ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة جامعة تخدم البشرية جمعاء، مستلهمةً روح جامعة نالاندا التاريخية التي ربطت بين المعرفة والصالح العام. وتوضح أن تحديات الذكاء الاصطناعي اليوم لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل ببناء نظم عادلة وشاملة تقوم على الحوار، والمساءلة، والتعاون، وتمنح الأولوية للمجتمعات المهمشة. كما تبرز مبادرات تقودها دول الجنوب لإرساء ذكاء اصطناعي أخلاقي ومتاح للجميع، بوصفه مشاعاً معرفياً كوكبياً قادراً على تقليص الفجوات وتعزيز التنمية إذا أُحسن تصميمه وتطبيقه.
- ارتفع استخدام الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة مع التحسن الهائل في أداء النماذج. فالمستهلكون يرون أنه يقدم نتائج ذات قيمة حقيقية، وغالبا ما يكون “الصحيح إلى حد كبير” كافيا، خاصة عندما تكون كلفة الخطأ منخفضة.
- لكن الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات أكثر تعقيدا. فهو يعتمد على بيانات نظيفة، ويتطلب درجة عالية من الدقة لأن المخاطر أعلى. لذلك يجب دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل اليومي، مع تضمين الحوكمة منذ البداية.
- اليوم، لم يعد المهندسون يعملون على بناء أنظمة ذكاء اصطناعي في عزلة، بل أصبح يتم نشر “المهندسين الميدانيين” مباشرة داخل الفرق المسؤولة عن تحقيق النتائج.
الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط طريقة عملنا، بل يضغط عقودا من التغيير في بضعة أشهر.
هذا التسارع ليس نظريا. فمؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي يظهر أن القدرة الحاسوبية المستخدمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي تضاعفت تقريبا كل ستة أشهر، كما تحسن أداء النماذج بشكل لافت.
في عام 2023، قدم الباحثون معايير جديدة للتقييم، من بينها:
معيار MMMU لتقييم النماذج متعددة الوسائط في مهام ضخمة متعددة التخصصات تتطلب معرفة على مستوى جامعي.
معيار GPQA لاختبار قدرات الاستدلال المتقدم لدى الذكاء الاصطناعي.
معيار SWE-bench لتقييم نماذج اللغة الكبيرة على مشكلات برمجية حقيقية مأخوذة من منصة GitHub.
وبعد عام واحد فقط، ارتفعت النتائج بشكل حاد، حيث زادت الدرجات بنحو 18.8 و48.9 و67.3 نقطة على التوالي في هذه المعايير.
على صعيد المستهلكين، كان التبني سريعا ومتفجرا. فقد أظهرت دراسة عالمية لشركة KPMG شملت أكثر من 48 ألف شخص أن 66% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام، وأن 83% يعتقدون أنه سيحقق فوائد ملموسة. بالنسبة لكثيرين، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا بديهيا من الحياة اليومية، يساعد على تسريع العمل، وتحسين القرارات، وتقليل الاحتكاك اليومي.
وصلت نماذج الذكاء الاصطناعي إلى مستوى من القدرات يجعلها مفيدة على نطاق واسع، ولم تعد مجرد أدوات تجريبية. فهي قادرة على البحث، والاستدلال، والتوليد، والتلخيص، والتصنيف، وتقديم المساعدة بمستوى كان يبدو مستحيلا قبل بضع سنوات.
في السياقات الاستهلاكية، تترجم هذه القدرات مباشرة إلى قيمة، لأن البيئات أقل تقييدا وأكثر تسامحا. فـ“الصحيح إلى حد كبير” غالبا ما يكون كافيا، وكلفة الخطأ محدودة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي، بل في الفجوة التي تظهر عند إدخال هذه النماذج نفسها إلى بيئات المؤسسات، حيث تختلف التوقعات والقيود وإدارة التغيير التنظيمي بشكل جذري.
ما التحديات التي يواجهها الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات؟
داخل المؤسسات، كانت قصة التبني أكثر تعقيدا. فعلى الرغم من الاستثمارات الكبيرة، تكافح معظم المنظمات لتحويل إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى تغيير تشغيلي وأثر تجاري ملموس. فقد أظهرت دراسة لمعهد MIT أن 5% فقط من مشاريع الذكاء الاصطناعي المخصصة تصل فعليا إلى مرحلة الإنتاج.
كما أظهرت أبحاث KPMG أن 66% من الموظفين يعتمدون على مخرجات الذكاء الاصطناعي دون التحقق من دقتها، وأن 56% أفادوا بأنهم ارتكبوا أخطاء في عملهم بسبب ذلك.
هذه الفجوة لا تتعلق بقدرة النماذج، بل بكيفية نشر الذكاء الاصطناعي بشكل آمن ومضمون داخل سير عمل معقد يتطلب الدقة والموثوقية.
الأساس هنا هو البيانات النظيفة والمتجانسة. تخيل أن نظام إدارة علاقات العملاء ونظام تخطيط موارد المؤسسة يحتويان على جهة الاتصال نفسها. في أحد النظامين هو عميل، وفي الآخر مورد. عناوين البريد الإلكتروني متطابقة، لكن أحد السجلات يحتوي على حرف إضافي في الاسم والآخر لا.
أي سجل هو الصحيح؟ أي نظام هو مصدر الحقيقة؟ وأي نسخة سيتصرف الذكاء الاصطناعي بناء عليها؟
هكذا يبدو الذكاء الاصطناعي المؤسسي في الواقع. فعلى عكس أدوات المستهلكين، تعمل سير العمل داخل المؤسسات ضمن قيود صارمة، وتتطلب الدقة، وقابلية القياس، والاتساق، مع الالتزام بالأطر التنظيمية وتوقعات العملاء ومخاطر مالية حقيقية. في هذه البيئات، لا يكفي أن يكون الحل “صحيحا إلى حد كبير”.
