بعد عامين على هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، تقدّمت عائلات الضحايا بدعاوى قضائية ضد منصة «باينانس»، إحدى أكبر منصات تداول العملات المشفّرة في العالم، والتي لطالما لاحقتها قضايا وجدالات.
ففي الرابع والعشرين من نوفمبر 2025، رفع ممثلو أكثر من 300 ضحية وأفراد من عائلاتهم دعوى يتهمون فيها «باينانس» ورئيسها التنفيذي السابق تشانغبينغ جاو—الذي صدر بحقه عفو رئاسي مؤخرًا—بالتغاضي المتعمد عن قواعد مكافحة غسل الأموال وإجراءات «اعرف عميلك»، وهي القواعد التي تُلزم المؤسسات المالية بالتحقق من هوية الأطراف التي تجري المعاملات.
وبحسب الدعوى، فإن هذا التغاضي أتاح لكيانات مصنّفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، مثل حماس وحزب الله، غسل ما يقارب مليار دولار أمريكي عبر المنصة. ورغم أن جاو أقرّ في عام 2023 بانتهاك قوانين غسل الأموال، فقد امتنعت «باينانس» عن التعليق على القضية مكتفية ببيان تؤكد فيه امتثالها الكامل «لقوانين العقوبات الدولية المعترف بها».
غير أن ما تكشفه هذه القضية يتجاوز بكثير مسألة جماعات إرهابية بعينها. فمن منظور أوسع، تمثل هذه الاتهامات مثالًا صارخًا على كيفية تحوّل العملات المشفّرة إلى أداة تُقوّض الأمن العالمي، بل وتهدد الأمن القومي الأمريكي في بعض الحالات.
فالعملات المشفّرة باتت تسهّل على دول مثل كوريا الشمالية وإيران وروسيا—إلى جانب جماعات مسلحة وشبكات إجرامية—تمويل برامج أسلحة غير مشروعة وشراء تكنولوجيا عسكرية بمليارات الدولارات.
وعلى الرغم من استمرار بعض إجراءات الرقابة والتنفيذ، فإن تبنّي إدارة ترامب لسياسات أكثر تساهلًا تجاه العملات المشفّرة قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة التمويل غير المشروع للتكنولوجيا العسكرية. وقد حذّر من ذلك خبراء قانونيون واقتصاديون ومنظمات دولية معنية بمكافحة الفساد، بل وحتى وزارة الخزانة الأمريكية نفسها، مشيرين إلى أن الثغرات التنظيمية القائمة تشكّل خطرًا متزايدًا على الأمن القومي.
العملات المشفّرة كأداة للالتفاف على العقوبات
على مدى أكثر من ثلاثة عشر عامًا، عمل «مشروع الأمن الدولي والتجارة وسياسات القوة الاقتصادية» على دراسة سبل الحد من انتشار تكنولوجيا الأسلحة الخطرة، بما في ذلك تتبّع استخدام العملات المشفّرة في جمع الأموال وغسلها لصالح برامج التسلّح.
وخلال هذه الفترة، تبيّن أن العملات المشفّرة لم تعد مجرد وسيلة بديلة للدفع، بل تحوّلت إلى أداة فعّالة للالتفاف على العقوبات الدولية. فالدول الخاضعة لعقوبات مشددة، مثل إيران وكوريا الشمالية وروسيا، تستغل ثغرات التنفيذ وطبيعة العملات الرقمية الغامضة لتأمين التمويل وشراء المكوّنات والتقنيات اللازمة لبرامجها العسكرية.
وتشير تقديرات عام 2024 إلى أن نحو نصف العملة الأجنبية التي حصلت عليها كوريا الشمالية في ذلك العام جاءت من عمليات مرتبطة بالعملات المشفّرة، كثير منها نتج عن هجمات إلكترونية معقّدة.
سرقات رقمية بحجم البنوك
في فبراير 2025، نفّذت كوريا الشمالية واحدة من أكبر السرقات الرقمية في التاريخ، حين استولت على ما يزيد عن 1.5 مليار دولار من العملات المشفّرة من منصة «Bybit» التي تتخذ من الإمارات مقرًا لها.
وتشبه هذه الهجمات، من حيث الأثر، عمليات السطو على البنوك، لكن في فضاء رقمي. فقد نجح عملاء كوريون شماليون في اختراق نظام أمني معقّد عبر خداع مطوّر برمجيات لتثبيت برنامج خبيث مكّنهم من تجاوز المصادقة متعددة العوامل. وبذلك، أعادوا توجيه تحويلات العملات المشفّرة إلى محافظ خاضعة لسيطرتهم.
