القائمة الرئيسية

كيف تقود المغرب أمن الغذاء عبر الطاقة النظيفة والابتكار

كيف تقود المغرب أمن الغذاء عبر الطاقة النظيفة والابتكار
ملخص المقال

ويُعد تعزيز الأمن الغذائي مع خفض الانبعاثات عبر سلاسل القيمة من خلال الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة والابتكار والاستثمار الشامل فرصة رئيسية لمستقبل أفريقيا المستدام. وفي مختلف أنحاء القارة، تظهر نماذج جديدة تربط بين الطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري والزراعة الذكية، ويأتي المغرب في طليعة هذه النماذج.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف ينجح المغرب في الربط بين تعزيز الأمن الغذائي وخفض الانبعاثات الكربونية من خلال نموذج متكامل يقوم على الطاقة المتجددة، والابتكار الصناعي، والزراعة المستدامة، حيث يستثمر في إمكاناته الكبيرة من الفوسفات والطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر لتطوير أسمدة منخفضة الكربون ودعم المزارعين بأساليب زراعية أكثر كفاءة وشمولًا، مقدّمًا بذلك نموذجًا عمليًا يمكن لأفريقيا والدول النامية الاستفادة منه لتحقيق نمو زراعي مرن، عادل، ومتوافق مع أهداف المناخ.

  • يواجه العالم تحديًا مزدوجًا يتمثل في إطعام عدد متزايد من السكان العالميين، مع خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكل جذري.
  • وستكون الزراعة والنظم الغذائية محوريتين في تحقيق هذين الهدفين، فيما تلعب أفريقيا، التي تضم نحو 65% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، دورًا حاسمًا في هذا السياق.
  • وتبرز تجربة المغرب كيف يرتبط أمن الغذاء وإزالة الكربون ببعضهما البعض على المستويات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية.

يواجه العالم تحديًا مزدوجًا: إطعام سكان يُتوقع أن يبلغ عددهم 9.8 مليار نسمة بحلول عام 2050، مع خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكل كبير. وتتحمل الزراعة والنظم الغذائية، المسؤولة عن نحو ثلث الانبعاثات العالمية، دورًا محوريًا في تحقيق هذين الهدفين.

وتُعد أفريقيا عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، إذ تمتلك حوالي 65% من الأراضي الزراعية غير المزروعة في العالم، لكنها لا تزال مستوردًا صافيًا للغذاء. ويتطلب استغلال هذه الإمكانات نموذجًا يجمع بين صحة التربة والطاقة النظيفة وكفاءة استخدام الموارد والنمو الشامل.

ويُعد تعزيز الأمن الغذائي مع خفض الانبعاثات عبر سلاسل القيمة من خلال الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة والابتكار والاستثمار الشامل فرصة رئيسية لمستقبل أفريقيا المستدام. وفي مختلف أنحاء القارة، تظهر نماذج جديدة تربط بين الطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري والزراعة الذكية، ويأتي المغرب في طليعة هذه النماذج.

الدور المحوري للمغرب في أمن الغذاء

بصفته أحد أبرز المنتجين الزراعيين في العالم ومن بين أكبر خمسة مصدّرين عالميين للأسمدة، يقف المغرب في قلب الترابط بين أمن الغذاء والعمل المناخي في أفريقيا. ومع امتلاكه نحو 70% من احتياطات الفوسفات العالمية وإمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، يتمتع هذا البلد المغاربي بموقع يؤهله لقيادة نموذج جديد للنمو الزراعي المستدام.

ويُعد الفوسفات، إلى جانب النيتروجين والبوتاسيوم، من العناصر الغذائية الثلاثة الأساسية التي تقوم عليها الإنتاجية والأمن الغذائي العالمي. وإلى جانب قيمته الزراعية، تسهم الأسمدة القائمة على الفوسفات المستدام في تحسين كفاءة استخدام المغذيات ومساعدة المزارعين على التكيف مع الضغوط المناخية.

ويتمتع المغرب بمكانة فريدة تجمع بين كونه منتجًا زراعيًا رئيسيًا وموردًا عالميًا للأسمدة منخفضة الكربون المصممة خصيصًا. وباحتضانه لأحد أبرز المبتكرين عالميًا في تكنولوجيا الأسمدة منخفضة الانبعاثات، يجسد المغرب كيف أن إطعام البشرية وإزالة الكربون ليسا هدفين متعارضين، بل مسارين متكاملين.

