ملخص: تناقش هذه المقالة اعتماد ماليزيا لإطار «تحويل العناقيد الصناعية» كأجندة وطنية لتسريع التحول الصناعي الأخضر، من خلال تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتنسيق الجهود الاتحادية والولائية، وتطوير عناقيد استراتيجية في ساراواك وجوهور وسيلانغور وبينانغ، بما يدعم خفض الانبعاثات، وخلق وظائف عالية المهارات، وترسيخ مكانة ماليزيا كمركز إقليمي رائد للصناعة المستدامة القائمة على التكنولوجيا في جنوب شرق آسيا.
- رغم إمكاناتها الكبيرة، تواجه العديد من العناقيد الصناعية تحديات، من بينها غموض استراتيجيات النمو، وتشتت هياكل الحوكمة، وضعف التركيز على نماذج الأعمال المشتركة وجهود الرقمنة.
- مبادرة «تحويل العناقيد الصناعية» (Transitioning Industrial Clusters – TIC) توحد أكبر مجتمع عالمي للعناقيد الصناعية حول رؤية مشتركة لتحقيق النمو الاقتصادي، وحماية الوظائف، وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
- وبعد مرور أربع سنوات، وافقت الحكومة الماليزية على اعتماد إطار TIC كأجندة وطنية.
يشهد العالم تحولا صناعيا واسعا النطاق. فارتفاع الطلب على الطاقة، وتغير المشهد الجيوسياسي، وظهور تقنيات جديدة، كلها عوامل تعيد تشكيل النظم الصناعية. وأصبحت أمن الطاقة والتنافسية الصناعية عنصرين مترابطين، في وقت لا تزال فيه الاستثمارات في الطاقة النظيفة أقل بكثير مما هو مطلوب. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء عناقيد صناعية قادرة على المنافسة لسد هذه الفجوة.
أُطلقت مبادرة «تحويل العناقيد الصناعية» خلال مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ لعام 2021 (COP26) من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع شركتي Accenture وEPRI. ومنذ ذلك الحين، توسعت المبادرة لتشمل 40 عنقودا صناعيا في 20 دولة، لتصبح أكبر تجمع من نوعه على مستوى العالم.
تمثل العناقيد الصناعية المنظمة جيدا، وهي مناطق جغرافية تتعاون فيها الشركات والمؤسسات العامة المتجاورة، فرصة فورية لإحداث تحول جذري. فمن خلال تقاسم البنية التحتية والموارد والمخاطر، يمكن لهذه العناقيد تحقيق كفاءة أعلى وأثر جماعي أكبر.
ومع ذلك، ورغم هذه الإمكانات، لا تزال العديد من العناقيد تواجه تحديات، من بينها غياب استراتيجيات نمو واضحة، وتجزؤ هياكل الحوكمة، وضعف التركيز على حالات الأعمال المشتركة.
ولتسريع التحول الصناعي عبر نهج شامل، طورت المبادرة إطار TIC، الذي يقوم على أربعة مكونات أساسية:
تحقيق توازن بين خلق القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
اعتماد نهج شامل لجميع التقنيات والعمليات التي تدعم خفض انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO2e).
تعزيز التعاون متعدد القطاعات داخل الصناعة الواحدة وعبر الصناعات المختلفة، وبين القطاعين العام والخاص، والجهات الممولة، والعمال، والمجتمعات المحلية.
تنسيق استراتيجيات مرنة ومتكاملة تجمع بين الشراكات، والسياسات، والتمويل، وتمكين التكنولوجيا ونشرها.
لماذا اعتمدت ماليزيا إطار TIC؟
في يونيو 2025، اعتمدت ماليزيا إطار TIC كأجندة وطنية لدفع النمو الاقتصادي الأخضر، وخلق فرص عمل عالية المهارات، والحد من انبعاثات الكربون.
وقال رئيس الوزراء الماليزي أنور بن إبراهيم:
«وافقت الحكومة الماليزية على اعتماد إطار TIC كأجندة وطنية، لأنه خطوة استراتيجية توحد الشركات والمؤسسات العامة لدفع النمو الاقتصادي الأخضر، وفتح آفاق لفرص عمل عالية المهارات، وتقليل انبعاثات الكربون».
رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم يترأس اجتماع مجلس الاقتصاد الرقمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا، 23 يونيو 2025
الصورة: عزالدين عبد رزاق / مكتب رئيس وزراء ماليزيا
يمثل هذا الإنجاز، الذي تحقق بالتعاون مع مركز ماليزيا للثورة الصناعية الرابعة (MYCentre4IR)، ثمرة أكثر من عام ونصف من الانخراط المستمر داخل البلاد، شمل فعاليات افتراضية وأخرى حضورية في أبرز المراكز الصناعية مثل جوهور وساراواك، بهدف بناء رؤية مشتركة.
ويؤكد هذا التطور قدرة المنتدى الاقتصادي العالمي على تعزيز التعاون الوطني والإقليمي بين القطاعين العام والخاص، وصياغة رؤى متقدمة لتطوير العناقيد الصناعية.
وبموجب هذا الاعتماد الوطني، كلف رئيس الوزراء مركز MYCentre4IR بتنسيق الجهود بين الوكالات الاتحادية وحكومات الولايات، وإعداد مقترح موحد لتسريع تحولات العناقيد الصناعية في ماليزيا.