وبعد الاستيلاء على الأموال، جرى «غسلها» مرارًا عبر منصات خلط ومحافظ متعددة وعملات مختلفة لإخفاء مصدرها ووجهتها النهائية. ورغم استعادة جزء محدود من هذه الأموال، فإن القسم الأكبر منها اختفى. وقد ربط مكتب التحقيقات الفيدرالي الهجوم لاحقًا بمجموعة «TraderTraitor»، إحدى وحدات الحرب السيبرانية التابعة لكوريا الشمالية.
فجوة أمنية متزايدة
تكمن جاذبية العملات المشفّرة في سهولة اقتنائها وتحويلها بين الحسابات والعملات المختلفة، مع متطلبات محدودة—أو معدومة أحيانًا—للتحقق من الهوية. ومع تشديد العقوبات الدولية، وجدت دول مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية في هذه الخصائص وسيلة بديلة لجمع الأموال وشراء مستلزمات التسلّح.
حتى العملات المستقرة، التي يُروّج لها على أنها أكثر أمانًا لارتباطها بعملات قوية مثل الدولار الأمريكي، ثبت تورطها في تمويل أنشطة غير مشروعة، من بينها برامج أسلحة.
وعلى عكس الأنظمة المالية التقليدية، التي تمتلك ضوابط راسخة لمكافحة غسل الأموال، لا يزال قطاع العملات المشفّرة متأخرًا في هذا المجال. وفي بعض الحالات، يكون هذا التأخر مقصودًا، إذ تسعى بعض الشركات إلى تجاوز القيود بدوافع ربحية أو أيديولوجية، أو بحجة أن المنصات لا ينبغي أن تُحاسَب على أفعال مستخدميها.
الخطر لا يقتصر على جمع الأموال، بل يمتد إلى القدرة على تمريرها بهدوء عبر شركات واجهة، بعيدًا عن أعين الرقابة المالية التقليدية. ومع الكم الهائل من المعاملات وتعدد المنصات المركزية واللامركزية وضعف التنسيق الرقابي، أصبحت العملات المشفّرة بيئة مثالية لغسل الأموال المخصّصة لبرامج التسلّح.
مكاسب رقمية… ومخاطر حقيقية
تحصد الدول المارقة مكاسب كبيرة من هذا الواقع. فقد كانت كوريا الشمالية، بحكم خبرتها الطويلة في التحايل على العقوبات، الأكثر استفادة من العملات المشفّرة، حيث تشير التقديرات إلى أنها سرقت ما لا يقل عن 2.8 مليار دولار خلال أقل من عامين لتمويل برنامجها العسكري.
كما لجأت إيران إلى العملات المشفّرة لتسهيل بيع النفط المرتبط ببرامج التسلّح، سواء لصالحها أو لصالح حلفائها الإقليميين مثل الحوثيين وحزب الله، مستفيدة من منصتها المحلية «Nobitex».
أما روسيا، فقد تجاوزت مرحلة غسل الأموال وجمعها، لتستخدم العملات المشفّرة مباشرة في شراء معدات وتقنيات عسكرية تدعم حربها في أوكرانيا.
تهديد مباشر للأمن القومي
ورغم خطورة هذه التطورات، تشهد الولايات المتحدة تراجعًا ملحوظًا في إجراءات الإنفاذ. فقد أثار العفو عن مؤسس «باينانس» تساؤلات جدية حول التزام واشنطن بتطبيق العقوبات على قطاع العملات المشفّرة. كما أن تخفيف القيود على تعامل البنوك مع العملات الرقمية وإغلاق وحدة مكافحة الاحتيال الرقمي في وزارة العدل أضعفا قدرة الدولة على التصدي لهذا النوع من التمويل غير المشروع.
في الوقت الراهن، تُستخدم العملات المشفّرة فعليًا في تمويل برامج أسلحة تهدد الأمن الأمريكي والعالمي. ورغم أن لهذه العملات استخدامات مشروعة، فإن تجاهل مخاطر غسل الأموال والالتفاف على العقوبات سيُلحق ضررًا بالغًا بالمصالح الوطنية الأمريكية وبالأمن الدولي على حد سواء.