وتماشيًا مع مساهمته الوطنية المحددة المحدّثة، التزم المغرب بخفض انبعاثاته بنسبة 21.6% دون شروط، وبنسبة تصل إلى 53% بدعم دولي بحلول عام 2035 مقارنة بخط الأساس لعام 2010. وتمثل صناعة الفوسفات 9% من هدف التخفيف الوطني لعام 2035، ما يبرز دورها في مسار التحول منخفض الكربون.

تحدي الموازنة بين أمن الغذاء وإزالة الكربون

يؤدي تزايد الطلب إلى الضغط على سلاسل توريد الأسمدة، لا سيما المغذيات القائمة على الفوسفات، وهي عنصر أساسي لخصوبة التربة. ولمواكبة هذا الطلب، يعمل المنتجون حول العالم على زيادة قدراتهم الإنتاجية.

وقد أطلق المغرب، عبر رائد الأسمدة الفوسفاتية عالميًا، برنامج استثمار كبير لرفع الإنتاج من 12 مليون طن في عام 2024 إلى 20 مليون طن بحلول 2027، مع استهداف الحياد الكربوني عبر النطاقات الثلاثة بحلول 2040، رغم أن صناعة الفوسفات تُعد من القطاعات صعبة الخفض للانبعاثات.

غير أن زيادة الإنتاج تعني زيادة الانبعاثات، ما يخلق معضلة أساسية: كيف يمكن تلبية الطلب المتزايد على الغذاء مع خفض الانبعاثات؟ وفي الوقت نفسه، لا تزال تقنيات إزالة الكربون غير ناضجة ومكلفة إلى حد كبير، إذ تتراوح تكلفة احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه بين 50 و200 دولار للطن من ثاني أكسيد الكربون، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. كما تزيد تكاليف الطاقة وندرة المياه وتفاوت الوصول إلى التكنولوجيا من تعقيد هذا التحدي، لا سيما في دول الجنوب العالمي.

وبالنسبة لأفريقيا، يبرز ذلك الحاجة إلى تنويع مسارات إزالة الكربون عبر الاستثمار في التقنيات الفعالة من حيث التكلفة والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والإدارة الكفؤة للموارد.

دفع التحول عبر الطاقة والابتكار والشمول

على مدى العقد الماضي، رسخ المغرب انتقاله الطاقي بالاعتماد على الطاقة النظيفة، مع مشاريع رائدة تُظهر كيف يستفيد من إمكاناته الكبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كميزة استراتيجية. وفي عام 2023، شكلت الطاقات المتجددة، ولا سيما الشمسية والرياح، نحو 22% من إجمالي توليد الكهرباء، مع طموح لبلوغ 52% بحلول عام 2030.

ويمتد هذا الطموح إلى القطاع الصناعي، حيث تُعد الطاقة النظيفة محركًا رئيسيًا لإزالة الكربون. ويسير المغرب على الطريق لتنفيذ عدة مشاريع استراتيجية، من بينها مشروع تقوده منصة الطاقة الخضراء التابعة لمجموعة الفوسفات، يهدف إلى نشر برنامج استثماري طموح في الطاقات المتجددة بطاقة مخطط لها تتجاوز 1.2 غيغاواط، لتزويد عمليات التعدين والصناعة بطاقة نظيفة بنسبة 100% بحلول 2027.

وتتضمن المرحلة الأولى من هذا البرنامج 202 ميغاواط من محطات الطاقة الشمسية في أكبر محطة كهروضوئية عاملة حاليًا في المغرب، والتي تزود بالفعل منشآت تحلية المياه ومواقع صناعية رئيسية، بما يدعم الأهداف المناخية الوطنية ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وبالتوازي، تهدف منصة المياه الخضراء إلى تلبية كامل الاحتياجات المائية الصناعية عبر التحلية وإعادة الاستخدام. ومن خلال نماذج أعمال تجمع بين الطاقات المتجددة والإدارة المستدامة للمياه، يبني المغرب نموذجًا متكاملًا يقلل الانبعاثات ويحافظ على الموارد.