وتشمل الأولويات الرئيسية ما يلي:
تطوير استراتيجيات عناقيد صناعية على مستوى الولايات، بما ينسجم مع الطموحات الاتحادية ويستفيد من نقاط القوة الاقتصادية لكل ولاية، بما يضمن تخطيطا أكثر تماسكًا وجاهزية أعلى للاستثمار وقدرة تنافسية طويلة الأمد.
إرساء هيكل حوكمة رسمي وخارطة طريق انتقالية لعنقود بينتولو في ولاية ساراواك، بما يحدد الأدوار ومسارات اتخاذ القرار، ويؤسس لحزمة مشاريع قابلة للاستثمار دعما لدورة الإطلاق المخطط لها في عام 2026.
توسيع نطاق تطبيق إطار TIC المعتمد في بينتولو ليشمل عناقيد استراتيجية أخرى، يتم اختيارها بناء على أهميتها الاقتصادية الوطنية وإمكاناتها للنمو الصناعي منخفض الكربون.
المراكز الصناعية الرئيسية في ماليزيا
يلعب كل مركز صناعي رئيسي في ماليزيا دورا مميزا في دفع أجندة النمو المستدام القائم على التكنولوجيا.
ساراواك: مركز البتروكيماويات الخضراء
يرتكز عنقود بينتولو في ولاية ساراواك على وفرة الموارد المتجددة ونظام بتروكيماوي ناضج، ما يؤهل ماليزيا لتكون رائدة في إنتاج الجزيئات الخضراء. ويركز العنقود على:
دمج الجزيئات الخضراء والإلكترونات الخضراء في سلاسل القيمة البتروكيماوية القائمة، بما يتيح مواد أولية منخفضة الكربون ومسارات إنتاج أنظف.
تعزيز التكامل الصناعي بين أنشطة البتروكيماويات والهيدروجين والتصنيع التحويلي.
استكمال نموذج الحوكمة بين الولاية والحكومة الاتحادية لدعم التخطيط المنسق وتمكين إطلاق مشاريع عام 2026.
جوهور: مراكز بيانات مستدامة ومنظومة الذكاء الاصطناعي
تتحول جوهور بسرعة إلى أحد أبرز مراكز البيانات الضخمة والمنصات الرقمية في جنوب شرق آسيا. وتركز استراتيجية TIC على:
دمج الطاقة المتجددة ومنخفضة الكربون في توسعات مراكز البيانات.
استخدام التوائم الرقمية لتحسين التبريد والموثوقية وكفاءة استخدام الموارد.
تعزيز دور جوهور كمركز إقليمي مستدام للذكاء الاصطناعي.
تمكين النمو اللاحق في خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والمحتوى الرقمي، ومعالجة البيانات التحليلية عالية القيمة.
سيلانغور: عنقود التصنيع
يوفر الأساس التصنيعي الواسع في سيلانغور فرصا كبيرة لتعزيز المنظومة الصناعية على المدى الطويل. وتركز الجهود الأولية لإطار TIC على:
استكشاف فرص الارتقاء بالقدرات الصناعية عبر برامج التصنيع الذكي.
تحديد المجالات التي يمكن أن يعزز فيها الدعم المشترك أو التنسيق القدرة التنافسية.
تشجيع التحسين التدريجي في المشهد التصنيعي الأوسع من خلال نشر أدوات وتقنيات داعمة مثل Lumina.
بينانغ: أشباه الموصلات والصناعات الكهربائية والإلكترونية
يواصل نظام أشباه الموصلات والصناعات الكهربائية والإلكترونية في بينانغ تطوره ضمن ممر إقليمي متنام. وتركز مناقشات TIC على:
دعم تطوير المنظومة الصناعية وتعزيز مرونتها.
تحسين التنسيق بين الأنشطة upstream وdownstream.
استكشاف مسارات مشتركة للحفاظ على نمو صناعي عالي القيمة على المدى الطويل.
ومن شأن هذه الاستراتيجية تعزيز التنافسية الصناعية لماليزيا، وتعميق اندماجها في سلاسل القيمة الإقليمية، وترسيخ مكانتها كمركز رائد للتنمية الصناعية المستدامة والقائمة على التكنولوجيا في جنوب شرق آسيا.
ما أثر مبادرة TIC؟
تجمع مبادرة TIC أبرز الجهات الصناعية العامة والخاصة عالميا، بمستويات مختلفة من الطموح والتطور، للتوافق حول العناصر اللازمة للتنافس على التمويل، والحصول على الدعم التنظيمي، وإطلاق أنشطة تطوير واسعة النطاق تضمن انتقالا ناجحا للعناقيد الصناعية.
وتحقق المبادرة نتائج ملموسة على ثلاثة مستويات من التأثير: السياسات، والعناقيد، والمشاريع، بما يبرهن على قدرة العمل التعاوني على تحويل الحوار الاستراتيجي إلى اعتماد وطني، وتحول صناعي، وتنفيذ فعلي على أرض الواقع.
ويعزز كل مستوى المستويات الأخرى، ما يخلق نموذجا قابلا للتوسع والتكرار عبر الدول والمناطق والعناقيد الصناعية المختلفة لتعزيز التنافسية.
وبذلك، يتيح إطار TIC لماليزيا الاستجابة بفعالية للتحولات في قوى السوق العالمية، حيث يمكن للعناقيد الصناعية، عبر اعتماد تقنيات عالية الأثر، أن تتحول إلى محركات للنمو الأخضر ودعائم للتنافسية العالمية.
