ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يفتتح اجتماع دافوس 2026 للمنتدى الاقتصادي العالمي بالموسيقى بدل الخطابات، في رسالة رمزية تؤكد أن الحوار الحقيقي يبدأ بالإنسانية المشتركة. وتبرز كيف يجمع الحفل الافتتاحي بين التقاليد الموسيقية الكلاسيكية والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإبداع المتجاوز للحدود الذي يقدّمه جون باتيست، ليقدّم نموذجًا للتعاون العالمي يقوم على الإصغاء، واحترام التنوع، وتوجيه التكنولوجيا بالقيم والخيال، في عالم يزداد انقسامًا وحاجةً إلى الحوار والتلاقي.
- يفتتح الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي ليس بالخطب أو مذكرات السياسات، بل بالموسيقى، في اختيار مقصود ومدروس بعناية.
- سيضم الحفل الافتتاحي عروضًا لأوركسترا ماهلر الحُجَرية، وعازف الكمان رينو كابوسون، والفائز بجائزة غرامي جون باتيست، كما سيقدّم أعمالًا للفنان والتقني رونين تانشوم.
- ويُعقد الاجتماع في دافوس من 19 إلى 23 يناير تحت شعار «روح الحوار».
في وقت تشكّل فيه التوترات العالمية، والتغير التكنولوجي المتسارع، وحالة التشرذم، الكثير من النقاشات على الساحة الدولية، يختار الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي أن يبدأ بالموسيقى بدلًا من الكلمات والسياسات. هذا الاختيار ليس تزيينيًا ولا عرضيًا، فالحفل الافتتاحي يتجاوز كونه تمهيدًا فنيًا ليصبح إعلان نوايا واضحًا.
قبل أن ينغمس المشاركون في النماذج الاقتصادية أو المخاطر الجيوسياسية، تتم دعوتهم إلى التوقف قليلًا، للاستماع والشعور وبناء التواصل. ففي عالم تحكمه البيانات وتسارُع اتخاذ القرار، يقدّم المنتدى تذكيرًا جوهريًا: الحوار الحقيقي يبدأ من الإنسانية المشتركة. فخلف كل سياسة، وكل خوارزمية، وكل أجندة، ينبض دائمًا قلب إنساني.
حوار بين التقليد والتكنولوجيا
يفتتح الحفل أوركسترا ماهلر الحُجَرية بمشاركة عازف الكمان الشهير رينو كابوسون. ويشكّل الريبرتوار الكلاسيكي العمود العاطفي للنصف الأول من العرض، غير أنّ البعد البصري هو ما يضفي على الأداء طابعه المستقبلي. فقد صمّم الفنان والتقني رونين تانشوم تركيبًا بصريًا يولَّد بالذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي، ويتفاعل ديناميكيًا مع الموسيقى، حيث تُطلق كل جملة موسيقية صورًا رقمية متحولة، وأنماطًا متبدلة، وانفجارات لونية تتراقص على شاشة LED كبيرة خلف العازفين.
أوركسترا ماهلر الحُجَرية
الصورة: تصوير جيفروي شيد
إن هذا التفاعل بين الإتقان التناظري والإبداع الخوارزمي يتحدى الافتراض القائل بأن التقليد والابتكار يقفان في حالة تعارض. بل يكشف، على العكس، عن قدرتهما على الارتقاء ببعضهما البعض. ويتحوّل العرض إلى استعارة لعالم لا تحل فيه التكنولوجيا محل القصد الإنساني، بل تعزّزه وتضخّمه. وهي فكرة تتناغم بعمق مع النقاشات حول التحول الرقمي التي تتواصل طوال أيام الاجتماع السنوي.
عازف الكمان الشهير رينو كابوسون
الصورة: يونيفرسال ميوزيك
جون باتيست: صورة لإبداع يتجاوز الحدود
إذا كان النصف الأول من الحفل يستكشف التناغم بين الماضي والمستقبل، فإن النصف الثاني يبرز قوة التلاقي الثقافي من خلال الإبداع الاستثنائي لجون باتيست.
