ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يثبت اليمن أن الازدهار ممكن حتى في الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات، من خلال دور محوري للقطاع الخاص كقوة استقرار ونمو، وذلك عبر أربعة مبادئ أساسية تتمثل في خلق الوظائف لا إزاحتها، وتعظيم أثر الابتكار عبر الشراكات، وتوظيف التكنولوجيا لبناء القدرة على الصمود في مواجهة انهيار البنية التحتية، ودعم الابتكار المحلي وتمكين الشباب، بما يبيّن أن الحلول المتجذّرة في المجتمعات، عندما تقترن بالاستثمار والالتزام، قادرة على تحويل مناطق الأزمات إلى مساحات للأمل والكرامة والتنمية المستدامة.
- تُظهر تجربة اليمن كيف يمكن للقطاع الخاص أن يكون قوة استقرار في الدول الهشّة، من خلال توفير محرّك حيوي للنمو ودعم السكان.
- ويتعيّن على مجتمع الأعمال أن يُكمل دور القطاع العام عبر الابتكار والاستثمار والشراكات.
- كما ينبغي أن ترتكز أنشطة القطاع الخاص في مناطق الأزمات على أربعة مبادئ أساسية، مع إعطاء الأولوية للمواهب والحلول المحلية.
في الدول الهشّة، غالباً ما يُقال إن الازدهار مستحيل. غير أن اليمن يثبت عكس ذلك. فعلى مدى عقد من الصراع، تحقق ما كان يُعدّ غير قابل للتحقيق سابقاً: الابتكار في القطاع الخاص يساعد على إبقاء البلاد متماسكة. إن مرونة الأعمال، حين تقترن بالرؤية والاستثمار والالتزام، قادرة على تثبيت سبل العيش وبناء الأمل، حتى في الأماكن التي تتعثر فيها المؤسسات.
عندما اندلع الصراع في اليمن، واجهت الشركات متعددة الجنسيات خياراً حاسماً: المغادرة أو تحمّل مخاطر استثنائية. اختارت مجموعة هائل سعيد أنعم المسار الأصعب: البقاء. واصلنا تشغيل المصانع، والحفاظ على سلاسل الإمداد، ودفع الرواتب، ليس بدافع الإحسان، بل إيماناً بأن الاستمرارية التجارية تمنح الناس العاديين فرصة للعيش بكرامة واستقرار.
اليوم، ما زلنا أكبر صاحب عمل في القطاع الخاص في اليمن، نوفر عملاً مستقراً وأمناً مالياً لنحو 20 ألف يمني، ونُعدّ المستورد والموزّع الرائد للمواد الغذائية الأساسية والسلع المنزلية والمواد الأولية. وقد أثبتت المرونة والقدرة على التكيّف في مواجهة تحديات جسيمة أنها عناصر أساسية لدور القطاع الخاص الحيوي في السوق اليمنية ولمسار التنمية خلال السنوات الأخيرة.
يمكن للقطاع الخاص، بل يجب عليه، أن يكون قوة استقرار في الدول الهشّة، ولكن فقط إذا تبنّى أربعة مبادئ تتمحور حول الإنسان والابتكار والشراكات. هذه المبادئ، إذا طُبّقت على نطاق واسع، قادرة على تحويل المناطق غير المستقرة وغير الآمنة من بؤر أزمات إلى محرّكات للنمو والكرامة.
1. تعزيز الوظائف لا إزاحتها
يتحمّل القطاع الخاص مسؤولية خلق فرص العمل لا استبدالها. ففي الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات، حيث يكون الأمن الوظيفي هشّاً، ينبغي على الشركات أن توظّف التكنولوجيا، بما في ذلك أدوات الذكاء الاصطناعي، بطريقة استراتيجية تعزّز إنتاجية الموظفين. يتيح ذلك للعاملين التركيز على أعمال أعلى قيمة وأثر. فالأفراد المهرة والمنخرطون هم أساس المنظمات والمجتمعات القادرة على الصمود. إن استبدال العمال الذين يشكّلون شريان الاقتصاد لن يضرّ إلا بالأمن الاقتصادي والاستقرار، ويقوّض في الوقت نفسه أرباح القطاع الخاص ورسالتَه.
وتُعدّ مبادرات التدريب التي تضمن امتلاك الموظفين للمهارات الرقمية والقدرة على تسخير الابتكار جزءاً أساسياً من خلق فرص العمل في بيئة ديناميكية ومعقّدة. ونحن ننفّذ هذه المبادرات عبر برنامج الخريجين لدينا، ومن خلال شراكات استراتيجية مع مؤسسات تعليمية رائدة، من بينها جامعة السعيد في اليمن، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكلية جامعة لندن، إضافة إلى منظمات دولية في القطاع الخاص مثل SAP وCisco.
