القائمة الرئيسية

نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي يبدأ من الإنسان ويعود إليه

نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي يبدأ من الإنسان ويعود إليه
ملخص المقال

هذه لحظة مفصلية. فالنجاح يتطلّب تعاونا استراتيجيا، وإعادة تصميم لسير العمل تأخذ في الاعتبار وجود “عاملين رقميين” جدد، ووضع ضوابط تضمن تنفيذ التكنولوجيا بمسؤولية. والنجاح في النهاية يعتمد على تطبيق يتمحور حول الإنسان.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن لتطبيق الذكاء الاصطناعي أن ينجح فقط عندما يُصمَّم ويتم اعتماده بمنهج يتمحور حول الإنسان، من خلال إعادة ابتكار سير العمل، وتعزيز التعاون بين القيادات التنفيذية وتكنولوجيا المعلومات والموارد البشرية، والاستثمار في إعادة تأهيل المهارات وبناء الثقة. وتبرز المقالة دور الذكاء الاصطناعي الوكيلي في دعم قطاعات مثل التوظيف عبر تخفيف الأعباء الإدارية وتمكين تواصل إنساني أعمق، مع التأكيد على أن الحوكمة الصارمة والأخلاقيات والإشراف البشري هي شروط أساسية لضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي مستقبل العمل والاقتصاد لصالح الإنسان لا على حسابه.

  • يتطلّب التحوّل التنظيمي المتسارع الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي إعادة تصميم شاملة لسير العمل.
  • ومع امتلاك نصف القيادات التنفيذية العليا فقط لاستراتيجية متوافقة للذكاء الاصطناعي، يصبح من الضروري أن تنخرط إدارات تكنولوجيا المعلومات والموارد البشرية في تعاون منسّق ومتكامل.
  • ويُظهر نشر الذكاء الاصطناعي في قطاع التوظيف كيف يمكن للتكنولوجيا أن تسهّل تعاونا إنسانيا أعمق بين البشر.

بوصفي متخصصا في التكنولوجيا، كانت السنوات الثلاث الماضية مدهشة. بدأت مسيرتي في تكنولوجيا المعلومات قبل 40 عاما، ولم أشهد تغيّرا يماثل ما نعيشه اليوم. نحن أمام أعنف تحوّل تشهده أجيال كاملة، وتقع على عاتقنا مسؤولية إدارته بطريقة تضع الإنسان في المقام الأول وتدفع الاقتصاد العالمي إلى الأمام.

يشير صندوق النقد الدولي إلى أن 60% من الوظائف معرّضة لتغييرات يقودها الذكاء الاصطناعي، فيما يبيّن المنتدى الاقتصادي العالمي أن 44% من المهارات الأساسية ستتغير خلال السنوات الخمس المقبلة. ويتمثل التحدي أمام القادة في ضمان اعتماد الذكاء الاصطناعي بطرق تحمي كرامة العاملين وتعزّز الشمول، حتى لا يُترك أحد خلف الركب.

هذه لحظة مفصلية. فالنجاح يتطلّب تعاونا استراتيجيا، وإعادة تصميم لسير العمل تأخذ في الاعتبار وجود “عاملين رقميين” جدد، ووضع ضوابط تضمن تنفيذ التكنولوجيا بمسؤولية. والنجاح في النهاية يعتمد على تطبيق يتمحور حول الإنسان.

الإنسان في القلب

من وجهة نظري، يجب أن يتكاتف الرئيس التنفيذي، ورئيس الموارد البشرية، ورئيس المعلومات الرقمية. وقد قرأنا في وقت سابق عن دمج منصبي رئيس المعلومات ورئيس الموارد البشرية لأول مرة، وهو ما يعكس تغيّر طريقة تفكير المؤسسات. غير أن الأمر لا يتعلّق بالضرورة بدمج الأدوار، بل ببناء تعاون منسجم بين تكنولوجيا المعلومات وإدارة شؤون الأفراد. وتُظهر أبحاثنا التي شملت 2,500 من قيادات الصف الأول أن 53% فقط لديهم استراتيجية متوافقة للذكاء الاصطناعي. ومن خلال عملنا مع نحو 100 ألف مؤسسة، نعلم أن استراتيجية تنفيذ التكنولوجيا لا تمثل سوى نصف القصة. فامتلاك خطة واضحة لإعادة تأهيل المهارات وإدارة التغيير لا يقل أهمية، إذ يحتاج العاملون إلى الدعم لتجاوز هذا الاضطراب.

ويقع على عاتق جميع القادة أن يتحلّوا بفضول عميق تجاه الذكاء الاصطناعي، لا أن يقتصر ذلك على العاملين في مجال التكنولوجيا فقط. فالأمر يتعلّق بالالتقاء بالناس حيث هم. وقد طوّرنا لموظفينا أكثر من 760 ساعة تدريبية في الذكاء الاصطناعي، بدءا من الأساسيات وصولا إلى التدريب المتخصص. كما عقدنا شراكة مع الذراع الخيري لشركة مايكروسوفت لتقديم تدريب مجاني في الذكاء الاصطناعي لجميع المرشحين لدينا.