يُعد جون باتيست فائزًا متعددًا بجوائز غرامي، وحاصلًا على جائزة الأوسكار، وأحد أبرز الأسماء في الموسيقى الأمريكية المعاصرة، وقد بنى مسيرته الفنية على كسر الحواجز وإذابة الحدود. نشأ في عائلة موسيقية عريقة في نيو أورلينز، ويمزج في أعماله بين الجاز، والتكوين الكلاسيكي، وحماسة الغوسبل، والسول، وR&B، والارتجال، ليصوغ صوتًا متفردًا يحمل بصمته الخاصة. تشع عروضه بحضور نابض وحيوي، فيما تنبض موسيقاه بالبراعة الفنية وبقدر مماثل من الصدق والهشاشة الإنسانية.
«الموسيقى قوة اجتماعية، ووسيلة للشفاء، وبناء المجتمع، والإصغاء العميق».
جون باتيست، فائز متعدد بجوائز غرامي، وحاصل على جائزة الأوسكار، وأحد أبرز رموز الموسيقى الأمريكية المعاصرة
الصورة: لوكا روسيتي
ما يميّز جون باتيست حقًا ليس فقط إتقانه التقني أو تنوّعه الأسلوبي، بل إيمانه العميق بأن الموسيقى قوة اجتماعية، ووسيلة للشفاء، وبناء المجتمع، والإصغاء العميق. وفي الحفل الافتتاحي، يجسّد هذه الفلسفة بكل وضوح. فموسيقاه تنسج الأنماط والمشاعر المختلفة بانسيابية سلسة، مبرهنة أن التنوع لا يحتاج إلى التبسيط من أجل تحقيق الوحدة، بل يمكن احتضانه، وتراكبه، وتركه يتردد ويزدهر.
وفي مناخ عالمي كثيرًا ما تطغى عليه الانقسامات، يقدّم أداء جون باتيست بديلًا ملهمًا: احتفاءً بالاختلاف بوصفه مصدرًا للثراء لا للانقسام.
الموسيقى كنموذج للتعاون
على امتداد الحفل، تتشكّل استعارة هادئة لكنها بالغة القوة. فكما يضبط الموسيقيون أداءهم مع بعضهم البعض في الزمن الحقيقي، ويعيدون تشكيل العبارات الموسيقية، والديناميكيات، والإيقاع، يتطلب التعاون الفعّال حضورًا ذهنيًا، ومرونة، واستعدادًا حقيقيًا للإصغاء. وكما يمكن لتقاليد موسيقية متنوعة أن تتعايش داخل عمل واحد، يعتمد التعاون العالمي على إدراك الإمكانات الإبداعية الكامنة في اختلاف وجهات النظر.
تتجاوز الموسيقى الأحكام المسبقة، وتخفف الحدود التي يحملها الأفراد معهم إلى أي فضاء. وهي تذكّر المشاركين بأنهم، قبل أن يكونوا قادة من أي نوع، هم مستمعون أولًا.
حتى التركيب البصري القائم على الذكاء الاصطناعي يقدّم درسًا جوهريًا: تظل التكنولوجيا في أوج قوتها عندما تُوجَّه بالقصد الإنساني، والأخلاقيات، والخيال.
ومع انتقال المشاركين إلى أيام من النقاش، والجدل، وصنع القرار، يأتي هذا المساء كتذكير بأن التناغم، سواء كان موسيقيًا أو جيوسياسيًا، يبدأ بالشجاعة في الإصغاء إلى بعضنا البعض.
وفي عالم يرزح تحت وطأة التشرذم، يقدّم الحفل الافتتاحي رؤية لما يمكن تحقيقه حين تقود الإبداعية الطريق، وحين يسبق الاستماع الكلام، وحين يقوم التعاون لا على الاستراتيجية وحدها، بل على إنسانية مشتركة.