2. توظيف الشراكات لتعظيم أثر الابتكار
للابتكارات المعزولة أثر محدود. ومن الضروري إيجاد تكامل بين الفرق والشركاء والتقنيات الناشئة لتوسيع التأثير وخلق فرص عالية الرافعة وقابلة للتوسّع. وبعبارة أخرى، فإن جمع نقاط القوة لدى أطراف متعددة يمكن أن يقود إلى تحوّل حقيقي على مستوى الأنظمة.
في قطاع الألبان غير المتطوّر في اليمن، حيث لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ثلث الطلب الوطني، نعمل مع شركاء آخرين لتحويل التحديات الهيكلية إلى فرص للاستثمار وخلق الوظائف وتعزيز الأمن الغذائي. ففي إطار هذه الشراكة، تقدّم تيترا باك خبرتها العالمية عبر برنامج "الغذاء من أجل التنمية"، وتوفّر منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية معرفة شاملة بالأنظمة الصناعية، بينما تسهم مجموعة هائل سعيد أنعم بشبكاتها المحلية العميقة وقدراتها التشغيلية. معاً، نقوم بتحديث سلسلة قيمة الألبان في اليمن، ونضمن وصول المنتجات المغذية إلى المجتمعات الأكثر حاجة، بما في ذلك تلاميذ المدارس.
3. الابتكار من أجل تحصين المستقبل
تواجه المناطق الهشّة والمتأثرة بالنزاعات تحديات جسيمة للأعمال، من بينها تآكل أو تدمير البنية التحتية المادية والرقمية. فقد دُمّر نحو ثلث طرق اليمن، وتوقفت تقريباً جميع مطاراته، وأُغلقت معظم موانئه. وفي الوقت نفسه، تشير التقديرات إلى أن 40% من المساكن وشبكات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الصحية تعرّضت لدمار جزئي أو كامل خلال الصراع المستمر. إن تحديد نقاط الضعف المحتملة وتعزيز القدرة على الصمود أمران حاسمان لضمان استمرار عمل القطاع الخاص اليوم، ورسم مسار نحو مستقبل أقوى وأكثر ازدهاراً.
وبصفتنا أكبر مزوّد للسلع الأساسية في اليمن، كان علينا التكيّف سريعاً للحفاظ على إمداد المجتمعات في بيئة شديدة الصعوبة. ففي عام 2019، عقدنا شراكة مع مايكروسوفت لنقل أنظمتنا إلى منصة سحابية موحّدة، ما عزّز قدرتنا على الصمود في مواجهة تضرّر البنية التحتية والمخاطر السيبرانية وتعطّل العمل الحضوري. وفي عام 2023، وسّعنا هذا التحول الرقمي عبر شراكة مع SAP، حدّثنا من خلالها عملياتنا لحماية التدفق المستمر للغذاء والدواء والمنتجات الحيوية، مع تمكيننا من التوسّع والحصول على رؤى تدعم نمواً مستداماً.
4. رعاية الابتكار المحلي وتسخيره
لن تُعيد التدخلات الفوقية بناء الاقتصادات، بل الحلول المحلية هي التي تفعل ذلك. فالحلول المنبثقة من الداخل ضرورية لتوظيف الخبرة والسياق الثقافي للمجتمعات المعنية، ولتمكين الأفراد، ولا سيما الشباب، من المشاركة في رسم مستقبلهم. وبدلاً من الاعتماد على الحكومات الأجنبية والمنظمات غير الحكومية لحل المشكلات على الأرض، وهو أمر بات أقل ترجيحاً في ظل الضغوط السياسية والمالية عالمياً، يجدر بالقطاع الخاص الاستفادة من المواهب المحلية عالية الجودة وغير المستغلّة في كثير من الأحيان.
ويعمل مختبر الابتكار الاجتماعي وبرنامج المسرّعات لدينا، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومؤسسة رواد، على توجيه الابتكار المحلي نحو تحديات التنمية الاقتصادية، خاصة في قطاعات رئيسية مثل الزراعة والتعليم والصحة. وقد بدأت هذه الشراكة الممتدة لخمس سنوات في عام 2025، ووصلت بالفعل إلى أكثر من 500 ألف شاب، وجمعت ألف فكرة مبتكرة، ودعمت تنظيم هاكاثونين وطنيين، واحتضنت 30 مشروعاً واعداً يعالج الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي.
إذا أرادت الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات الانتقال من الأزمة إلى الإمكان، فعلينا التخلي عن الوصفات العامة وتبنّي حلول متجذّرة في المجتمعات نفسها. يمتلك القطاع الخاص قدرة فريدة على تحقيق ذلك، ليس من خلال إحلاله محلّ المؤسسات العامة، بل عبر تكامل دوره معها من خلال الابتكار والاستثمار والشراكات. وعندما تلتزم الشركات بهذه المبادئ، فإنها لا تكتفي بالصمود أمام عدم الاستقرار، بل تساعد المجتمعات على تحمّله والتعافي منه، وفي نهاية المطاف الارتقاء فوقه. وهذا هو الطريق نحو مستقبل أكثر صموداً وشمولاً وازدهاراً لملايين البشر.