ويتطلب التطبيق الناجح أن نُعيد النظر في الطريقة التقليدية التي اعتدنا بها تنفيذ التكنولوجيا، وأن نفكّر في كيفية تفاعلنا مع الذكاء الاصطناعي ضمن سير عمل جديد. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى التجربة والتكرار والتكيّف مع الحلول التي تقترحها التكنولوجيا. وإعادة ابتكار مكان العمل جهد جماعي، حيث يتعيّن على فرق تكنولوجيا المعلومات التغلغل أكثر في تفاصيل سير العمل.

من المساعدة إلى التعزيز

فكيف ننجح في هذا التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والإنسان؟ يحتاج الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أوامر بشرية، ومع الذكاء الاصطناعي الوكيلي يمكننا تفويض النتائج ليعمل النظام على تكرار المحاولات حتى تحقيقها. ولكي ينجح ذلك، يجب تصميم سير العمل بأدوار واضحة، بحيث يكمّل الذكاء الاصطناعي نقاط قوة الإنسان. والسؤال الجوهري هو: ما الذي لا يستطيع إنجازه إلا البشر، وما الذي يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيزه؟ والإجابة عن هذا السؤال تتطلّب إشراك خبراء المجال بعمق في عملية التصميم.

كثيرا ما نقرأ عن تأثير الذكاء الاصطناعي في التوظيف، ونحن نريد تحويل هذا التأثير إلى فرصة. فالذكاء الاصطناعي الوكيلي يمكنه تحرير وقت مسؤولي التوظيف ليمارسوا ما جذبهم إلى هذه المهنة أساسا: التواصل مع المرشحين. فهناك عبء كبير في مطابقة الأشخاص مع الوظائف على نطاق واسع، بملايين العمليات يوميا.

لذلك عملنا مع فرق التوظيف لتحديد الخطوات المتكررة والإدارية في سير العمل، وصمّمنا الوكلاء وفقا لذلك. ومع متوسط يبلغ 250 طلب توظيف لكل وظيفة شاغرة، كثير منها بات يُنشأ باستخدام الذكاء الاصطناعي، نقوم ببناء قدرات تمكّن من عمليات توظيف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تطابق بفعالية المرشح المناسب مع الوظيفة المناسبة. وقد أطلقنا وكلاء للفحص المبدئي، والتأهيل، وإعادة التوزيع الوظيفي. يقوم الوكلاء بالبحث والتقييم والمتابعة وإعداد القوائم المختصرة، بل وحتى مطابقة المرشحين مع وظائف شاغرة عند انتهاء مهمة ما.

وكانت النتائج قوية: فقد قيّم المرشحون تجربتهم بنحو 4.5 من 5، ويتفاعلون بنسبة 50% خارج ساعات العمل المعتادة لمسؤولي التوظيف. ومع تحرّر وقتهم، بات مسؤولو التوظيف أكثر رضاً بقدرتهم على دعم المرشحين عبر تواصل إنساني أعمق. فالأمر يتعلّق بتصميم سير العمل انطلاقا من فهم عميق للنتائج المرجوة والأثر التجاري، مع ضمان أن تعزّز التكنولوجيا التجربة الإنسانية.

ومع ارتفاع مستوى الاستقلالية، يجب أن يرتفع مستوى الإشراف. فمع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة وكيليّة، ترتفع المخاطر. لا يمكن تدقيق كل خطوة، لذا يجب تدقيق النوايا والقيود والأخلاقيات والقيم. ومن دون حوكمة صارمة، سنفقد الثقة. ويجب أن نضمن ثقة أصحاب المصلحة في القرارات التي نتخذها. وقد أظهرت أبحاثنا أن 34% فقط من الشركات تمتلك سياسة واضحة للذكاء الاصطناعي. لذا يتعيّن على الشركات اعتماد سياسات مسؤولة تضمن وجود إشراف بشري فعّال، وأطر أخلاقية، وحماية للبيانات.

نحن أمام لحظة قيادية حاسمة. يجب أن نتحرّك الآن لإدخال الذكاء الاصطناعي بما يخدم الإنسانية. لطالما كنت متفائلا، وأنا متحمّس للفرص التي يجلبها هذا العصر الذكي. لكن العبء الملقى على عاتق القادة العالميين ثقيل. فنحن نتخذ قرارات ستؤثر في مستقبل البشرية. وعلينا أن نتكاتف ونكون صارمين في الحوكمة. فمستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بما تستطيع الآلات فعله، بل بما يمكن للبشر أن يصبحوا عليه.

المصدر

مقالات ذات صلة