسات على النتائج بدلا من فرض تقنيات محددة، يمكن للاستثمارات أن تتسارع ويصبح خفض الانبعاثات قابلا للتوسع.

الدرس الثاني: الطلب في السوق هو محرك التوسع
إن جاهزية التكنولوجيا وحدها لا تضمن انتشارها. فالطلب المستدام على المنتجات منخفضة الكربون ضروري لتبرير الاستثمارات الكبيرة والوصول إلى قرارات الاستثمار النهائية.

حتى مع توافر البنية التحتية، غالبا ما تكون تكاليف التشغيل للإنتاج منخفض الكربون أعلى. ولا يمكن توسيع نطاق خفض الانبعاثات إلا إذا وُجدت إشارة واضحة من السوق، أي عملاء يقدّرون المنتجات ذات البصمة الكربونية الأقل ومستعدون لدفع ثمنها.

ومن ثم، فإن خلق الطلب على المنتجات منخفضة الكربون، سواء عبر التزامات سلاسل القيمة أو المعايير أو الأطر التنظيمية، يعد عاملا حاسما. فعندما يثمّن الفاعلون في المراحل اللاحقة خفض الانبعاثات ويكافئونه، تصبح الاستثمارات في المراحل السابقة مجدية.

الدرس الثالث: السياسات يجب أن تقلل المخاطر وتمكّن التوسع
تُعدّ الأطر السياسية المتوقعة والمستقرة ضرورية لتقليل مخاطر مشاريع احتجاز الكربون وتسريع تنفيذها. ويشمل ذلك وضوحا وتناسقا في أساليب محاسبة الكربون واعتماد الشهادات، وإتاحة الوصول إلى بنى نقل وتخزين ثاني أكسيد الكربون، وآليات تحوّل الطموح المناخي إلى نماذج أعمال قابلة للتنفيذ.

ومن المهم أن تعترف هذه الأطر بأن لكل قطاع واقعه الخاص. فالمقاربات المخصصة حسب القطاع، بدلا من الحلول الموحدة، هي المفتاح لتحقيق خفض الانبعاثات دون تقويض القدرة التنافسية أو أمن الإمدادات.

لماذا يُعد احتجاز الكربون وتخزينه أداة قيّمة للعمل المناخي

إن نافذة الإبقاء على هدف 1.5 درجة مئوية ضمن المتناول تضيق بسرعة. وما يهم الآن هو تحقيق خفض حقيقي للانبعاثات في السنوات المقبلة.

ويقوم احتجاز الكربون وتخزينه بذلك بالفعل في القطاعات صعبة الخفض، محوّلا الطموح المناخي إلى إجراءات عملية.

ومع توافر الأطر المناسبة، يمكن لهذا الحل أن يخفض الانبعاثات على نطاق واسع مع الحفاظ على الأنظمة الأساسية، مثل إنتاج الغذاء والصناعة وإمدادات الطاقة.

إن توجيه الانبعاثات نحو مستويات أكثر أمانا دون 1.5 درجة مئوية سيتطلب براغماتية إلى جانب الطموح، والاستعداد لتوسيع الحلول التي أثبتت فعاليتها اليوم.

المصدر

مقالات ذات صلة