ويتسارع هذا الزخم أكثر عبر الهيدروجين والأمونيا الخضراء. فبفضل موارده الوفيرة من الطاقة المتجددة، بما في ذلك الإمكانات الشمسية العالية والرياح الساحلية المنتظمة وإمكانية الوصول إلى مياه البحر للتحلية، يتمتع المغرب بإمكانات كبيرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بتكلفة تنافسية. كما سيدعم الهيدروجين والأمونيا الخضراوان إنتاج الأسمدة الفوسفاتية منخفضة الكربون، بما ينسجم مع طموحات المغرب في مجالي الطاقة والغذاء.

ومن خلال الجمع بين الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والزراعة الدقيقة، يقود المغرب نموذجًا جديدًا للأسمدة منخفضة الكربون يقلل الانبعاثات ويعزز الكفاءة. كما تولي البرامج أهمية كبيرة للأثر الاجتماعي، إذ تُعد المجتمعات جزءًا أساسيًا من هذا التحول. وتُظهر مبادرات موجهة للمزارعين، تعتمد على أساليب علمية منخفضة الكربون وتقديم الدعم التقني، نتائج مشجعة، من بينها زيادات في المحاصيل تصل إلى 23%، وارتفاع في الربحية بأكثر من 50%، وعزل ما يصل إلى 1.4 طن من الكربون لكل هكتار.

وتعزز هذه البرامج التعلم المشترك بين المزارعين والمهندسين الزراعيين والباحثين لتطوير حلول قادرة على الصمود أمام التغير المناخي، وتقدم نماذج قابلة للتوسع في مختلف أنحاء أفريقيا، تربط بين الطاقة المتجددة والأسمدة منخفضة الكربون عبر سلاسل القيمة، وتخلق فرص عمل، وترفع الإنتاجية، وتحسن صحة التربة.

خارطة طريق عالمية لتعزيز أمن الغذاء

لا تكفي التكنولوجيا وحدها. ولكي تسهم إزالة الكربون في تعزيز الأمن الغذائي العالمي، يجب أن تكون متاحة وميسورة التكلفة للمزارعين، خاصة في الدول النامية. وينبغي للسياسات الشاملة أن تضمن مشاركة دول الجنوب العالمي، من خلال توسيع برامج الدعم للهيدروجين الأخضر أو الأسمدة منخفضة الكربون لتشمل المنتجين الأفارقة.

ونظرًا للعوائق الهيكلية والتكنولوجية التي تواجه صناعة الأسمدة الفوسفاتية في إزالة الكربون من عملياتها صعبة الخفض، هناك حاجة إلى إطار سياساتي مخصص لدعم الابتكار والاستثمار الموجّه.

وتُعد آليات تقاسم المخاطر وإشارات السوق الواضحة عناصر أساسية. فالمبادرات التي تعيد ما بين 50% و80% من عائدات أرصدة الكربون إلى المزارعين توائم الحوافز المحلية مع الأهداف العالمية، بينما تسهم معايير الأسمدة منخفضة الكربون والطلب الاستهلاكي في خلق أسواق مستقرة تكافئ النظم الغذائية المستدامة.

وتُظهر تجربة المغرب أن أمن الغذاء وإزالة الكربون مترابطان تكنولوجيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ويتطلبان مراعاة دقيقة لتداعيات الطاقة والمياه والجوانب الاجتماعية عند مواجهة هذا التحدي المزدوج. ومن خلال الجمع بين الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة والتمويل الشامل، يقدم المغرب نموذجًا يُحتذى به للدول النامية لقيادة هذا التحول.

إن إطعام العالم مع التكيف مع المخاطر المناخية والتخفيف من آثارها لم يعد هدفًا بعيد المنال، بل بات واقعًا يتشكل حيث يلتقي الابتكار بالعدالة والازدهار المشترك.

ويشارك مجلس المستقبل العالمي لشبكة الطاقة الأفكار والأمثلة عبر سلسلة «رؤى ترابط الطاقة»، التي تضم مدونات ومقالات ورسومًا معلوماتية وأدلة لصنّاع القرار في القطاعين العام والخاص، إضافة إلى تحليلات قطاعية.

المصدر

مقالات ذات صلة