لهذا السبب لم يحقق الذكاء الاصطناعي المؤسسي بعد وعوده الكاملة من حيث العائد على الاستثمار. فالمؤسسات تعتمد على مصادر بيانات مجزأة ومتنوعة، وأنظمة قديمة لم تُصمم للعمل معا، وتحاول أتمتة سير عمل مليء بالاستثناءات والتدخلات اليدوية والقواعد غير الموثقة.
في بيئات المؤسسات، يعتمد النجاح أقل على تعقيد النموذج، وأكثر على مدى تكامل الذكاء الاصطناعي مع سير العمل الحقيقي. فالمنظمات التي تحقق أفضل النتائج هي التي تدمج الذكاء الاصطناعي مباشرة في العمليات اليومية، وتضع أصحاب الخطوط الأمامية مسؤولين عن التصميم والنشر، وتقرن المهندسين بخبراء المجال.
كما يتم بناء الحوكمة داخل بيئة الإنتاج منذ البداية. فالنهج التقليدي للبرمجيات كخدمة غالبا ما يفشل هنا، لأن الفرق المركزية، ودورات التغذية الراجعة الطويلة، والمتطلبات الثابتة لا تناسب أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يجب أن تتكيف باستمرار مع العمل الذي تدعمه.
للانتقال من التجريب إلى التنفيذ، يجب على المؤسسات إعادة التفكير في كيفية بناء الذكاء الاصطناعي ونشره وحوكمته.
كيف يحقق المهندسون الميدانيون قيمة أفضل للذكاء الاصناعي؟
مع استمرار انخفاض تكلفة تطوير البرمجيات، لم تعد الفعالية تقاس بسير العمل الجاهز فقط، بل أصبحت تقاس بمدى القابلية للتخصيص، وجودة الخدمة، والتغذية الراجعة المستمرة، والحوكمة داخل بيئة الإنتاج.
بدلا من أن تبني الفرق التقنية المركزية حلول الذكاء الاصطناعي بمعزل ثم تسلمها للمستخدمين، تقوم المؤسسات الرائدة بإدماج المهندسين مباشرة إلى جانب الفرق المسؤولة عن النتائج. وقد أدى هذا التحول إلى بروز دور “المهندس الميداني”.
هذا التغيير يعيد تشكيل طريقة تقديم الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. ففي عام 2025، زادت إعلانات الوظائف الخاصة بالمهندسين الميدانيين بأكثر من 800%، ما يعكس تحولا أوسع في تصور المؤسسات لمكان خلق القيمة.
يعمل المهندسون الميدانيون عند تقاطع الهندسة والعمليات والتنفيذ. فهم يتعاونون مباشرة مع خبراء المجال لتصميم معايير تقييم نظام الذكاء الاصطناعي قبل بنائه.
ويستخدمون هذه المعايير لتصميم ونشر وتحسين سير العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي بشكل مستمر في بيئات واقعية. فهم لا يكتفون بإطلاق ميزات تجريبية، بل يطبقون منهجية علمية صارمة لضمان نتائج آمنة وموثوقة.
ومن خلال قربهم من العمل الفعلي، يقلصون دورات التغذية الراجعة، ويحسنون الموثوقية، ويضمنون تكيف أنظمة الذكاء الاصطناعي مع واقع الإنتاج لا مع افتراضات مثالية. كما يتيح هذا القرب حوكمة فعالة، حيث يتم دمج الإشراف البشري والتحقق مباشرة في سير العمل.
وتتضح قيمة هذا النموذج في التطبيقات الواقعية. ففي مجال الرياضة الاحترافية، تعاون فريق شارلوت هورنتس مع مهندسين ميدانيين لتحويل لقطات الفيديو الخام إلى ذكاء تحليلي قابل للتنفيذ في كرة السلة، ما عالج فجوة كبيرة في البيانات، ومكن من اتخاذ قرارات أدق في مجالي الاستكشاف وتقييم الأداء.
يستخدم فريق Charlotte Hornets مهندسين ميدانيين لتحويل لقطات المباريات الخام إلى ذكاء تحليلي قابل للتنفيذ في كرة السلة.
الصورة: Jim Dedmon-Imagn Images / Reuters Connect
فالـحوكمة ليست مجرد تمرين سياساتي أو وثيقة إجرائية، بل هي قدرة تشغيلية أساسية. إنها التي تحدد معنى النجاح، وتوضح من يتحقق من المخرجات، ومتى يكون الحكم البشري جزءا من العملية، كما تحكم كيفية مراقبة الأداء وتحسين الأنظمة بأمان مع مرور الوقت.
عندما تُعامل الحوكمة كفكرة لاحقة، فإنها تبطئ التبني وتُضعف الثقة. أما عندما تُصمم داخل سير العمل وتُدعَم بهندسة ميدانية مدمجة، فإنها تُمكن من نشر مسؤول وفعّال للذكاء الاصطناعي.
مستقبل العمل في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي لن يتحدد بمن يعتمد الذكاء الاصطناعي أولا، بل بمن يعيد تصور كيفية إنجاز العمل. فالمنظمات التي ستنجح هي تلك التي تعيد تصميم سير العمل حول الذكاء الاصطناعي، وتدمج الهندسة في مواقع التنفيذ الفعلي، وتتعامل مع الحوكمة كأساس لا غنى عنه.
نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت جاهزة. والسؤال الحقيقي هو: هل نماذجنا التشغيلية مستعدة لمواكبتها؟
